البث المباشر

صبر فاطمة (سلام الله عليه)- القسم 1

الأربعاء 9 أكتوبر 2019 - 10:25 بتوقيت طهران

إذاعة طهران- من الاخلاق الفاطمية: الحلقة 22

إخوتنا الأعزّة الأكارم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الصبر خصلةٌ خصيصة، ومنزلةٌ في الأخلاق رفيعة، يكفيه أنّه واقعٌ من الإيمان بمقام الرأس من الجسد، وهل يتصوّر للجسد حياةٌ وهدايةٌ بلا رأس، كذلك الصبر، فلا يتصوّر الإيمان بدونه، لأنه – كما ورد- على أقسامٍ وحالاتٍ، هي: الصبر على الطاعات، والصبر عن المعاصي والمحرّمات، والصبرعلى المصيبات.
والصبرالفاطميّ- أيها الإخوة الأحبّة- صبرٌ عظيم وعظيم جدّاً، لأن المصائب التي تحمّلتها سيدتنا ومولاتنا الصدّيقة الزهراءُ كانت مصائب عظمى، ولأنّ المسؤوليات الإلهية التي نهضت بها كانت كبرى…فهي بنتٌ لرسولٍ مبعوثٍ بأعظم الأديان والرسالات، وهو الإسلام الذي سيرسم مصير البشرية، وهي سلام الله عليها- زوجةٌ لسيد الأوصياء، وقد كان محسوداً مطوّقاً بالحاقدين والمبغضين ذوي النزعات الجاهلية، والذين كانوا يتحينون الفرص لإزوائهِ والغدر به، وهي- صلوات الله عليها- إلى ذلك أمٌّ لإمامين كانت ترعاهما ريحانتين لجدّهما النبيّ المصطفى صلى الله عليه وآله، وقد أخبرها أنّ أمامهما نكباتٍ وآلاماً يتحمّلانها من أجل ان يحيا الدين وتحيا هذه الأمّة.
والزهراء الطاهرة بعد هذا، هي أمٌّ لبنتين تعلمُ أنّهما ستلقيان نوائب مدهشةً في كربلاء الحزن، وفجائع مذهلةً في طريق الأسر! فأيُّ صبرٍ ذاك الذي يراد لامرأةٍ عايشت ظروف الرسالة من التبليغ إلى المقاومة إلى الهجرة، إلى المعارك، ثمّ دخلت مرحلةً خطيرةً بعد رحيل الرسول، فكانت الفتن، وانقلاب القوم على الأعقاب، وكان غصبُ الحقوق الإلهية!
لقد تعدّد الصبر الفاطميّ- أيها الإخوةُ الأفاضل- بما يتعدّد الصبر ما أمكنه، فطاعاتها وعبادتها ذهبت مثلاً لا يقوى عليها أحدٌ إلاّ أهل البيتِ النبويّ الشريف، وعصمتُها تنزّهت عن أدنى المكروهات، بل خواطرها الطاهرة تقدّست عن كلِّ شيءٍ لا ينتمي إلى الطاعات، وأمّا بيتها المتواضع، فقد شهدت جدرانه وزواياه ما قامت به من مختلف الخدمات. يكفي منه ما أبكى النبيّ صلّى الله عليه وآله…كتب الثعلبيّ في تفسيره (الكشف والبيان)، وابن شهرآشوب في (مناقب آل أبي طالب)، وغيرهما عن الصحابيّ جابر الأنصاريّ أنّه قال: رأى النبيّ صلّى الله عليه وآله فاطمة وعليها كساءٌ من أجلّة الإبل وهي تطحن بيديها، وترضع ولدها، فدمعت عينا رسول الله فقال: يا بنتاه، تعجّلي مرارة الدنيا بحلاوةِ الآخرة، فقالت له: يا رسول الله، الحمد للهِ على نعمائه، والشكر للهِ على آلائه.
قال جابر: فأنزل اللهُ عزّوجلّ قوله: "وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى".
وفي (شواهد التنزيل لقواعد التفضيل) للحاكم الحسكانيّ الحنفيّ، وكذا في (تفسيرالبرهان) للسيد هاشم البحرانيّ…عن الصحابيّ المعروف عبدالله بن مسعود في ظلّ قوله تعالي: "إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ".(المؤمنون:الاية۱۱۱) قال: يعني، جزيتُهم بالجنّة اليوم بصبر عليّ بن أبي طالبٍ وفاطمة والحسن والحسين في الدنيا على الطاعات، وعلى الجوع والفقر، وبما صبروا عن المعاصي، وصبروا على البلاءِ لله في الدنيا، أنّهم هم الفائزون والناجون من الحساب.
لقد جمعت الصديقة الزهراءُ فاطمة صلوات ربّنا عليها، إلى التواضع وخدمة أهل بيتها، صبراً جميلاً، فكانت تقمّ فناءَ الدار، وتطحن الحبّ وترعى أولادها الأربعة، صابرةً على شظف العيش، متحمّلةً راضيةً بقسمة الله تعالى وما آتاها، إلى أن توفّاها الباري جلّ وعلا طيبةً صابرة…
حتّى كتب ابن قيم الجوزية، وهو المخالف في كتابه (زاد المعاد، في هدى خيرالعباد) لدى ذكره أحوال فاطمة عليها السلام، قال: فرفع الله لها بصبرها واحتسابها من الدرجات، ما فضّلت به على نساء العالمين. أجل- أيها الإعزّة- على نساءِ جميع العالمين، من الأوّلين والآخرين فسلامٌ عليها في الصابرات القانتات، وصلاةٌ عليها من الله تعالى بأزكى معاني الصلوات.

 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة