عندما تَتَّسِخُ الملابسُ، لا بُدَّ من غسلِها.
كلَّما زادَتْ البُقَعُ، زادَتْ صعوبةُ عمليةِ الغَسلِ.
لكنَّ لا توجَدُ بقعةٌ، مهما كانَتْ عميقةً وقديمةً يُمكنُها أنْ تَهُزَ وجدانَ الإنسانِ.
بينَما في الماضي القريبِ، كانتْ هناكَ ملابسٌ تَهُزُ الوجدانَ وتَحرِقُ جلدَ اليَدينِ.
ملابسٌ مُلطَّخةٌ بدماءِ وأشلاءِ وذكرياتِ شهداءٍ نَهضوا من الترابِ وارْتَقَوْا إلى السماءِ.
قبلَ حرب الثماني سنوات المفروضة بينَ إيران ونظام البعثِ البائد، ربَّما لم يَكنْ أحدٌ لِيُصدِّقَ أنَّ دورَ المرأة سَيُصبِحُ بارزاً وحَيوياً لِدرجةِ أنَّها تَستَطيعُ تقديمَ هذه الخدمةِ الجليلةِ لجَبَهاتِ القتالِ ورفع راية الإسلام بلا سلاحٍ وبأيدٍ مُتعبَةٍ فقط.
نساءٌ من مدينةِ أنديمشك جنوبَ غربِ إيران في مستشفى الشهيد كلانتري، شَمَّرنَ عنْ سَواعدِهِنَّ وأنشأنَ مغاسِلَ الملابسِ وَسَطَ النيرانِ والقصفِ، مَغاسلٌ تَفوحُ منها رائحةُ الإيمانِ والتَضحيِةِ.
غسلْنَ ملابسَ لمْ تَكُنْ مُلَطَّخةً بالدماءِ فحسبْ، بل أيضاً حَملَتْ معها أجزاءً من أجساد الشهداءِ التي لا تزالُ عالقةً بالقماشِ.
نساءٌ فَصلنَ بأيديهِنَّ، في أحواضِ الماءِ أشلاءَ أجسادِ أبناء هذه الأرض، وهكذا تَشَكَّلَ "حوضُ الدماء"؛ حوضٌ من التضحيةِ والمودةِ والمعاناةِ.
يُعَدُّ كتابُ "حوضُ الدم " للكاتبةِ "فاطمة السادات مير عالي" أحدَ أكثرِ الأعمالِ تأثيراً في التاريخِ الشفوي للدفاعِ المُقدَّسِ.
قامتْ دارُ "راه يار" للنشر بِجمعِ رواياتِ أربعٍ وستينَ امرأةٍ مُضُحِّيُةٍ من أنديمشك في خمسِ مئةٍ وأربعِ صفحاتٍ.
قالتْ "مير عالي"، وهي مواطنةٌ من خوزستان، في مقابلةٍ إنَّها قبلَ البحثِ عن هذا العملِ، لم تكنْ تَعلمُ بوجودِ مثلِ هذا المركزِ خلالِ الحربِ.
بدأتْ بالبحثِ وإجراءِ المقابلاتِ عامَ ألفين وأربعةَ عشر واستمرتْ في ذلكَ لعدةِ سنواتٍ، حتى ألَّفتْ أخيراً كتاباً من وحيِ حواراتٍ مع نساءِ وأمهاتِ وبناتِ تلكَ الفترةِ، كتاباً كانَ سردُهُ غيرَ مسبوقٍ بينَ الأعمالِ التي تُحاكي الحربَ.
في "حوضِ الدم"، الملابسُ هي التي تَروي.
كلُّ قطعةِ قماشٍ هي علامةٌ على الحياةِ والموتِ الكامِنَيْنِ وراءَها.
كلُّ بقعةٍ هي تذكيرٌ بانفجارٍ أو استشهادٍ.
أثناءَ غسلِ الملابس، لم تَكتفِ نساءُ أنديمشك بمواجهةِ رائحةِ المُطهِّراتِ والخردَلِ النَّفاذَةِ، بل واجَهنَ أيضاً ذكرياتِهِنَّ وهوياتِهِنَّ وإيمانِهِنَّ.
احترقتْ أيدي الكثيراتِ منهُنَّ جراءَ التَّعرضِ الشديدِ للموادِ الكيميائيةِ؛ لكنَّ ما أحرقَهُنَّ لم تَكنْ تلك الموادُ، بل ذكرى وجوهٍ لنْ تعودَ أبداً.
في هذا الكتاب، نَقرأُ عن أمهاتٍ كُنَّ يَبحثنَ بينَ الملابسِ الملطخةِ بالدماءِ عن أثرٍ لأبنائِهنَّ.
عن نساءٍ وَجَدنَ قطعةً من جُثةِ أزواجِهِنَّ بينَ البَطانياتِ والقُمصانِ فبَكَيْنَ في صمتٍ.
عن فتياتٍ صغيراتٍ جعلتْ الحربُ اللونَ الأحمرَ زينةً دائمةً لمَلابسِهنَّ.
كلُّ قصةٍ هي صندوقٌ من الألمِ والعاطفةِ؛
قصةٌ، على الرُّغمِ من أنَّها تَبدأُ في حوضٍ صغيرٍ في أنديمشك، إلّا أنَّ عمقَه يَصلُ إلى قلبِ التاريخِ والإنسانية.
من السماتِ الرائعةِ للكتابِ الحفاظُ على نبرةِ الرُواةِ الحَيويةِ والطبيعيةِ. وقد حافظتْ ميرعالي على حديثِ النساءِ بنفسِ اللغةِ المَحكيةِ البسيطةِ لجنوبِ إيران حتى لا تَتَشَوَّهَ أصواتُهن وتَبقى روحُ الحياةِ في السَّردِ.
وقد أَخرجَ هذا الصدقُ وهذه البساطةُ الكتابَ من سياقِ تقريرٍ تاريخيٍ جافٍ وحوَّلَه إلى عملٍ إنسانيٍ حيٍ.
إلى جانبِ النَّصِ، يَتضَمَّنُ الكتابُ أيضاً صوراً للنساءِ وبيئةِ المستشفى والأحواضِ والملابسِ، مما يَجَعلُ السَّردَ أكثرَ موضوعية.
من حيثُ الهيكلُ، كلُّ فصلٍ مُخَصَّصٍ بامرأةٍ يَتمُّ سردُ القصةِ بكلماتِها الخاصةِ. وبالتالي يُقدِّمُ الكتابُ صوتاً لمجموعةٍ نسوية؛ يَبدو الأمرُ كما لو أنَّ جميعَ نساءِ أنديمشك يَجلِسنَ معاً ويَتحَدَّثنَ عن أيامِ حوضِ الدَّم.
إنَّ تنوعَ التجارِبِ والمشاعرِ أنقذَ الكتابَ من مشكلةِ التَكرارِ؛ على الرُّغمِ من أنَّ الموضوعَ العامَ واحدٌ أيْ غسلُ الملابسِ المُلطخةِ بالدماء - إلّا أنَّ كلَّ امرأةٍ تَروي عالمَها الخاصَ:
"تَتحدَّثُ إحداهُنَّ عن خوفِ القصفِ،
وأخرى عن فَرحةِ رؤيةِ ابنِها في ملابسِ الشهداءِ،
وأخرى عن احتراقِ جلدِ يدَيها وعينَيها التي لم تَعُدْ تَتَحَمَّلُ رؤيةَ احمرارِ الماء".
أشادَ قائدُ الثورةِ الإسلاميةِ بهذا الكتابِ في بيانٍ وقالَ:
"كتابُ حوضِ الدم هو أحدُ الأعمالِ التي تَجعلُ الإنسانَ يَشعُرُ بالخَجَلِ، الخَجلُ من نساءِ هذه الأرضِ اللواتي عَمَلنَ بهذا المستوى من المَظلوميةِ والإخلاصِ في سبيلِ اللهِ دونَ أنْ يَراهُنَّ أحدٌ."
ومع ذلكَ، قالَ بعضُ النقادِ أيضاً إنَّ الحجمَ الكبيرَ للقصصِ يُسَبِّبُ أحياناً الشعورَ بالتَّكرارِ؛ لكنَّهم يعتَرفونَ أيضاً بأنَّ "حوضُ الدم " عملٌ فريدٌ من نوعِه بينَ أعمالِ التاريخِ الشفويِ نظراً لمنظورِه المختلفِ أي سردِ الحربِ من زاويةِ الماءِ والقُماشِ والصابون.
يَذَكِّرُنا كتابُ "حوضُ الدم " بأنَّ الحربَ ليستْ مجردَ ساحةِ المعركة، بل إنَّ ملاحمَ أخرى جَرتْ خلفَ الجَبَهاتِ ورُغمَ أنَّ صوتَ الرصاصِ لمْ يُسمعْ هناك، إلّا أنَّ بكاءَ النساءِ ودعائَهنَّ وعزيمتَهِنَّ حوّلتْه إلى ساحةِ حب.
هذا الكتابُ رحلةٌ من المأساةِ إلى التَّألقِ، من الدموعِ إلى الإيمان.
وفي النهايةِ، عندما تُغِلقَ الصفحةَ الأخيرةَ، تَشعُرُ أنَّ رائحةَ الدمِ والصابونِ لا تزالُ تفوحُ في الهواءِ...
وقد تَكوَّنَ في قلبِكَ حوضٌ منَ الاحترامِ والحزن.
سعَتْ دارُ الحضارةِ الإسلاميةِ للنشرِ من خلالِ نشرِ هذا الكتابِ باللغةِ العربيةِ إلى التَّعريفِ بنساءِ الثورةِ الإسلاميةِ؛
"نساءٌ قوياتٌ، عفيفاتٌ، وفعالاتٌ".
يمكنكم شراء روايةُ " حوض الدم " عبر:
https://arabicbook.ir/product/1944379/%D8%AD%D9%88%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%85
+
https://kotobon.com/search.php?s=%D8%AD%D9%88%D8%B6%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%85
+
https://www.neelwafurat.com/locate.aspx?search=books&entry=%d8%ad%d9%88%d8%b6%20%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%85&Mode=0