البث المباشر

إبتغاء رضا الله في رجز الجعفي و الصيداوي وأم عمرو

الثلاثاء 24 سبتمبر 2019 - 10:07 بتوقيت طهران

إذاعة طهران- هدير الملاحم: الحلقة 21

كان من رجز الفارس الشجاع الحجاج بن مسروق الجعفي قبيل إستشهاده في ملحمة عاشوراء قوله رضي الله عنه مخاطباً الحسين -عليه السلام-:

اليوم ألقي جدك النبيا

ثم أباك ذا الندى عليا

ذاك الذي نعرفه الوصيا


وقال المجاهد الراسخ القدم على الصراط القويم الشهيد عمرو الصيداوي يوم برز لمقارعة أعداء الله ورسوله في ملحمة الطف:

إليك يا نفس الى الرحمان

فأبشري بالروح والريحان

اليوم تجزين على الاحسان

لاتجزعي فكل حي فاني

والصبر أحظى لك بالامان


وقالت والدة الفتي الحسيني عمرو بن جنادة وقد أخذت عمود الخيمة تقاتل به الباغين بعد إستشهاد ولدها وزوجها:

أنا عجوز في النسا ضعيفة

خاوية بالية نحيفة

أضربكم بضربة عنيفة

دون بني فاطمة الشريفة


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ذي الجلال والإنعام، وأزكي صلواته على أشرف الخلق وخير الأنام، محمد وآله الكرام.
أيها الإخوة والأخوات! السلام عليكم ورحمه الله وبركاته.
حيّاكم الله وأهلا ومرحبا بكم.
لم يعد الشّعر عند المؤمنين بعد ظهور الإسلام مهنة تستدرّ منها المنافع، ولا
هواية تقضي بها الأوقات الخالية. فحياة المسلمين أصبحت حياة جدّ وعبادة وجهاد، ذات أهداف كبيرة لا يناسبها قول الباطل ولا فضول الكلام، كما لم تعد تلك الحياة تسمح بالتعرّض إلى الأغراض التافهة أو اللّهو المحرّم. وإذا كان الشعر قد دخل حياة العرب قبل الإسلام دخولاً حتى أصبح ما يقرب من ضروريات الروابط والمعاشرات، فإنّ كتاب الله تعالى وسنّة رسول الله -صلى الله عليه وآله- لم يرفضاه، وإنّما هذّباه، ووجهّاه نحو المسار السليم النافع، ووظّفاه في خدمة الخير والصلاح والفضيلة، وجعلاه أحياناً خطاباً فيه التبليغ للحقّ، وفيه الكلمة المجاهدة.
ومن هنا – أيها الإخوة الأحبّة – انطلقت الحناجر العاشورائية بالأراجيز الحماسية، وكانت تحمل بيانات مرسلة حينها إلى الأعداء، تعرّف بعزّة الإسلام، وبحقائق الإمامة، وتظهر كرامة المؤمنين وشهامتهم وغيرتهم، وإباءهم وثباتهم.. ثمّ أصبحت تلك الأراجيز بعد واقعة الطفّ الكبرى لوائح شرف اعتلت إلى صدر التاريخ، تمّر عليها الأجيال فتقرأ فيها مشاهد من يوم كربلاء الخالد.
إخوتنا الأكارم... في ذلك اليوم العصيب الذي ترتدّ فيه قلوب الناس إلى الخلف رهبة من مواجهة جحافل الأعداء، يتقدّم رجل شهم إلى ساحة النزال، شاهراً سيفه، مقبلاً وحده، مقاتلاً عشرات ومئات متعطّشين إلى الدماء، أو إلى أثمانها عند السلاطين اللّعناء...
كان ذلك الرجل هو(الحجاج بن مسروق الجعفي).. أقبل على القتال، بل على الشهادة وهو يخاطب القوم بصوت رزين، وأرجوزة شجاعة:

أتاكم الداعي.. أجيبوا الداعي

بصارم ماضي الشّبا قطّاع

فأبرزوا نحوي بني الرّقاع

نحو غلام بطل مطاع


فلايكتفي هذا الجعفي بأن ينزل إلى ساحة الطفّ، بل هو يدعو الجموع إلى مبارزته يتحدّاها بقلب مطمئنّ بالإيمان، وروح مشرئبّة إلى الشهادة.
هكذا ارتجز الحجّاج بن مسروق لمّا برز، ثمّ قاتل حتى خضّب بالدماء، فعاد قليلاً إلى إمامه بعد أن ذبّ عنه، وكأنّ في صدره عبارات يحبّ أن ينشدها على المسمع الكريم لإمامه الحسين -عليه السلام-، فخاطبه بهذه الأرجوزة يقول فيها:

اليوم ألقي جدّك النبيا

ثمّ أباك ذا الندي عليا

ذاك الذي نعرفه الوصيا


فأجابه إمامه أبو عبدالله -سلام الله عليه- قائلا له: "وأنا ألقاهما على أثرك"، فرجع ابن مسروق رحمه الله يقاتل، حتّى استشهد رضوان الله عليه.
ويبرز بطل آخر من بني الصّيداء، ذلك هو أبو خالد عمرو بن خالد، الصيداوي الأسدي، وكان قد شارك في نهضة مسلم بن عقيل في الكوفة، ثمّ اختفى بعد وقوع الفتنة، حتّى سمع بشهادة قيس بن مسهر -رضوان الله عليه-، وأنّ الحسين عليه السلام وصل إلى منزل الحاجز، التحق بالركب الحسيني، ثمّ اشترك في النزال العاشورائي وقد استأذن إمامه قائلاً له: يا أبا عبد الله جعلت فداك، قد هممت أن ألحق بأصحابي ، وكرهت أن أتخلّف، فأراك وحيداً بين أهلك قتيلاً! فجاءه الإذن المبارك من إمامه -عليه السلام-
يقول له: "تقدّم؛ فإنّا لاحقون بك عن ساعة".
فبرز عمرو هذا وهو يتغنّي بالصبر، ويتشوّق إلى ما بعد القتل، ويترغّب في لقاء الله تبارك وتعالى، فأخذ يقرأ هذه الأبيات مخاطباً نفسه، هكذا أحبّ، وهكذا قال:

إليك يا نفس إلى الرحمان

فأبشري بالرّوح والرّيحان

اليوم تجزين على الإحسان

قد كان منك غابر الزمان

ما خطّ في اللّوح لدى الديان

فاليوم زال ذاك بالغفران

لاتجزعي، فكلّ حي فاني

والصبر أحظى لك بالأمان


فلمّا استشهد برز من خلفه أبنه خالد الصّيداوي يقاتل الأعداء بجسارة وشهامة، مشوّقاً أصحابه، ومحفّزا إلى مرضاة الربّ في جهادهم بين يدي الإمام الحسين -عليه السلام-، فسمع في ساحة المعركة ينادي بأرجوزته هذه:

صبراً على الموت بني قحطان

كيما تكونوا في رضي الرحمان

ذي المجد والعزّة والبرهان

وذي العلى والطّول والإحسان


ثمّ خاطب أباه عمراً يهنّئه بحسن عاقبته ورحيله عن الدنيا شهيداً فقال له:

يا أبتا قد صرت في الجنان

في قصر درّ حسن البنيان


وساعة بعد ساعة – أيها الإخوة الأعزّة – علي رغم شهادة الأصحاب واشتداد الموقف، تزداد روحية المجاهدين الأبرار في كربلاء ، فيتقدّم جنادة بن كعب الأنصاري مع الأصحاب في حملة واحدة، فاقتتلوا ساعة فما انجلت الغبرة إلّا عن خمسين شهيداً، كان من بينهم جنادة -رضوان الله عليه-. وبينما كان الإمام الحسين عليه السلام يرتّب البقية من أصحابه، إذ برز غلام ابن أحد عشر عاماً يحمل السلاح وقد قصرت له حمائل سيفه، ذلك هو عمرو بن جنادة، فقال الحسين –عليه السلام-: هذا غلام قتل أبوه في الحملة الأولى، ولعلّ أمّه تكره ذلك، فقال الغلام: إنّ أمّي هي التي أمرتني، ثمّ برز و هو يقول:
"أميري حسين و نعم الأمير"
فبارز علي صغر سنّه حتّي استشهد فنادت عليه أمّه: أحسنت يا بني، يا سرور قلبي وقرّة عيني. ثمّ أخذت عمود الخيمة، وهمّت به تضرب الأعداء وهي ترتجز قائلة:

أنا عجوز في النسا ضعيفة

خاويه بالية نحيفة

أضربكم بضربة عنيفة

دون بني فاطمة الشريفة


فقتلت رجلين، فأمر الحسين -سلام الله عليه- بإرجاعها، ودعا لها.
فعادت بعد أن قدّمت بين يدي إمامها شهيدين: ولدها البار وهو صبّي، وزوجها الشجاع الأبي، الذي شهدت له ساحة كربلاء غيرته وإقدامه وشجاعته.
وهنالك جنادة آخر، هو ابن الحارث وقد سمع وهو خارج من صفوف عسكر الإمام الحسين إلي مقابلة أعداء الله ، يرتجز قائلاً:

أنا جناد وأنا ابن الحارث

لست بخوّار ولا بناكث

عن بيعتي حتي يرثني وارث

اليوم شلوي في الصعيد ماكث


ثمّ حمل وقاتل حتّي قتل شهيداً.. فسلام عليه وعلى جنادة الأنصاري وعلى أسرته البارّة الغيورة، وعلى جميع الأرواح التي حلّت بفناء الإمام الحسين في ساحة الطفّ العسيرة.
مستمعينا الأفاضل!
وكما لاحظتم فيما نقلناه في هذه الحلقة من رجز أبطال ملحمة عاشوراء، فإن ما يتجلي فيه هو أنهم صفوة كان همها إبتغاء رضا الله عز وجل بنصرة الامام الحسين -عليه السلام- لانه وصي رسول الله وابن وصيه وأن في طاعته طاعة الله ورسوله – صلى الله عليه وآله –. وهذا هدف مقدس حري بأن يقدم المؤمن كل وجوده من أجله.           والى هنا ينتهي أيها الأعزاء لقاؤنا بكم في الحلقة الحادية والعشرين من برنامج هدير الملاحم إستمعتم لها من إذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، تقبل الله منكم حسن الإصغاء ودمتم بكل خير. الى اللقاء.

 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة