البث المباشر

شرح فقرة "وقراءتي فيه تفكرا"

السبت 30 أكتوبر 2021 - 19:05 بتوقيت طهران

إذاعة طهران- شرح أدعية الإمام الصادق: الحلقة 24

 

بسم الله والحمدلله الذي هدانا للتعبد اليه بالاعتصام بعروته الوثقى وحبله المتين، كتابه القرآن المبين وأهل بيته سيدنا الاعظم ابي القاسم محمد صلوات الله وتحياته وبركاته عليه وآله الطاهرين.

السلام عليكم أعزاءنا المستمعين، على بركة الله نلتقيكم في حلقة أخرى من هذا البرنامج لكي نستلهم درساً اخر من دروس الطريقة الفضلى لتلاوة القرآن الكريم من الدعاء المستحب التوجه به الى الله قبل البدء بتلاوة كتابه العزيز. جاء في النصف الثاني من هذا الدعاء المبارك قول مولانا الامام جعفر الصادق –عليه السلام-:

"اللهم نشرت عهدك وكتابك، اللهم فاجعل نظري فيه عبادة، وقراءتي فيه تفكراً وفكري فيه اعتباراً، واجعلني ممن اتعظ ببيان مواعظك فيه، واجتنب معاصيك، ولا تطبع عند قرائتي كتابك على قلبي ولا على سمعي ولا تجعل على بصري غشاوة، ولا تجعل قراءتي قراءةً لا تدبر فيها، بل اجعلني اتدبر آياته واحكامه آخذاً بشرايع دينك، ولا تجعل نظري فيه غفلة ولا قراءتي هذراً، انك أنت الرؤوف الرحيم".

ايها الاطائب، انتهى بنا الحديث الى فقرة (وقراءتي فيه تفكراً)، وواضحٌ اننا فيها نطلب من الله عزوجل ان يجعل قراءتنا كتابه العزيز تفكراً، اي ان يكون ابرز ملامحها تفكرنا فيها نتلوه من الآيات الكريمة، فما معنى ذلك وكيف نحققه؟

للإجابة عن هذا السؤال ينبغي ان نعرف أولاً معنى (التفكر)، فالمستفاد من كتب اللغة انه يعني التأمل العقلي في الشيء مع الشعور بالحاجة للوصول معرفة غائبة من معلوم حاضر.

وعلى ضوء هذا التعريف يتضح أن معنى جعل قراءة القرآن تفكراً هو أن يتوجه تالي القرآن بعقله الى ما يتلوه من الآيات القرآنية فيتأمل فيها بعقله لكي يحصل من المعلومات والحقائق التي تبينها على ما يحتاجه هو مما غاب عنه من علم يحتاجه في حياته الايمانية.

وهذا المعنى للتفكر هو الذي تهدينا اليه الاحاديث الشريفة عندما تصف التفكر بأنه حياة قلب البصير، أي أن به يحيا قلب الانسان اي وجوده الحقيقي فيحيا الحياة الحقيقية، فمثلاً روي في كتاب الكافي مسنداً عن مولانا الامام جعفر الصادق –عليه السلام- انه قال:

"ان هذا القرآن فيه منار الهدى ومصابيح الدجى، فليجل جال بصره ويفتح للضياء نظره، فان التفكر حياة قلب البصير كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور"

اخوتنا الأعزاء، وعلى ضوء ما تقدم يتضح أن تفكر تالي القرآن فيما يتلوه من آياته يستلزم تفهمها والتفقه في معانيها لكي يصل ما يحتاجه من معلوماتها، والى هذا المعنى يهدينا مولانا اميرالمؤمنين الامام علي –عليه السلام- في المروي عنه في كتاب معاني الأخبار للشيخ الصدوق انه قال:

"ألا اخبركم بالفقيه حقاً؟ [انه] من لم يقنط الناس من رحمة الله ولم يؤمنهم من عذاب الله ولم يرخص في معاصي الله ولم يترك القرآن رغبة عنه الى غيره، ألا لاخير في علم ليس فيه تفهم الا لاخير في قراءة ليس فيها تدبر الا لاخير في عبادة ليس فيها تفقه".

مستمعينا الافاضل، وهذا الفهم لمعنى التفكر مستنبط في الواقع من القرآن الكريم نفسه، فنلاحظ انه يصرح أن المعلومات البينة الواضحة من آياته وسيلة فهم المخاطب ما يحتاجه من حقائقه، لنلاحظ مثلاً قول الله تبارك وتعالى في الآية ۲۱۹ وأول الآية ۲۲۰ من سورة البقرة:

"كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ"

وقال تبارك وتعالى في الآية ۱۷٦ من سورة الأعراف بعد الاشارة الى قصة الى عاقبة بلعم بن باعوراء الذي آتاه الله الآيات فإنحرف عنها "ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ"

وقال اصدق القائلين في الآية ۲٤ من سورة يونس "كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون"

ونلاحظ أيضاً قوله عزوجل في الآية ٤٤ من سورة النحل: "وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ"، وقال في الآية ۲۱ من سورة الحشر "وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ".

مستمعينا الافاضل، وكما تلاحظون من الآيات الكريمة المتقدمة ونظائرها فان الله عزوجل يبين لنا أن الهدف من انزال الآيات الكريمة وتبيينها عبر رسول الاكرم –صلى الله عليه وآله- وتفصيلها وضرب الأمثال ونقل القصص وبالتالي كل ما جاء في كتاب المجيد، انما الهدف منه ان يتفكر فيه الناس فيحصلون منه على ما يحتاجونه لحياة قلوبهم وعيش الحياة الطيبة؛ أي أن الآيات القرآنية البينات هي وسيلة حصول قارئها على ما يحتاجه هو منها للفوز بالحياة الطيبة.

من هنا جاءت الفقرة اللاحقة من هذا الدعاء الشريف لتؤكد احدى الثمار الرئيسة لهذا التفكر وهو الاعتبار الذي يعني الاستدلال بشيء للوصول الى شيء آخر، وهذا ما سنفصل عنه الحديث ان شاء الله في الحلقة المقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة) نشكركم على طيب المتابعة ولكم دوماً من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران خالص الدعوات، دمتم في الف خير وألف بركة.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة