البث المباشر

يزيد وأحيائه للسنن الجاهلية

الثلاثاء 1 أكتوبر 2019 - 09:50 بتوقيت طهران

إذاعة طهران- فاجعة كربلاء وحرمات الله: الحلقة 18

الله أي دمٍ في كربلا سفكا

لم يجر في الأرض حتى أوقف الفلكا

وأي خيل ضلالً بالطفوف غدت

على حريم رسول الله فانتهكا!

يوم بحامية الاسلام قد نهضت

له حمية دين الله اذ تركا

رأى بأن سبيل الغي متبع

والرشد لم يدر قوم أيةً سلكا

والناس عادت اليهم جاهليتهم

كأن من شرع الاسلام قد أفكا

فما رأى السبط للدين الحنيف شفاً

الا اذا دمه في كربلا سفكا

بقتله فاح للاسلام نشر هدى

فكلما ذكرته المسلمون ذكا

وصان ستر الهدى من كل خائنة

ستر الفواطم يوم الطف اذ هتكا

نفسي الفداء لفادٍ شرع والده

بنفسه.. وبأهليه.. وما ملكا!


بسم الله الرحمن الرحيم
اخوتنا وأعزتنا المؤمنين الأطائب.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تحية لكم طيبة أيها الكرام أينما تكونون. حينما تنحط الأمة عن قيمها وأخلاقها وتضع رأسها في أوحال الدنيا وتسجد عند أقدام الطواغيت المفسدين متنازلة عن حرمات دينها فانه لابد من نهضةٍ مقرونة بالتضحيات الكبيرة انقاذاً للدين من التحريفات وانقاذا للمسلمين من الانحرافات.
ولم يكن يومها أهل لتلك النهضة التاريخية الكبيرة الا أبو عبد الله الحسين -عليه السلام- فقد قام لله -تبارك وتعالي- معرفاً بالامامة الحقة وبالخلافة الالهية المشروعة وفاضحاً ما عليه حاكم البلاد الاسلامية وما عليه المسلمون من حالٍ وخيمة من الذلة والضياع والسقوط. ولكن تلك النهضة الكبرى احتاجت الى أنفسٍ نفيسةٍ عزيزة غالية والى دماءٍ شريفةٍ زاكية. فقدمها الامام الحسين لله -جل وعلا- بذلك الاخلاص الأسمى راحلاً الى ربه عز شأنه ببدن ٍ مزقته السيوف وأوغلت في دمه الرماح والنبال. الاأن تلك النهضة الالهية المقدسة احتاجت أيضاً الى تضحياتٍ أخري، احتاجت الى سباء وسبايا، الى دموع ساخنة وعبرات شاهقة، وأحزان عميقة ورحيل شاق، الى ترمل ويتم، والى ظمأ وجوع وخوف، والى صبرٍ عجيبٍ مذهل ومجابهةٍ لأعداءٍ سفلةٍ شامتين.. فكانت العقيلة المكرمة زينب بنت فاطمة بنت محمدٍ -صلى الله عليه وآله- أهلاً لتقديم تلك التضحيات العظمى فركبت الى رحيل السبى وأطلقت خطبها تصدع بها في الآفاق لتلفت الى ما كان في كربلاء ثم الى ما كان من هتك لحرم سيد الانبياء، فأكملت المسير الحسيني وحققت الهدف الحسيني.
مستمعينا من الثابت تاريخياً ان الطاغية يزيد الأموي قد أبدى درجةً عالية من التشفي بقتل سيد شباب أهل الجنة ابي عبد الله الحسين -عليه السلام- خاصة عندما وضع رأسه الشريف بين يديه وأنشد تلك الأبيات المعروفة التي صرّح فيها بكفره بالرسالة المحمدية وأحيى فيها في الواقع وبصورة صريحة قيم الجاهلية الجهلاء.
للمزيد من التوضيح لهذه الحقيقة التأريخية نستمع معاً الى ضيفنا سماحة السيد علي الموسوي الباحث الاسلامي من البحرين.


الموسوي: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعداه اجمعين من الان الى قيام يوم الدين.
هكذا وجدنا فيما تجسد في واقعة كربلاء وما سبقها وما تلاها من احداث أنها تمثل حالة التشفي في أهل البيت الطاهرين عليهم أفضل الصلاة والسلام المتمثل في سيد الشهداء سبط رسول الله الحسين بن علي صلوات الله وسلامه عليه. حالة التشفي منبعثة من واقع الممارسة الجاهلية التي أسسها بنو امية ولاسيما ما أسسه معاوية الذي عرف بمدحه له أن يعيدها جاهلية من خلال مواقف عديدة ويكفي أنه أسس الى التصدي الى آل البيت الطاهر عليه الصلاة والسلام وفي إرساء قيم الجاهلية وكما نعلم من أبرز ممارسات يزيد بن معاوية في بداية حكمه أنه في سنة واحدة إستهدف الرموز الحضارية في تاريخ هذه الأمة أولها قتله لسبط رسول الله الحسين بن علي وثانيها استهدافه للكعبة الشريفة حتى جعلها حجراً على حجر برجمها ثم إستهدف المدينة المنورة وإستباحها ثلاثة ايام فقتل من قتل من صحابة رسول الله من حملة القرآن والحديث ومن الأبرياء من النساء والأطفال بل بقر بطون النساء الحوامل وممارسات فضيعة وشنيعة مارسها يزيد من خلال إستهدافه للمدينة. اذن هذه الممارسات الثلاثة يريد منها يزيد أن يضرب الأمة في مقتل، أن يجعلها خواراً، أن يجعلها مهزومة، أن يجعلها بلا رمز كي ترجع اليه وبالتالي هو يستهدف هذا البناء الشامخ الذي بناه رسول الله صلى الله عليه وآله والحسين وهو سيد العترة في زمانه سلام الله عليه، الحسين الذي قال فيه رسول الله "حسين مني وأنا من حسين" اذن المستهدف هنا هو رسول الله والمستهدف هنا هو الاسلام. بالتالي يزيد هو يفعل فعله كما روى الرواة أنه دعا بقضيب من خيزران جعل ينكث به ثنايا الحسين وهو يتمثل بأبيات إبن الزبعري وينطق بقول الكفر وهو يقول وهو ينكث ثنايا أبي عبد الله الحسين:

ليت أشياخي ببدر شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأسل

لأهلوا وإستهلوا فرحاً

ثم قالوا يايزيد لاتشل

قد قتلنا القوم من ساداتهم

وأعتدلناهم ببدر فأعتدل

لعبت هاشم بالملك فلا

خبر جاء ولاوحي نزل

لست من خندق إن لم أنتقم

من بني احمد ما كان فعل

اذن الممارسة صريحة بالرجوع الى الجاهلية وإستهداف قيم الاسلام العظمى ورموزها الكبرى وفي مقدمتها الحسين صلوات الله وسلامه عليه. فمنهج نظام الحكم الأموي هو منهج جاهلي بكل أبعاده وبكل مقوماته بإستهدافه لهذه الرموز الاسلامية الكبرى لاسيما سيد الشهداء ابي عبد الله الحسين الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله حينما عرج به الى السماء قال : إنه مكتوب تحت بطنان العرش الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة. وهكذا كما أسس معاوية تباعاً له يزيد يريدوه جاهلية وقد صرحوها في موارد متعددة ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون فهاهو نور الحسين وفكر الحسين ومنهج الحسين وهو المنهج السائد في هذه الدنيا وهاهو صوت الحسين يعتلي في كل بقعة من هذه الدنيا. اين بنو امية واين قيم الجاهلية التي كانوا يريدوا أن يبعثوها؟
كانت هذه اخوتنا المستمعين توضيحات سماحة السيد علي الموسوي الباحث الاسلامي من البحرين وقد وضح لنا العلاقة بين تشفي الطاغية يزيد بقتل سبط المصطفى ووارثه الحسين -عليه السلام- وبين احياء القيم الجاهلية وها نحن نتابع تقديم هذه الحلقة وهي الثامنة عشر من برنامج فاجعة كربلاء وحرمات الله باستعراض بعض الروايات التأريخية الثابتة والتي تزيد هذه الحقيقة وضوحاً.
مستمعينا بعث عبيد الله بن زياد رسولاً الى سيده يزيد بن معاوية يخبره بقتله الحسين ومن معه وأن عيال الحسين أسرى عنده في الكوفة وهو ينتظر امره فيهم فعاد الجواب من يزيد بحملهم والرؤوس معهم وأن يسرح آل الحسين -عليه السلام- ورؤوس من قتل معه الى يزيد، كما ذكر الطبري في اعلام الوري. وسرح ابن زياد علي بن الحسين -عليهما السلام- مغلولة ً يداه الى عنقه وعياله معه على حالٍ تقشعر منها الابدان، كما ذكر القرماني في أخبار الدول وآثار الأول واليافعي في مرآة الجنان. وكان عبيد الله بن زياد امعاناً منه في التنكيل بأولياء الله قد أمر أعوانه اللؤماء أن يشهروا رؤوس الشهداء في كل بلدٍ يأتونه مبالغة ً في التشفي وتباهياً بهتك حرمة سبط النبي الأكرم -صلى الله عليه واله- الى أن بلغوا ركب السبايا في بعض المنازل، هكذا ذكر الشيخ المفيد في كتابه(الارشاد). أما سبط ابن الجوزي الحنفي فقد ذكر في مؤلفه(تذكرة خواص الامة ) هذه الأبيات الآسفة الحزينة:

أيهدى الى الشامات رأس ابن فاطم

ويقرعه بالخيزرانة كاشحه؟!

وتسبى كريمات النبي حواسراً

تغادي الجوى من ثكلها وتراوحه

يلوح لها رأس الحسين على القنا

فتبكي… وينهاها عن الصبر لائحه

وشيبته مخضوبةً بدمائه

يلاعبها عاد النسيم ورائحه!


أحبتي، ولما قرب الأسارى من دمشق الشام المشؤوم أرسلت أم كلثوم الى الشمر تسأله أن يدخلهم في دربٍ قليل نظاره وأن يخرجوا الرؤوس من بين المحامل لكي يشتغل الناس بالنظر الى رؤوس الشهداء عن النظر الى النسوة السبايا، لكن الشمر اللعين أمر ان يسلك بركب السبايا بين النظار وأن تجعل الرؤوس وسط المحامل!
وفي أول يومٍ من صفر أدخل السبايا دمشق فأوقفوهم علي(باب الساعات) ذكر ذلك البيروني في الآثار الباقية وأضاف الخوارزمي الحنفي في (مقتل الحسين) أن الناس خرجوا بالدفوف والأبواق وهو في فرحٍ وسرور فدنا رجل من سكينة بنت الحسين وسألها: من أي السبايا أنتم؟ فأجابته:"نحن سبايا آل محمد -صلى الله عليه واله".
ودنا الصحابي سهل بن ساعدٍ الساعدي من سكينة عليها السلام قائلاً ألك حاجة؟ فأمرته أن يدفع لحامل رأس أبيها الحسين -عليه السلام- مبلغاً من المال فيبعده عن النساء ليشتغل الناس بالنظر اليه دون النظر اليهن، ففعل.
وفي تفسير ابن كثير وروح المعاني للالوسي الشافعي ومقتل ألحسين للخوارزمي واللهوف للسيد ابن طاووس، أن شيخاً قال للامام علي بن الحسين شامتاً: الحمدلله الذي أهلككم وأمكن الأمير منكم! فسأله الامام وهو أسير مقيد: "يا شيخ أقرأت القرآن؟" قال: بلي. قال عليه السلام أقرأت "قل لاأسألكم عليه أجراً الا المودة في القربي"(سورة الشوري: ۲۳)".
وقرأت قوله تعالي:"وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ" (سورة الاسراء: ۲٦).
وقوله تعالى "وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى" (سورة الانفال: ٤۱) قال الشيخ: نعم قرأت ذلك فقال له الامام -عليه السلام: "نحن والله القربى في هذه الايات" ثم سأله:"أقرأت قوله تعالي:"إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً" (سورة الاحزاب:۳۳) "
قال: بلي. فقال عليه السلام:"نحن أهل البيت الذين خصهم الله بالتطهير". فقال الشيخ: بالله عليك أنتم هم؟! فقال عليه السلام: "وحق جدنا رسول الله انا لنحن هم، من غير شك". فوقع الشيخ على قدميه يقبلهما ويقول: أبرأ الى الله ممن قتلكم! وتاب على الامام فبلغ يزيد فعل الشيخ، فأمر بقتله وقد قال الشاعر مشيراً الى اية المودة:

بأية آية ٍ يأتي يزيد

غداة صحائف الأعملا تتلي؟!

وقام رسول رب العرش يتلو

وقد صمت جميع الخلق (قل لا)


والحقيقة الكبري، أيها الكرام، التي تتضح من كل ما تقدم أن الطاغية يزيد الأموي قد تجذرت فيه القيم الجاهلية بأفظع وأقوى صورها، فعبرت عن نفسه بتماديه في معاداة الله ورسوله -صلى الله عليه واله- وانتهاك الحرمات المقدسة، فكيف يصلح لمنصب خلافة رسول الله -صلى الله عليه واله-؟
الاجابة نتركها لكم اخوتنا وأخواتنا مستمعي اذاعة طهران ونختم لقاؤنا بكم في الحلقة الثامنة عشر من برنامج فاجعة كربلاء وحرمات الله  شكراً لكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم