البث المباشر

رمضان في غزة… اختبار يومي لصمود العائلات الفلسطينية

الأربعاء 25 فبراير 2026 - 14:28 بتوقيت طهران
رمضان في غزة… اختبار يومي لصمود العائلات الفلسطينية

تحوّل شهر رمضان المبارك في قطاع غزة، تحت وطأة العدوان الصهيوني المتواصل والحصار الخانق، إلى تحدٍ يومي يختبر قدرة الأسر الفلسطينية على تأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة.

السفرة التي ارتبطت بمعاني الكرم والتكافل ولمّ الشمل، باتت اليوم شاهداً حيّاً على حجم الدمار الذي خلّفه الاحتلال، ومرآة لتحوّل قاسٍ أصاب تفاصيل الحياة، من البيوت التي سوّيت بالأرض إلى موائد الإفطار التي اختزلت أصنافها تحت وطأة الفقر وشحّ الموارد.

في مناطق النزوح الممتدة على طول القطاع، حلّت الخيام المتلاصقة مكان المنازل، واستُبدلت السفر العامرة بموائد بسيطة، فيما بات السؤال الأبرز قبل أذان المغرب: كيف يمكن تأمين وجبة تُبقي الأطفال صامدين حتى اليوم التالي؟

قبل الحرب، كانت أسواق غزة تستعد لرمضان باكراً، تعجّ بالمتسوقين، وتنبض بحركة تعكس روح الشهر الفضيل. أما اليوم، فقد تراجعت تلك المشاهد أمام أولوية البقاء، في ظل ارتفاع غير مسبوق للأسعار وانعدام شبه كامل لمصادر الدخل.

أحمد أبو جربوع، النازح من رفح إلى دير البلح، يقول إن سفرة رمضان تحوّلت إلى “رحلة كفاح يومية”. كان يملك محلاً لبيع البقوليات يؤمّن له دخلاً مستقراً، لكن الاحتلال دمّر متجره ومنزله معاً. ويضيف: “لم يعد الحديث عن تنويع الأطباق، بل عن وجبة تحفظ كرامة أطفالنا وتعينهم على الصيام”.

وفي غرب مدينة غزة، تعيش سهام مقداد مع أسرتها في خيمة قرب الميناء، بعد إصابة زوجها وتعطّل مصدر رزقهم. تؤكد أن التكايا والمساعدات الإغاثية أصبحت الركيزة الأساسية لتأمين الإفطار، في ظل طوابير انتظار طويلة وإمكانات محدودة، مشيرة إلى أن “الجوع ليس وحده المؤلم، بل الشعور بالعجز أمام أسئلة الأطفال”.

هذا الواقع لا يعكس أزمة معيشية عابرة، بل نتيجة مباشرة لسياسات الحصار والتدمير الممنهج التي طالت البنية الاقتصادية للقطاع. آلاف المنشآت الصغيرة سُوّيت بالأرض، وسلاسل الإمداد تعطلت، فيما يُقيّد الاحتلال إدخال السلع الأساسية، ما أدى إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي وارتفاع معدلات الفقر إلى مستويات غير مسبوقة.

ورغم ذلك، تبقى سفرة رمضان في غزة مساحة رمزية للصمود. فوسط الغياب المؤلم لشهداء ارتقوا دفاعاً عن أرضهم، ومعتقلين يقبعون في سجون الاحتلال، تحرص العائلات على إبقاء شعلة الأمل حيّة، ولو بزينة بسيطة على باب خيمة أو طبق متواضع يُرتّب بعناية.

في غزة، تقلّصت المائدة، واشتدّ الحصار، وتعاظمت الجراح. لكن الإصرار على الاجتماع عند أذان المغرب، ولو حول لقمة بسيطة، يظلّ تعبيراً عن تمسّك الفلسطينيين بحقهم في الحياة والكرامة، ورسالة بأن العدوان مهما اشتدّ لن ينال من روح الصمود المتجذّرة في هذه الأرض.

يأتي هذا الواقع الإنساني المتدهور في قطاع غزة في سياق العدوان الإسرائيلي المتواصل والحصار المفروض على القطاع منذ أكثر من 17 عاماً، والذي تصاعدت حدّته مع الحرب الأخيرة، متسبباً في دمار واسع طال الأحياء السكنية والبنية التحتية والمنشآت الاقتصادية.

فقد أدت العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى تدمير آلاف المنازل والمنشآت التجارية والصناعية، ما تسبب في فقدان عشرات الآلاف لمصادر دخلهم، وارتفاع معدلات البطالة والفقر إلى مستويات غير مسبوقة. كما تضررت شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي، الأمر الذي فاقم من تعقيدات الحياة اليومية، لا سيما في ظل النزوح الداخلي الواسع.

إلى جانب ذلك، يواجه القطاع قيوداً مشددة على إدخال السلع الأساسية والوقود، ما انعكس على توفر المواد الغذائية وارتفاع أسعارها بشكل كبير، في وقت تعتمد فيه غالبية الأسر كلياً أو جزئياً على المساعدات الإنسانية.

هذا المشهد يضع شهر رمضان هذا العام في إطار استثنائي، حيث يتقاطع البعد الروحي والاجتماعي للشهر الفضيل مع تحديات معيشية قاسية، تجعل من سفرة الإفطار مؤشراً مباشراً على حجم الأزمة الإنسانية التي يعيشها سكان القطاع تحت وطأة الاحتلال والحصار.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة