البث المباشر

احلى الكلام -٤٦

الأحد 20 يناير 2019 - 14:29 بتوقيت طهران

الحلقة 46

كتب إليّ الأخ العزيز أبو حيدر الفتليّ من الأسوج المسمّاة اليوم السّويد أن لمن هاذا المثل؟
أراد من أوّل من ضربه، وهو: "أرسل حكيماً ولا توصه".
قلت للأخ الفتليّ الكريم: هاذا المثل عجز بيت قاله الزّبير بن عبد المطّلب ابن هاشم، وهو أكبر أعمام النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) وقد أدركه النّبيّ في طفولته.
وهو من شعراء قريش المعدودين على قلّة شعره، وهاذا هو بيته:

إذا كنت في حاجة مرسلاً

فأرسل حكيماً ولا توصه

وسألني الأخ نجيب الأمين من دار السلام بغداد عمّن قال:

وفضّلني في الشعر واللبّ أنني

أقول على علم وأعرف من أعني

قلت للأخ الأمين العزيز: هاذا البيت ربع أبياتاً لأعشى ربيعة، وهو عبدالله بن خارجة بن حبيب بن قيس المروانيّ المذهب، المتعصب للأمويين.
وقد قالها إذ سأل عبد الملك بن مروان: ما الذي بقي منك؟
وهاذه هي أبياته المعنيّة:

وما أنا في أمري ولا في خصومتي

بمهتضم حقّي ولا قارع سنّي

ولا مسلم مولاي عند جناية

ولا خائف مولاي من شرّ ما أجني

وإنّ فؤادي بين جنبيّ عالم

بما أبصرت عيني وما سمعت أذني

وفضلني في الشعر واللب أنني

أقول على علم وأعرف ما أعني

وسألني الأخ عبد الودود الزّهرانيّ من الباحة بالحجاز أن لمن هاذا البيت:

وإذا وجدت لها وساوس سلوة

شفع الفؤاد إلى الضمير فسلّها؟

قلت للأخ الزهراني العزيز: هاذا البيت من قصيدة من روائع الغزل للشاعر الغزل المقدّم من شعراء المدينة المنوّرة، المعدود في الفقهاء والمحدّثين.
وهو عروة بن أذينة - وأذينة لقب أبيه، واسمه يحيى- بن مالك.
قال الزّبير بن بكّار: حدّثني عمّي، قال: كان عروة بن أذينة نازلاً في دار أبي بالعقيق، فسمعه ينشد:

إنّ التي زعمت فؤادك ملّها

جعلت هواك كما جعلت هوىً لها

فبك الذي زعمت بها وكلاكما

يبدي لصاحبه الصّبابة كلّها

ويبيت بين جوارنحي حبّ لها

لو كان تحت فراشها لأقلّها

ولعمرها لو كان حبّك فوقها

يوماً وقد ضحيت إذا لأظلها

وإذا وجدت لها وساوس سلوة

شفع الفؤاد إلى الضمير فسلها

بيضاء باكرها النعيم فصاغها

بلباقة فأدقّها فأجلّها

لمّا عرضت مسلّماً لي حاجة

أرجو معونتها وأخشى دلّها

منعت تحّيتها فقلت لصاحبي

ما كان أكثرها لنا وأقلّها

فدنا فقال لعلّها معذورة

من أجل رقبتها فقلت لعلّها

قال: فأتاني أبو السائب المخزوميّ وأنا في داري بالعقيق، فقلت له بعد الترحيب به: بدت لك حاجة؟
فقال: نعم، أبيات لعروة بلغني أنّك سمعتها منه.
فقلت له: وأيّة أبيات؟
فقال: وهل يخفى القمر؟
قوله:

إنّ التي زعمت فؤادك ملّها

جعلت هواك كما جعلت هوىً لها

فأنشدته إيّاها، فلمّا بلغت إلى قوله:فقلت لعلّها، قال: أحسن والله هاذا والله الدّائم العهد، الصادق الصّبابة، لا الذي يقول:

إن كان أهلك يمنعونك رغبة

عنّي فأهلي بي أضنّ وأرغب

اذهب، لا صحبك الله، ولا وسّع عليك- يعني قائل هاذا البيت - لقد عدا أعرابيّ طوره.
وإنّي لارجو أن يغفر الله لصاحبك - يعني عروة- لحسن ظنّه بها وطلبه العذر لها.
قال: فعرضت عليه الطعام، فقال: لا، والله ما كنت لآكل بهاذه الأبيات طعاماً إلى الليل.
وانصرف.
وبعث إليّ الأخ عليّ النّاجي من الغرب الأستراليّ أن لمن هاذا القول:

تفكّر فإن حدّث أنّ أخا هوىً

نجا سالماً فارج النجاة ن الحبّ؟

قلت لأخي النّاجي الكريم: هاذا القول لأبي حفص عمر الشطرنجيّ، وهو أبن عبد العزيز مولى بني العبّاس.
وكان لاعباً بالشطرنج مشغوفاً به، فلقّب به، لغلبته عليه، وقد نشأ في دار الخليفة المهديّ، وانقطع إلى ابنته عليّة، وقال لها الأشعار فيما تريده من أمور بينها وبين أخيها هارون الرّشيد، فتنتحل منها ما تشاء، وتدع ما تشاء.
ومن شعره المنسوب إليها البيت المسئول عنه، وهو ثالث أربعة أبيات هاذا ترتيبها:

تحبّب فإنّ الحبّ داعية الحبّ

وكم من بعيد الدّار مستوجب القرب

إذا لم يكن في الحبّ عتب ولا رضاً

فأين حلاوات الرّسائل والكتب

تفكّر فإن حدّثت أنّ أخا هوى

نجا سالماً فارج النجاة من الحبّ

وأطيب أيّام الهوى يومك الذي

تروّع بالتحريش فيه وبالعتب

قال محمد بن الجهم البرمكي: رأيت أبا حفص الشطرنجي الشاعر، فرأيت منه إنساناً يلهيك حضوره عن كلّ غائب، وتسليك مجالسته عن هجوم المصائب.
قربه عرس، وحديثه أنس، جدّه لعب، ولعبه جدّ، دين ماجد وكان فيما علمته أقلّ ما فيه الشّعر.

*******

 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة