البث المباشر

معاصي لا يغفرها الله إلّا بشروط

الأحد 2 أكتوبر 2022 - 18:32 بتوقيت طهران
معاصي لا يغفرها الله إلّا بشروط

المعاصي نوعان: فهناك معاصٍ تتعلّق بك في علاقتك مع ربِّك، وهناك معاص تتعلّق بك في علاقتك بربّك وعلاقتك بالناس. أي هناك معاصٍ لها حقٌّ عامّ، ومعاصٍ لها حقٌّ عامّ وحقٌّ خاصّ.

ولكلّ معصية من هذه المعاصي طريقتها في التّوبة؛ مثلاً، لقد حرَّم الله عليك أن تشرب الخمر، وأن تزني، وأن تكذب، ولله حقٌّ عليك أن لا تعصيه في هذا المجال.

إذا شربت الخمر نتيجة جهل أو نتيجة ظرف معيّن أو ما إلى ذلك، قل يا ربّ إنّي نادم، وإنّي تائب، يتب الله عليك، ليست هناك مشكلة. إذا كذبت في شيء لا يمسّ حياة الناس في ضرر، قل يا ربّ إنّي تائبٌ وسأكون الصَّادق في المستقبل، لا مشكلة. عندما تزني وتنتبه إلى نفسك وتقول: يا ربّ، لن أعود إلى ذلك أبداً، تب إلى ربّك يتب الله عليك.

لكن إذا شتمت إنساناً بغير حقّ، فإنّك بذلك أسأت إلى ربّك، لأنَّ الله قال لكَ لا تشتم، أسأت إلى ربّك وخالفت أمر الله، عليك أن تستغفر الله على مخالفتك له. ثمّ عليكَ حقٌّ خاصّ، إنّك أسأت إلى كرامة هذا الإنسان عندما شتمته، سواء كان هذا الإنسان شخصاً أو جماعة، فلا بدَّ أن تتسامح منه ليتوب الله عليك، إذا لم يُسقِط صاحب الحقّ الخاص حقّه، فمن الصَّعب أن تنال مغفرة الله، وأنتَ قادر على أن تعطيه حقّه.

وهكذا، عندما تسرق الناس... ثم تنتبه وترى نفسك مخطئاً، فماذا تفعل؟ هل يكفي أن تقول: اللّهمَّ إنّي تائب؟ إنَّ الله يقول لك: أين أموال الناس التي سرقت، أرجع كلّ مال سرقته إلى صاحبه، فإذا لم ترجع عين المال أرجع قيمته، وإذا لم تكن عندك قيمته اجمعها حتّى ترجعها إليه، وإذا خفت على نفسك أن يعرفك، أرجعها إليه بدون أن يعرف بذلك، أو تتسامح منه في هذا المجال. لن يتوب الله عليك إذا لم ترجع كلّ مال سرقته إلى صاحبه، لأنَّ الله لم يحلّ لكَ أموال الناس.

إنَّ بعض الناس يتصوّرون أنَّ الذي يمنعهم عن أكل أموال النَّاس هو وجود نظام رسمي، فإذا لم يكن هناك نظام، فالحلال هو ما أَحَلَّت اليد، والحرام هو ما لا أستطيع أن أبلغه! المسألة ليست كذلك، لأنَّ هناك يوماً جعله الله تعالى ليرجع كلّ حقّ إلى صاحبه {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ}[غافر: 17].

ما شعار يوم القيامة؟ ليس شعاراً سياسيَّاً، الحديث الشَّريف يقول: "لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا"، أعمال خيريّة ومستوصفات، يساعد الفقراء فيحسده الناس على ذلك، ولكن "فَيَجْعَلُهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا" ، وذلك عندما يأتي أصحاب الحقوق، وتنكشف الحقيقة، فثروته الَّتي تصدَّق بقسمٍ منها وزكَّى قسماً آخر، هذه الثَّروة جاء بعضها من السَّرقة، وأتى بالبعض الآخر من الاحتيال على النَّاس، وعندها لن تنفعه أعماله الخيريَّة، وتذوب حسناته، حتّى لا يبقى منها شيء، لأنَّ أصحاب الحقوق هم أوْلى بها، وهكذا إذا لم يردّ الإنسان إلى أصحاب الحقوق حقوقهم في الدنيا ويتسامح منهم، فإنّه سيلقى جهنَّم، حتّى لو ملأت مشاريعه الخيرية الآفاق.

 

* من كتاب " الجمعة منبر ومحراب".

 السيد محمد حسين فضل الله

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم