البث المباشر

احلى الكلام -29

الأحد 20 يناير 2019 - 12:08 بتوقيت طهران

الحلقة 29

وسألني الأخ الطّيّب رابح من البليدة بالجزائر حكاية من أدب الأكفاء في احلى الكلام ممّن مازالت أسماؤهم ساطعة على الأيّام.
فقلت: كتب الخطيب البغداديّ في تاريخه ما نصّه: أخبرني عليّ بن أيّوب القميّ: أنبأنا محمّد بن عمران الكاتب: أخبرني الصّوليّ: حدّثني الحسين بن إسحاق: قال:
قلت للبحتريّ: الناس يزعمون أنّك أشعر من أبي تمّام.
فقال: والله ما ينفعني هذا القول، ولا يضير أبا تمّام.
والله ما أكلت الخبز إلاّ به، ولوددت أنّ الأمر كما قالوا.
ولكنّي والله تابع له، لائذ به، آخذ منه، نسيمي راكد عند هوائه، وأرضي تنخفض عند سمائه.
انتهى قول البحتريّ مشفوعاً بيمينه ثلاثاً أنّ أبا تمّام أقدر منه، وأنّه ما كان إلاّ به، وأنّه قد ودّ صحّة قول الناس فيه.
واستدرك أنّه تابع لأبي تمّام، لائذ به، آخذ منه، وأنّه بإزائه نسيم عند هواء، وأرض بالنّسبة إلى سماء.
وهذه الشّهادة رائعة العرفان بالفضل لأهله، مشرقة التواضع من الكريم للكرام.
وهذا العرفان بالجميل هو الخلق الذي يحيى به الإنسان ويسعد.
وجدت في تاريخ بغداد - لازالت عامرة زاهرة - للحافظ أبي بكر أحمد بن عليّ الخطيب البغداديّ المتوفّى سنة ثلاث وستّين وأربع مئة ما نصّه: حدّث أبو عمرو ابن أبي الحسن الّطوسيّ قال: بعثني أبي إلى ابن الأعرابيّ، لأقرأ عليه أشعاراً، وكنت معجباً بأبي تمّام، فقرأت عليه من أشعار هذيل، ثمّ قرأت عليه أرجوزه أبي تمّام على أنّها لبعض شعراء هذيل:

وعاذل عذلته في عذله

فظنّ أنّي جاهل لجهله

حتّى أتممتها، فقال: أكتب لي هذه.
فكتبتها له، ثمّ قلت: أحسنة هي؟
قال: ما سمعت بأحسن منها.
قلت: إنّها لأبي تمّام.
قال: خرّق، خرّق.
قال عبد الله بن المعتزّ: وهذا الفعل من العلماء مفرط القبح، لأنّه يجب ألاّ يدفع إحسان محسن، عدوّاً كان أو صديقا، وأن تؤخذ الفائدة من الرّفيع والوضيع، فإنّه يروى عن عليّ بن أبي طالب أنّه قال: الحكمة ضالّة المؤمن، فخذ ضالّتك، ولو من أهل الشّرك.
ويروى عن بزرجمهر أنّه قال: أخذت من كلّ شيء أحسن ما فيه، حتّى انتهيت إلى الكلب والهرّة والخنزير والغراب.
فقيل له: وما أخذت من الكلب؟
قال: إلفه لأهله، وذبّه عن حريمه.
قيل: فمن الغراب؟
قال: شدّة حذره.
قيل: فمن الخنزير؟
قال: بكوره في إرادته.
قيل: فمن الهرّة؟
قال: حسن رفقها عند المسألة، ولين صياحها.
وإذ طاب الآن أحلى الكلام نمضي إلى باب أبي تمّام، لنرى ذاك الذي تواضع له المبدعون كالبحتريّ، وأعترفوا له بالفضل عليهم كيف وعى ذلك البرّ، وصان ذلك الإحسان.
فإن أعجبكم، فاسمعوا متفضّلين: قال أبو الهيثم - والهيثم الصّقر - خالد بن يزيد التّميميّ الخراسانيّ أحد كتّاب الجيش ببغداد التي توفّي فيها سنة تسع وستّين ومئتين بعدما عمّر طويلا، وله شعر مدوّن فريد في الغزل وحده، فلم يمدح، ولم يقدح قال: بينا أنا مارّ بباب الطاق، إذا براكب خلفي على بغلة، فلمّا لحقني نخسني بسوطه قائلاً: أنت القائل يا خويلد:

وليل المحبّ بلا آخر

قلت: نعم.
قال: لله أبوك! وصف امرؤا لقيس الليل الّطويل في ثلاثة أبيات، ووصفه النّابغة في ثلاثة أبيات، ووصفه بشّار بن برد في ثلاثة أبيات، وبرزت أنت عليهم بشطر كلمة، فللّه أبوك!
قلت: وبم وصفه أمرؤ القيس؟
فقال: بقوله:

وليل كموج البحر أرخى سدوله

عليّ بأنواع الهموم ليبتلي

فقلت له لمّا تمطّى بصلبه

وأردف أعجازاً وناء بكلكل

ألا أيّها الليل الّطويل ألا انجلي

بصبح وما الإصباح منك بأمثل

قلت: وبم وصفه النّابغة؟
قال: بقوله:

كليني لهمّ يا أميمة ناصبي

وليل أقاسيه بطيء الكواكب

وصدر أزاح الليل عازب همّه

فضاعف فيه الهمّ من كلّ جانب

تقاعس حتّى قلت ليس بمنقض

وليس الذي يهدي النّوم بآيب

قلت له: وبم وصفه بشّار؟
فقال: بقوله:

خليليّ ما بال الدّجى لا تزحزح

وما بال ضوء الصّبح لا يتوضّح

أظنّ الدّجى طالت وما طالت الّدجى

ولكن أطال الليل سقم مبرّح

أضلّ النهار المستنير طريقه

أم الدّهر ليل كلّه ليس يبرح

قلت له: هل لك في شعر قلته لم أسبق إليه؟

كلّما اشتدّ خضوعي

لجويً بين ضلوعي

ركضت في حلبتي خد

ديّ خيل من دموعي

قال: فثنى رجله عن بغلته، وقال: هاكها، فاركبها، فأنت أحقّ بها منيّ.
فلمّا مضى سألت عنه، فقيل: هو أبو تمّام حبيب بن أوس الّطائيّ.

*******

 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة