البث المباشر

احلى الكلام -٦٥

الإثنين 21 يناير 2019 - 13:37 بتوقيت طهران

الحلقة 65

قال لي الأخ نور الكتاب العلويّ من دهلي بالهند، من القائل:

حرام لعيني أن يجفّ لها قطر

وأن تطعم الفمض ما بقي العمر؟

فقلت للأخ العلويّ الدّهلويّ: هاذا البيت مطلع قصيدة من روائع أبي تمام الّطائيّ حبيب بن أوس قالها في رثاء محمّد بن حميد الّطوسيّ أحد قادة المأمون، وقد قتل باسلاً في منازلة الخرّميّة سنة أربع عشرة ومئتين.
ومن تلك القصيدة الّرائعة مطلعها وأبيات هذا ترتيبها:

حرام لعيني أن يجفّ لها قطر

وأن تطعم الفمض ما بقي الّدهر

توفيت الآمال بعد محمّد

وأصبح في شغل عن الّسفر السّفر

فتىً دهره شطران فيما ينوبه

ففي بأسه شطر وفي جوده شطر

فتىً مات بين الّضرب والّطعن ميتة

تقوم مقام الّنصر إن فاته النصر

وما مات حتى مات مضرب سيفه

من الضرب واعتلت عليه القنا السمر

وقد كان فوت الموت سهلاً فردّه

إليه الحفاظ المرُّ والخلق الوعر

فأثبت في مستنقع الموت رجله

وقال لها من تحت أخمصك الحشر

وإذ مدح الأمير أبادلف العجلي القاسم بن عيسى أجازه بخمسين ألف درهم، وقال له: ما مثل هاذا القول ما رثيت به محمّد بن حميد الّطوسيّ، وددت والله أنّها لك فيّ.
فقال له: بل أفدي الأمير بنفسي وأهلي، واكون المقدّم قبله.
فقال أبو دلف: لم يمت من رثي بمثل هاذا الشعر.
سألني المستمع الكريم صلاح الّطيب من الخرطوم بالسودان أن من القائل:

يا من سلا عن حبيب بعد ميتته

كم بعد موتك أيضاً عنك من سال؟

قلت لمستمعي العزيز الطيب الكريم: قائل هذا البيت هو الشاعر المطبوع المشهور المعروف بقول الشعر على السجيّة والبديهة أبو إسحاق إسماعيل بن القاسم العنزيّ الكوفيّ المولود سنة ثلاثين ومئة، والمتوفى سنة إحدى عشرة، أو ثلاث عشرة ومئتين.
وهو من مقدّمي المولّدين في طبقة بشّار أبي نواس.
وبيته المتكلّم عليه أحد أبيات قالها في رثاء ابنة المهديّ أبي هارون الرّشيد، وهاذه صورتها:

ما للجديدين لا يبلى اختلافهما

وكلّ غصن جديد فيهما بال

يا من سلا عن حبيب بعد ميتته

كم بعد موتك أيصاً عنك من سال

كأنّ كلّ نعيم أنت ذائقه

من لذّة العيش يحكي لمعة الآل

لا تلعبنّ بك الدّنيا وأنت ترى

ما شئت من عبر فيها وأمثال

ما حيلة الموت إلا كلّ صالحة

أو لا فما حيلة فيه لمحتال

بدأ بشعر المجون والتعتًّه وهو الضلال والحمق حتى لقب أبا العتاهية، ثمّ مال إلى الزهد والحكمة وضرب الأمثال، وأوصى أن يكتب على قبره هاذا البيت من شعره:

إنّ عيشاً يكون آخره الموت

لعيش معجّل التنغيص

بعث إليّ الأخ عبد الباقي الحمداني أن لمن هاذا القول:

وكنّا كندماني جذيمة حقبة

من الدّهر حتى قيل لن يتصدّعا؟

قلت لأخي الحمدانّي العزيز: هاذا القول من قصيدة من غرر الشعر العربيّ المشهور في الرّثاء قالها متمّم بن نويرة بن حجرة بن شدّاد اليربوعيّ الصّحابي في أخيه مالك بن نويرة المقتول غدراً بأمر خالد بن الوليد الذي اتهمه بالردّة طمعاً في امرأته الفائقة الجمال.
وكان مالك رجلاً سرّياً نبيلاً، فارساً شجاعاً، شاعراً شريفاً مطاعاً في قومه بني يربوع وفد على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فولاه صدقاتهم.
وكلّ مراثي أخيه متممّ له غرر درر، متلألئة في قلوب الرّكبان.
والقصيدة التي منها البيت المسئول عنه مؤلّفة من واحد وخمسين بيتا، وهي القصيدة السابعة والستون من المفضليات، ومنها هاذه الرّوائع:

وعشنا بخير في الحياة وقبلنا

أصاب المنايا رهط كسرى وتبّعا

فلّما تفرّقنا كأنّي ومالكاً

لطول اجتماع لم نبت ليلة معا

وكنّا كندماني جذيمة حقبة

من الدّهر حتى قيل لن يتصدّعا

والنّدما هنا هو النديم، وندمانا جذيمة هما مالك وعقيل، وهما ابنا فارج بن كعب من بني القين بن جسر بن قضاعة، وكانا قد ردّا عليه ابن أخته عمرو بن عديّ، فحكمهما فيما يثيبهما به، فاختارا منادمته، فصارا نديميه دهراً، ثمّ قتلهما.

*******

 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة