وقال الشيخ مصطفى صادقي، عضو هيئة التدريس في المؤسسة بمناسبة إحياء ذكرى الشيخ المفيد، أن الاتجاهات الفكرية آنذاك كانت منقسمة بين مدرسة قم التي ركّزت على الحديث وتراث أهل البيت عليهم السلام، ومدرسة بغداد التي تبنّت مناهج عقلية تأثر بعضها بالمعتزلة.
وأشار إلى أن الشيخ المفيد استطاع أن يقدّم طرحاً متوازناً جمع فيه بين المنهجين وأسهم في تهدئة هذا الانقسام الفكري.
وأضاف أن البيئة السياسية في ظل حكم آل بويه أتاحت للمفيد مساحة لتطوير نشاطه العلمي، رغم ما واجهه أحياناً من تضييق. وأسهم هذا المناخ في إنتاج تراث ضخم يُنسب إليه ويقارب 200 مؤلَّف في الفقه وأصوله، الكلام، التفسير، المناظرات، والدراسات التاريخية، مع تأثير بارز في علم الكلام.
وأكّد صادقي أن الشيخ المفيد ترك أثراً كبيراً في الحركة العلمية من خلال تربية تلامذة بارزين مثل السيد المرتضى، الشيخ الطوسي، السيد الرضي، والنجاشي، الذين أسهموا في ترسيخ الهوية العلمية للمذهب وتطوير علوم الأدب، الكلام، الرجال، التفسير، والفقه. كما كان المفيد يعتني بالمواهب منذ صغرها ويدعمها علمياً ومالياً.
وفي جانب آخر، أوضح أن المفيد كان يعقد مناظرات علمية منتظمة في منزله ببغداد، وقد حُفظ منها نحو 35 مناظرة تناولت قضايا الإمامة، العصمة، مكانة أهل البيت عليهم السلام، والردّ على الإشكالات الكلامية والفقهية.
وأشار صادقي إلى أن منهج الشيخ المفيد يمثّل نموذجاً يُحتذى للعلماء المعاصرين، كونه جمع بين البحث العلمي والمشاركة الاجتماعية والسياسية. كما لفت إلى قيمة مؤلَّفاته التاريخية، وعلى رأسها كتاب «الإرشاد» و«الجمل»، معتبرًا أن «الإرشاد» ما يزال من أهم مصادر سِيَر الأئمة رغم خضوع بعض رواياته للنقد الفني، خاصة أنه استند فيه إلى روايات أبي مخنف ذات القيمة التاريخية.
وأضاف أن المفيد تناول موضوعات الغيبة والإمام الثاني عشر عليه السلام في الجزء الثاني عشر من «الإرشاد»، إلى جانب أربع رسائل مستقلّة وكتاب «الفصول العشرة»، في معالجة مبكرة لهذه القضايا قبل بروز تحدياتها الحديثة.