البث المباشر

بطاقات بريدية من القبر (4).. العمليات

السبت 30 أغسطس 2025 - 10:51 بتوقيت طهران

إذاعة طهران- بودكاست: الحلقة الرابعة- نتطرق في هذه الحلقة إلى العمليات التي كان من المقرر تنفيذها في سربرينيتسا والقوات التي ستشارك فيها ضمن أكبر إبادة جماعية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.

مرحبًا بكم في بودكاست "بطاقات بريدية من القبر". حيث يعتمد محتواه أساساً على كتاب يحمل نفس الاسم، كتبه "أمير سولياكيج"، وهو تقرير عن الإبادة الجماعية والمأساة الإنسانية الكبرى من وجهة نظر مؤلف الكتاب، حيث كان شاباً يبلغ من العمر عشرين عامًا في ذلك الوقت و كان يعمل مترجمًا.

كما شهدت حينها الأمم المتحدة أكبر إبادة جماعية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. يعمل سولياكيج حاليا صحفيا ومديرا للنصب التذكاري للإبادة الجماعية في سربرينيتسا، وهو معروف بعمله الدؤوب في الدفاع عن حقوق الناجين من الإبادة الجماعية في سربرينيتسا.

ويعد كتابه "بطاقات بريدية من القبر" أول كتاب يروي الإبادة الجماعية في سربرينيتسا ينشر باللغة الإنجليزية بقلم أحد البوسنيين الذين عاشوا تلك الإبادة وشهدوها، وقد تُرجم الكتاب إلى تسع لغات.

في هذه الحلقة، سنستخدم المعلومات الموجودة في هذا الكتاب لإخباركم ببعض أبعاد هذه الإبادة الجماعية الكبرى، والتي تُعرف بأنها أعظم مأساة إنسانية في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، من وجهة نظر شاهد عيان على هذه الجريمة

كان من المعروف عادة مسبقًا ما هي العمليات التي سيتم تنفيذها ومتى، وما هي القوات التي ستشارك فيها. وكانت الأجواء في المدينة متوترة لمدة يوم أو يومين قبل بدء العملية، وكان عدد الجنود أعلى من المعتاد. عادة ما يأتي الجنود قبل يوم أو يومين من الموعد.

كان الجنود يجلسون في مؤخرة الشاحنات التي لم يكن قسم حمولتها مغطاة ويغنوا في انسجام تام. والعديد منهم لن يعودوا أبدًا.

أثناء العمليات، كان الجنود يتعرفون على بعضهم البعض من خلال أشرطة القماش التي يرتدونها حول أذرعهم أو أكتافهم. كان لون شرائط القماش هذه مختلفًا لكل عملية. عندما انتهت العملية، ذهب كل شخص في طريقه وعاد إلى منزله. ولم تكن هناك حامية أو قاعدة لتخزين الذخائر أو الإمدادات التي تم الاستيلاء عليها. بالطبع، على الورق، كانت كمية الغنائم واضحة؛ ولكن بعد انتهاء العملية، كان الجنود أنفسهم أو الأشخاص الذين رافقوهم ينقلون الأغراض المنهوبة مباشرة إلى منازلهم.

مع مرور الوقت، زاد عدد المواطنين المرافقين للجنود في العمليات، لدرجة أنه بحلول نهاية العام الأول من الحرب، تضاعف عدد المواطنين بمقدار عدد الجنود أنفسهم. وكان الناس ينتظرون بفارغ الصبر سقوط أول نقطة تفتيش صربية أو فرار أول مجموعة من الجنود الصرب، حتى يتمكنوا من اللحاق بهم بسرعة. وفي بعض الأحيان، أثناء استمرار القتال، كانوا يطرقون على الأواني والمقالي وكل ما في متناول أيديهم، مما يحدث ضجيجًا يجعل الجلد أن يقشعر، ثم يأتي الصوت المتناغم لآلاف الحناجر وهم يقولون: "الله أكبر"

لقد كان هذا الصوت مخيفًا للصرب وساعد في التغلب على شعور العجز لدى جنودهم. وكان عدد القتلى من المدنيين أعلى بكثير من عدد الجنود. كانت النساء يلقين بأنفسهن مباشرة في النار للحصول على قطعة خبز؛ ويلجأ الأطفال إلى الأشجار خوفا من قصف الطائرات، ويركض الرجال العزل للاستيلاء على الأسلحة.

عادة ما كان من يرافق الجنود إلى العمليات، زوجاتهم وأخواتهم وخطيباتهم، يسكبون وعاءً من الماء خلفهم حتى يسير كل شيء على ما يرام بالنسبة لهم، تمامًا كما يتم سكب الماء بسهولة. وبعد ذلك يجلسون ويصلون الواحد بعد الآخر، في انتظار أخبار العملية. أخبار يتم ايصالها في الغالب قبل نهاية الصراعات.

ومن صوت إطلاق النار، كان واضحاً أن العملية كانت ناجحة. وكان لدى المقاتلين عادة إطلاق النار في الهواء أثناء عودتهم واقترابهم من المدينة. كان يخرج من منازلهم من ذهب أهاليهم إلى الخطوط الأمامية للترحيب بالمقاتلين. وكان يحتج بعض الأشخاص على المقاتلين قائلين لهم أن لا يهدروا الذخيرة القليلة التي لديهم.

وكانت الهزائم العسكرية نادرة في صيف عام 1992. لكن أنباء تلك الهزائم وصلت إلى المدينة وسط صمت عميق وغير طبيعي عندما عاد المحاربون. وقد تم دفن الشهداء والدموع تسيل، في عدد لا يحصى من المقابر الجديدة. لقد كان الجرحى في وضع أصعب من الشهداء. ولم تكن هناك أي أدوية أو مرافق للعلاج؛ ولم يكن بوسعهم سوى النوم في المستشفى ودعاء الأطباء لهم.

وكان المستشفى المبنى الوحيد الذي لم أجرؤ على دخوله خلال سنوات الحرب الرهيبة. ببساطة: لم أستطع تحمل الرائحة الكريهة القادمة من محيط المستشفى. رائحة لحم الإنسان! ولم يتمكن الأطباء من حقن الجرحى بمصل بسيط. وكثيرا ما كان يحدث أن يبكي الناس أمام المستشفى ويتوسلون للحصول على مصل لأخيهم مقابل بقرة، لكن يبدو أن لا أحد كان قادرا على مساعدتهم.

لا توجد إحصائيات دقيقة عن عدد العمليات التي تم تنفيذها، لأنه في كثير من الحالات تخطر الخطة على بال الشخص فجأة ويتم تنفيذ العملية دفعة واحدة. في الواقع، لم يتم التخطيط لأي شيء مسبقًا على الورق. أعتقد أن العمليات التي تم تسجيلها كانت عمليات كبيرة شارك فيها ما بين ألف إلى ألف وخمسمائة شخص.

وكان قادة تلك القوات الملونة والمتنوعة، والتي كان القاسم المشترك الوحيد بينها هو عضويتها الرسمية في الجيش البوسني والهرسك، يتجنبون تنفيذ عمليات كبرى. ومن الطبيعي أن تؤدي العمليات الكبيرة إلى سقوط عدد أكبر من الضحايا.

في الأيام الأولى من الحرب، كان التركيز على العمليات الأصغر والقواعد المعزولة نسبيًا والتي يمكن الوصول إليها دون الكثير من النضال. وكانت ميزة مثل هذه العمليات أنها كانت قادرة على الحصول على الذخائر والأسلحة والإمدادات.

بدأت العمليات الكبرى في أوائل الشتاء. لقد حان الوقت لإعداد ما يكفي من الطعام لجميع هؤلاء الناس. بالتأكيد، حيثما كانت القوات الصربية، كان هناك ما يكفي من الطعام. كانت المناطق المحررة الواقعة تحت سيطرة الجيش البوسني تتوسع، وأصبح من الصعب بشكل متزايد تغطية جميع هذه المناطق. لقد أدرك الصرب عبر الحدود المحاصرة أن نفس السكان المسلحين، والذين يرتدون الزي الحزبي، يمكن أن يصبحوا جيشًا بأنفسهم. وفي ربيع عام 1993، قرروا أن يأخذوا قضية سريبرينيتسا على محمل الجد إلى حد ما.

توقفت الشاحنة الصفراء، التي كانت مغطاة بالمطر، في السوق اليومي الواقع في وسط المدينة. كان هذا الجزء من المدينة دائمًا المنطقة الأكثر ازدحامًا في المدينة. قام أربعة جنود بسرعة بفتح الباب الخلفي للشاحنة وقفزوا منها. وخرج شخصان آخران من كابينة الشاحنة. فأخرج أحدهم، الذي كان شعره متحولاً من الأصفر إلى اللون الأبيض من شدة الحر، والذي كان يشبه القائد، أخرج مسدسه من غمده وبدأ ينظر حوله. وبعد مرور بعض الوقت، وبينما كان يصرخ بشدة، أمر الرجال من حوله بالصعود إلى الشاحنة. لم يستطع أن يتحمل العصيان على الإطلاق. كل من عارضه تعرض للضرب حتى الموت. وكان رفاقه شرسين بنفس القدر، ويتابعونه بإخلاص في كل تحركاته.

خرج رجال أكبر سناً من ظلال المباني المحيطة، وبدأوا يهزون رؤوسهم لعدم تصديقهم الموقف ويصعدون إلى الشاحنة. في غضون عشر دقائق، كانت منطقة شحن الشاحنة مليئة بأشخاص شاحبين وخائفين. بدأت الشاحنة بالتحرك وعادت بنفس الطريقة التي جاءت بها. وفي تلك الظهيرة، ورغم أن أحداً لم يخبرنا بأي شيء، كنا جميعاً نعلم أنهم ذهبوا إلى الخطوط الأمامية.

وقد تكرر هذا الأمر كل أسبوع تقريبا طوال صيف ذلك العام. كانت نفس الشاحنة الصفراء تتوقف في أكثر شوارع المدينة ازدحامًا، ويخرج منها الجنود، ويأخذون معهم أي شخص يعتقدون أنهم بحاجة إلى اصطحابه معهم. في تلك الأيام كان القتال على الخطوط الأمامية عنيفًا.

إن ما أطلق عليه الصحف الغربية اسم الجيش البوسني، والذي زرع الرعب في قلوب الصرب، لم يكن في الواقع سوى عدة مجموعات مسلحة غير مرتبطة ببعضها البعض؛ لكن هناك شيء واحد فقط كان يربطهم، وهو العدو الصربي. وبمرور الوقت، زادت اتصالاتهم، وساعدوا بعضهم البعض في الهجمات وعملوا معًا لمهاجمة المواقع الصربية.

طوال عام 1992، كانت كل وحدات الجيش تقريبًا تتكون من قوات دورية تابعة للجيش، والتي، كما قلت، كانت تدخل المدينة أحيانًا وتختطف أشخاصًا، بغض النظر عن أعمارهم، بنفس الملابس التي يرتدونها، وتجبرهم على الاستسلام مع ضباط من الجيش وبالأسلحة البدائية، كان يتم إرسالهم إلى الخطوط الأمامية.

لم يعد يهم من هي القوات التي كانوا يتبعونها، ومن هم الذين كانوا يتلقون الأوامر منهم، وأمور من هذا القبيل. لقد أرسلوا الناس مباشرة إلى حتفهم دون أي تفسير. سمع الرجال صوت الشاحنة فبدأوا بالبحث عن جحر للفرار. كانوا يركضون داخل المنازل، وكانت الشرطة، التي عادة ما تتولى قيادة العملية، تلاحقهم. قاموا بتحطيم أبواب المباني، ونهب المنازل، وسحب الأشخاص المختبئين في الخزائن، أو تحت الأرائك، أو تحت الأسرة، أو في الحمامات. ولم يكن أمام أولئك الذين تم القبض عليهم خيار سوى لعن حظهم السيئ لأنهم ولدوا في ذلك العصر. وعندما يصلون إلى الخط، كان الجنود هناك يسلمونهم سلاحًا ويشيرون إلى الخندق الصربي، قائلين: "الصرب موجودون هناك". وكانوا يبقون هناك عادة لمدة سبعة أيام، حتى تصل شاحنة أخرى من المدينة تحمل قوات جديدة متجمعة من الشوارع، خائفة ومربكة.

وكان بينهم كل أنواع الناس ومن كل الأعمار. من الأطفال الذين لم يبلغوا السن القانوني بعد، إلى الشباب في العشرينيات من عمرهم، إلى الرجال في الخمسينيات من عمرهم الذين لم يتمكنوا حتى من الدفاع عن أنفسهم واستسلموا للقدر.

لا بد وأن يكون قد خطر ببال الجميع أن هذا العمل العسكري سيكون له تأثير سيئ على الشعب وسيكون له تأثير معاكس. وبدلاً من محاربة القوات الصربية، اضطر الناس إلى الفرار من قوات الجيش البوسني. ربما كان السبب وراء رفض الناس الذهاب إلى الخطوط الأمامية والانضمام إلى الجيش هو أنهم كانوا متأكدين من أن مصيرهم المحتوم هو الموت. لا أحد يريد أن يضطر إلى الدخول في ساحة معركة لا عودة منها. يرغب الجميع في أن تكون لديهم القدرة على الاختيار، بحيث إذا لم يتمكنوا من إنقاذ حياتهم، فيمكنهم على الأقل الحفاظ على سمعتهم.

وفي أواخر عام 1992 وأوائل عام 1993، كانت عملية التسجيل والانتشار في الجبهة تتم بنفس الطريقة المتبعة في الجيوش. في تلك اللحظة، انطلق الناس، في مجموعات من عشرة أشخاص، بحقائب الظهر الفارغة المعلقة على أكتافهم، وبنفس الملابس القديمة والممزقة، نحو خط المواجهة، بينما كانت قذائف الهاون تنهمر عليهم.

وفي ربيع عام 1993، فكرت الحكومة الأميركية أخيراً في تقديم مساعداتها الإنسانية للشعب. وبالتزامن مع بدء هذه العملية، وصلت أول شحنة من الإمدادات إلى المواقع الصربية. كنا جميعًا غاضبين ومنزعجين من هؤلاء الأشخاص الذين تجنبوا مساعدتنا لسنوات. لقد علموا أننا كنا نهلك، والآن قرروا أخيرًا القيام بشيء لا يشكل أي خطر عليهم، ولم يتمكنوا من القيام به بشكل صحيح.

في الليالي التي كانت الطائرات تسقط فيها حمولتها مثل المطر على التلال المحيطة، كان الجميع يركضون للحصول على الطعام. كان الناس يتشبثون بأكياسهم الفارغة بإحكام ويذهبون ذهابًا وإيابًا لملئها. وكانت هذه أيضًا حربًا جديدة داخل الحرب المستمرة. كنا نتقاتل مع الصرب أثناء النهار ومع الآخرين أثناء الليل من أجل قطعة خبز أو حزمة طعام. الله وحده يعلم ما هي الحدود التي يتم تجاوزها وما هي الكرامة والاحترام التي يتم فقدها من أجل قطعة خبز واحدة. لقد اتخذت معركة البقاء شكلاً جديدًا.

ختاماً نشكركم على الانضمام إلينا في حلقة هذا الأسبوع من البودكاست "بطاقات بريدية من القبر".

لقد ذكرنا اليوم مشاركة الشعب والمواطنين البوسنيين في الحرب ضد الصرب وقلنا أن بعض هذه المشاركة من جانب المواطنين كانت قسرية.

أتمنى أن تكونوا قد استمتعتم بالاستماع لهذه الحلقة.

سنكون معكم مرة أخرى في غضون أسبوع على أقصى تقدير وسنتحدث معكم أكثر عن الأحداث التي أدت إلى مذبحة المسلمين في سربرينيتسا.

حتى الأسبوع القادم

دمتم بخير

وفي أمان الله.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة