البث المباشر

احلى الكلام -30

الأحد 20 يناير 2019 - 12:08 بتوقيت طهران

الحلقة 30

بعث إليّ الصديق القديم عليّ اليعقوبيّ من الرّميثة بالعراق المفدّى أن من القائل:

لكلّ زمان واحد يقتدى به

وهذا زمان أنت لا شكّ واحده؟

قلت للصّديق الكريم اليعقوبيّ: قائل هذا البيت المقول في الثّناء هو الشاعر الطائيّ المشهور أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى بن عبيد بن شملال المعروف بالبحتريّ، وهذه النّسبة إلى جدّه الثاني عشر، وقد ولد بمنبج القريبة من حلب شمال سورية سنة ستّ ومئتين، وتوفّي فيها سنة أربع وثمانين ومئتين.
وخبر هذا البيت هو أنّ رجلاً بحلب يدعى طاهر بن محمّد الهاشميّ توفّي أبوه وأورثه مئة ألف دينار، فأنفقها على الشّعراء والزّوّار في سبيل الله.
فقصده البحتريّ من العراق، وإذ وصل حلب قيل له: لقد قعد في بيته لديون ركبته، فاغتمّ البحتريّ غّماً شديداً، وبعث إليه بمدحته له، فلمّا وقف عليها الهاشميّ بكى، ودعا بغلام له، وقال له: بع داري.
فقال له: أتبيع دارك، وتبقى على رءوس النّاس؟
فقال: لابدّ من بيعها.
فباعها بثلاث مئة دينار، وصرّ مئة منها، وأنفذها إلى البحتريّ، وكتب إليه معها هذه الأبيات:

لو يكون الحباء حسب الذي أنت

لدينا به محلّ وأهل

والحباء هنا هو العطاء بلا منّ ولا جزاء، والفعل منه حباه يحبوه حبواً، إذا أعطاه.
ومعنى البيت لو تيسّر العطاء على ما أنت محلّه وأهله لدينا.

لحبيب اللجين والدّرّ واليا

قوت حثواً وكان ذاك يقلّ

أي: لأعطيت الفضّة والدّرّ والياقوت تحثى عليك حثواً، أي: تهال عليك هيلا، ونحن نرى هيلها عليك قليلاً.

والأديب الأريب يسمح بالعذر

إذا قصّر الصّديق المقلّ

والأريب هو العاقل البصير بالأمور.
فلمّا وصل عطاؤه إلى البحتريّ ردّه إليه، وكتب معه:

بأبي أنت والله للبرّ أهل

والمساعي بعد وسعيك قبل

أي أنّك تعطي قبل أن تسأل.

والنّوال القليل يكثر إن شاء

مرجّيك والكثير يقلّ

والنّوال والنّائل والنّال: العطاء.
والمعنى أنّ عطاءك القليل يكثر إن أراد من يرجّي خيرك، وهو مهما كثر له قليل في نظرك لجودك وحبّك الإحسان. وختم البحتريّ أبياته للهاشميّ الجواد بهذين البيتين:

غير أنّي رددت برّك إذ كان

رباً منك والرّبا لا يحلّ

وإذا ما جزيت شعراً بشعر

قضي الحقّ والدّنانير فضل

قال للهاشميّ: إنّه ردّ برّه الذي هو المئة دينار إليه، لأنّه استوفى حقّه منه بما كتبه إليه من شعر اعتذر به إليه من قلّة العطيّة لقلّة ذات اليد.
ولمّا عادت الصّرّة إليه، حلّها، وزادها خمسين ديناراً، وحلف أنّه لن يستقبلها إذا عادت إليه، وسيّرها إليه، وإذ تسلّمها البحتريّ أنشأ:

شكرتك إنّ الشكر للعبد نعمة

ومن يشكر المعروف فالله زائده

لكلّ زمان واحد يقتدى به

وهذا زمان أنت لا شكّ واحده

ومعنى البيت الأول هو أننّي شكرت لك معروفك، وشكر الإنسان لأخيه الإنسان نعمة على الشاكر يزيدها الله عليه.
وهتف إليّ أحمد العلويّ من الدار البيضاء بالمغرب - بيّض الله وجهها - عن قائل هذا البيت ذي التشبيه الضّمنيّ اللذيذ:

وزعمتم أنّي مللت حديثكم

من ذا يملّ من الحياة وطيبها؟

قلت للأخ العلوي: هذا البيت وبيت قبله على جماله أيضاً للخطّاط المشهور ياقوت المستعصميّ الذي يضرب به المثل في حسن الخطّ، وكان اذا سأله سائل كتب له حرفاً واحداً، فيبيعه بما يريد.
وهو روميّ نشأ بدار الخلافة، وأحبّ الكتابة والأدب، ولمّا أخذت بغداد سلم وحصّل خطوطاً لابن البوّاب وغيره، فجوّد عليها، وقويت يده، وكتب أسلوباً غريباً في غاية القوّة والجمال، وصار إماماً يقتدى به، ورئيساً وافر الحرمة، كثير التجمّل والحشمة وكتب عليه أولاد الأكابر، وهو غير ياقوت الملكيّ وياقوت الحمويّ، وله شعر جيّد منه بيتاه:

صدّقتم فيّ الوشاة وقد مضى

في حبّكم عمري وفي تكذيبها

وزعمتم أنّي مللت حديثكم

من ذا يملّ من الحياة وطيبها

ومن شعره البديع، وكلّه لذّة وجمال:

تجدّد الشّمس شوقي كلّما طلعت

إلى محيّاك يا سمعي ويا بصري

وأسهر الليل ذا أنس بوحشته

إذ طيّب ذكرك في ظلمائه سمري

وكلّ يوم مضى لي لا أراك به

فلست محتسباً جدواه من عمري

ليلي نهار إذا ما درت في خلدي

لأنّ ذكرك نور القلب والبصر

*******

 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة