البث المباشر

عين "إسرائيل" مجدّداً على الجيش المصري

السبت 14 فبراير 2026 - 13:06 بتوقيت طهران
عين "إسرائيل" مجدّداً على الجيش المصري

تخرج من ظلمات غرف التفكير الاستراتيجي الإسرائيلية إلى صفحات الصحافة العبرية، تقديراتٌ أمنية تثبّت لازمةً مكرّرة تقول إنّ جيش مصر يتعزّز كمصدر خطرٍ على "إسرائيل".

من تاريخ الصراع ـــــ العربي الإسرائيلي إلى حاضره، كان هناك حضور دائمٌ لمصر وجيشها في المعادلة كعنصرٍ فاعلٍ أو كمعطى لا يجوز تغييبه بأيّ حالٍ من الأحوال. والواقع أنّ هذا الحضور لا يقتصر على المراحل التي شارك فيها الجيش المصري عسكرياً في هذا الصراع، إنما أيضاً كمعطى مثير للقلق الدائم في "تل أبيب".

وعلى المقلب الآخر، كان وهج الجيش المصري عنصر أملٍ عربي وإسلامي مستمر، وموضع تفكيرٍ في ما يمكن أن يحدثه في حال توفّرت الظروف الملائمة لتحرّكه. والحقيقة أنه على ضفتي الصراع (الاحتلال ومقاومة الاحتلال) كان الاهتمام بدور الجيش المصري نابعاً من احتمالاته قبل حركته.

اليوم، تخرج من ظلمات غرف التفكير الاستراتيجي الإسرائيلية إلى صفحات الصحافة العبرية، تقديراتٌ أمنية تثبّت لازمةً مكرّرة تقول إنّ جيش مصر يتعزّز كمصدر خطرٍ على "إسرائيل".

خلال الأيامِ الماضية، تسارعت هذه التسريبات والتقارير التي تتحدّثُ صراحةً عن قلقٍ متصاعدٍ من تعاظم القدرات العسكرية المصرية، وعن ضرورةِ "كبحِ هذا المسارِ قبل أن يتحوّل إلى تهديدٍ استراتيجيّ مباشر". مخاوفُ قديمةٌ، محورها بنيامين نتنياهو، الذي تنقلُ عنه الصحافةُ الإسرائيليةُ هذا القلق البالغ.

لكنّ السؤالَ الذي يفرضُ نفسه هنا، هو لماذا يتحوّل تركيز رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي فجأةً باتجاه الحدود الغربية؟ في لحظةٍ تنشغل فيها المنطقة والعالم باحتمالات الحرب على إيران، وبمسارات التفاوض الأميركي–الإيراني، وبأحداث سوريا ولبنان والداخل الفلسطيني؟ لا بدّ أنّ وراء هذا التحوّل أهدافاً خفيّة.

وقبل البحث في هذه الأهداف، يبرز سؤالٌ جوهريّ حول أصل هذه التقديرات، وما إذا كانت صحيحة، فهل تتعاظم قدرة مصر فعلاً؟ ولماذا يمكن لـ "إسرائيل"، التي تمارس أقصى درجات التوحّش على دول الجوار، أن تخشى جبهةً جامدةً منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد الشهيرة، التي أخرجت مصر من معادلة الصراع المباشر، وأثّرت بصورة حاسمة على الموقف العربي برمّته؟

لنفهم المشهد، لا بدّ من العودة إلى الأساس، حيث أنّ "إسرائيل" بنت عقيدتَها الاستراتيجية على فكرة التفوّق المطلق في الإقليم. الأدبيات السياسية الإسرائيلية والأميركية تركّز دائماً على وجوب الحفاظ على هذا التفوّق بوصفه شرطاً حاسماً لكلّ حركةٍ في المنطقة.

أما مصر، فتبدو شاعرةً بعمقٍ بالتهديد، من مصادر متعدّدةٍ وجهاتٍ مختلفة، خصوصاً خلال السنوات الأخيرة. لذلك تجد نفسها مدفوعةً إلى تعزيز قدراتها، وتوسيع شراكاتها، في عالم لم يعد فيه شيءٌ مضموناً، لا المواثيق الدولية ولا ضمانات الدول الكبرى.

لماذا مصر؟
هذا التحوّل في الفهم الأمنيّ في المنطقة، وفي مصر أيضاً، يقلق نتنياهو وتحالفه المتطرّف، لأنّ مصر ليست دولةً عادية في المعادلة الإقليمية. هي ركيزةٌ أساسية في النظام الإقليمي، وفي الأمن الممتد من شمال أفريقيا حتى بحر العرب، وصعوداً باتجاه الشواطئ التركية.

وهي الدولة العربية الوحيدة التي تمتلك كتلةً بشريةً تتجاوز 110 ملايين نسمة، وموقعاً جيوسياسياً يتحكّم بثلاثة بحار وقناة دولية فائقة الأهمية، وجيشاً نظامياً ضخماً بخبرات قتالية ممتدة، وعمقاً حضارياً وسياسياً يمنحها شرعية القيادة الإقليمية.

الأخطر، من وجهة النظر الإسرائيلية، أنّ القاهرة في عمقها المؤسساتي كدولةٍ وكصناعة قرار، لم تعد واثقةً بكفاية دورها كحارسٍ للاستقرار، وهو دور حاولت بلورته طوال مرحلة ما بعد كامب ديفيد، من خلال وساطاتٍ متكرّرة مع الفلسطينيين و"إسرائيل"، بل بدأت تبني بموازاة دبلوماسيتها قدرة ردع ذاتية متعدّدة المجالات: برية، جوية، بحرية، وصاروخية.

التقارير العبرية لا تتوقّف عند التنبيه من صفقات السلاح، بل تتحدّث عن تحوّل في العقيدة، من الدفاع إلى امتلاك القدرة على المبادرة، وعن فهمٍ أمنيّ استراتيجي جديد يعيد مصر إلى قلب صراع إقليمي، لم تتأكّد اتجاهاته المستقبلية بعد، لكنه في جميع الأحوال مختلفٌ عن مساره في السنوات الماضية، بعد سلسلة أحداثٍ مفصلية وقعت.

ومع هذه المعطيات السياسية والاستراتيجية، تصبح الأرقام ذات دلالة. فوفق أحدث بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، تندرج مصر ضمن أكبر عشرة مستوردين للسلاح عالمياً خلال العقد الأخير. وهي تمتلك أكثر من 4300 دبابة قتال رئيسية، وأسطولاً جوياً يتجاوز 1000 طائرة متعدّدة المهام، بين مقاتلة ونقل وتدريب. كما تحوز بحرية حديثة تشمل فرقاطات وغوّاصات وحاملتي مروحيات من طراز Mistral، إلى جانب شبكة دفاع جوي متعدّدة المصادر، روسية وغربية ومحلية التطوير.

لكنّ "إسرائيل" لا تفتح عينيها على الكمية بقدر ما تركّز على النوعية والمصادر. الأهمّ بالنسبة إليها هي المسارات والشراكات، والمعاني الكامنة فيها. فمصر تحصل على أسلحتها من شراكات مع الولايات المتحدة، فرنسا، ألمانيا، روسيا، الصين، كوريا الجنوبية، وإيطاليا... وفي لغة الأمن الاستراتيجي، هذا يعني أنّ الجهد باتجاه التحرّر التدريجي من الابتزاز السياسي مسألة جرى التفكير فيها، ومفعّلة.

ليست المرة الأولى
اللافت أنّ هذه التسريبات والتقديرات الإسرائيلية ليست جديدة. قبل عام كامل، نشر موقع nziv الإسرائيلي معطيات مشابهة، تشير إلى أنّ مصر باتت تنافس "إسرائيل" في عدد المقاتلات الحربية، بأساطيل جوية مماثلة من حيث القوة والعدد.

يمتلك سلاح الجو المصري نحو 200 طائرة F-16 تشكّل عموده الفقري، فيما يبلغ العدد الإجمالي للطائرات المصرية، وفق تقديرات الموقع الإسرائيلي، 1069 طائرة متنوّعة المهام، إضافة إلى طائرات استطلاع وإنذار مبكر، وطائرات حرب إلكترونية، ومسيّرات. غير أنّ الأخطر من كلّ ذلك هو أنّ مصر باتت تتحدّث لغة الحرب الحديثة.

لم تعد الحروب المعاصرة تقوم على الدبابات، رغم أهميتها، بل على المسيّرات والصواريخ. هذا درس أكّدته أوكرانيا، ولبنان، وإيران. وفي مصر، تصبح الطائرات من دون طيار ركناً أساسياً في معادلة التسليح. تشير التقارير الإسرائيلية إلى امتلاك القاهرة عشرات المسيّرات الصينية من طراز Wing Loong وCH-4 وCH-5، إضافة إلى نماذج تُصنّع بالتعاون مع بيلاروس، وأخرى محلية. لكنّ الصورة لا تكتمل هنا. فمصر لا تتحرّك وحدها.

شبكة إقليمية قيد التشكّل
تشكّل خلال العامين الأخيرين تشابك إقليمي جديد، عبّر عن نفسه بمجموعة من الأحداث اللافتة، مثل التقارب السياسي والأمني المتسارع بين القاهرة وأنقرة، تبادل الزيارات، التنسيق الاستخباري، والتفاهم البحري في شرق المتوسط.

هذا التحوّل يقلق "تل أبيب" لأسباب جوهرية، أبرزها أنّ تركيا تمتلك قاعدة صناعات دفاعية متقدّمة وطموحاً استقلالياً واضحاً.

وتزامناً مع هذا، تمرّ العلاقات المصرية-السعودية بأفضل مراحلها منذ سنوات، مع تنسيق سياسي وأمني وتفاهم حول ملفات البحر الأحمر والسودان وغزة.

وفي هذا السياق نفسه، جاء الإعلان عن اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان كرسالة استراتيجية كبرى. فباكستان دولة نووية، والتحالف معها إشارة مهمة إلى فتح قنوات ردع غير تقليدية. ثم تضاف إلى ذلك كلّه، معلومات عن رغبة تركيا بالانضمام إلى هذه الشراكة.

سباق محموم نحو بناء القدرات
منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بات الاتجاه الاستراتيجي الأميركي واضحاً، الانكفاء نحو الفضاء الغربي، وترك المنطقة مع ضمان المصالح الأميركية عبر الضغط الأقصى، والعمليات الجراحية، والعقوبات، من دون الغرق في حروب طويلة. الرسالة للحلفاء العرب كانت صادمة، وتقول باختصار إنّ عليهم تولّي حماية أنفسهم بأنفسهم، لكن مع استثناء "إسرائيل" من أيّ حساباتٍ لمصادر الخطر، ذلك أنها استثناء بالنسبة للولايات المتحدة، وبالتالي يجب أن تكون كذلك بالنسبة لحلفائها. 

في مقابل ذلك، تؤكّد الأحداث أنها الخطر الأول والوحيد تقريباً على أمن الدول العربية والإسلامية في المنطقة كلّها. وما كان مسكوتاً عنه بالأمس، جعلته "إسرائيل" بممارساتها خلال السنوات الأخيرة، صارخاً وغير قابلٍ للتجاهل. من هنا نفهم إلحاح التسلّح الصامت في مصر والسعودية وتركيا.

ثم جاءت الضربة الإسرائيلية لوفد حركة حماس في قطر، وقصف قاعدة العديد الأميركية بعد الهجوم الأميركي على إيران في حزيران/يونيو 2025، لتكشف حقيقة مرعبة، وهي أنّ "إسرائيل" توسّع ما تسمّيه "العمق العلملياتي"، حتى باتت تعتبر نفسها "حرّة الحركة" في أيّ نقطة من الإقليم. واقعٌ دفع عواصم عربية كبرى إلى إعادة تقويم عقائدها الدفاعية.

وفي مصر، كانت محاولة "إسرائيل" تمرير فكرة تهجير الفلسطينيين إلى سيناء واحدة من أخطر لحظات الحرب على غزة. القاهرة أغلقت الباب بالكامل، إنسانياً واستراتيجياً. فسيناء خاصرة مصر الشرقية، وأيّ تغيير ديموغرافي فيها يعني كسر توازن الأمن القومي لعقود.

لكنّ الأمر قد يكون أخطر من ذلك بعد. إذ لا يمكن فصل الأحداث المتزامنة عن مسألة التحكّم بقناة السويس، التي يمرّ عبرها نحو 12% من التجارة العالمية، في زمن تتكثّف فيه محاولات السيطرة على المعابر المائية، في غرينلاند، باب المندب، بنما والسويس.

وإلى جانب ذلك كلّه، يسير خطر التمدّد الإسرائيلي النشط نحو إثيوبيا، جنوب السودان، أرض الصومال، والبحر الأحمر، ليمسّ مباشرة عمق نهر النيل، مصدر الحياة التاريخي لمصر. وتأتي حرب السودان، هشاشة ليبيا، والفوضى في الساحل الأفريقي، لتشكّل طوق ضغط حول الأمن القومي المصري، قد ترى فيه مصر حبل مشنقةٍ ينصب لمستقبلها.

الجميع ينظر إلى القاهرة
ولأنّ مصر هي الدولة العربية الوحيدة القادرة، نظرياً وعملياً، على خلق توازن مع "إسرائيل"، في الحرب والسلم. فهي وفق تقدير القوى العربية والإسلامية في المنطقة، قادرة على الانخراط في مشروع إقليمي يحدّ من التفوّق الإسرائيلي المنفلت، ويعيد بناء القوة العربية الثقيلة. وهذا ما يجيب بدقة عن السؤال حول سبب قلق نتنياهو منها.

مصدر هذا الخوف يتجاوز صفقةً هنا أو مناورةً هناك، ليتحوّل إلى خوفٍ من مسار يعيد بناء الردع العربي، أو يخلق شبكات توازن إقليمية. مسار يتزامن مع انكفاء أميركي، وانفلات إسرائيلي، وتحوّلات عالمية متسارعة.

وهو أيضاً مسار يتحوّل فيه الجيش المصري إلى ركيزة توازن محتملة في شرق أوسط يُعاد تشكيله بالقوة. لكنّ السؤال ينفتح هنا على إشكالية جديدة محتارة في تقويم اللحظة، بين استعادة الوزن العربي في العادلة، أو مجرّد إعادة ترتيب دفاعي قبل موجة جديدة من الحروب. 

في الحالتين تدخل المنطقة مرحلة جديدة، يعود فيها اللاعبون الكبار إلى الميدان، مدفوعين بالضرورة الملحّة قبل الإرادة. وهي ضرورةٌ صنعتها "إسرائيل" بنفسها، ثم عادت لتخاف منها، وتؤسّس على هذا الخوف ظروف مواجهة جديدة، ودماء جديدة. كائن غريب يتغذّى على الدماء.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة