واجهت الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ انتصار ثورتها المجيدة في العام 1979 من القرن الماضي تهديدات عديدة، وعانت من موجات متتالية من الضغوط العسكرية والاقتصادية والاجتماعية، كادت أن تؤدي في بعض مراحلها الحاسمة إلى سقوط النظام الإسلامي، وإلى تفكّك الدولة، وإلى تمكّن أعداء الجمهورية وهم كثر من الحصول على مبتغاهم الذي بذلوا من أجله الكثير من الجهد، وجيّروا في سبيل الوصول إليه كل ما بين أيديهم من إمكانات مادية وتكنولوجية، ومارسوا أنواعاً شتّى من الحروب المباشرة وغير المباشرة، والحروب الهجينة، وفي بعض الأحيان، الحرب عن طريق وكلائهم وأذرعهم المنتشرة داخل الأراضي الإيرانية وفي خارجها.
منذ نجاح الثورة الإسلامية في إيران في إسقاط نظام الشاه، والذي كان يُعتبر أهم أذرع محور الشر في المنطقة، وهذه الثورة تتعرّض لمروحة واسعة من حملات الضغوط القصوى، والتي أدّت إلى مواجهة النظام والشعب في إيران مشاكل عديدة، ولا سيّما على المستوى الاقتصادي، والذي استخدمه أعداؤها وما زالوا كسلاح فتّاك بهدف إسقاط النظام، أو على أقل تقدير جعله منهكاً وضعيفاً ومستنزفاً، وغير قادر على مواجهة ما يتعرّض له من اعتداءات في كثير من الساحات الداخلية والخارجية.
في مواجهة تلك الهجمات، ومن أجل التصدّي لجملة التحدّيات، طوّرت إيران ما عُرف لاحقاً بنظرية تحويل التهديد إلى فرصة، والتي سعت من خلالها إلى إفشال ما يُحاك ضدها من مؤامرات، وإلى الاستفادة قدر الإمكان مما تتعرّض له من صعوبات في شتّى المجالات، بل وتحويل ذلك إلى فرصة للانطلاق نحو آفاق أوسع من البناء والحداثة، والتي هي بحاجة ماسّة إليهما من أجل مواجهة ما تتعرّض له من حصار لو فُرض على شعب آخر لانهار على الفور، ولسقط نظامه، وتفكّكت مؤسساته بعد فترة وجيزة.
أحد أهم التهديدات التي واجهت الثورة الإيرانية كان حرب السنوات الثماني مع العراق، والتي بدأت بعد عام واحد فقط من نجاح الثورة، والتي بعيداً عن الخوص في تفاصيلها الكثيرة، كانت تشكّل تحدّياً وجودياً للنظام الإسلامي الناشئ، والذي لم يكن قد مرّ على تولّيه مقاليد السلطة في البلاد إلا أشهراً معدودة.
في تلك الفترة عانت إيران من عدم جاهزية قواتها المسلّحة، ومن عدم امتلاكها أي أسلحة حديثة تمكنّها من مواجهة عدوّها الذي وُضعت تحت تصرّفه كل إمكانات أعداء الثورة، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية وغيرها من دول محور الشر، وعانت كذلك من عدم استقرار الأوضاع الداخلية بسبب الجماعات المناوئة للنظام الجديد، والتي نفّذت العشرات من عمليات الاغتيال والإخلال بالأمن، في مرحلة كانت فيها الدولة الإيرانية في أمس الحاجة إلى الهدوء والاستقرار.
في مقابل ضعف الإمكانات العسكرية، وفقدان الاستقرار الداخلي حينذاك، لجأ النظام الإسلامي في إيران إلى الأيديولوجيا العقائدية، إذ أطلق على تلك الحرب لقب "الدفاع المقدس" من أجل تحشيد كل طاقات الأمة الإيرانية حولها، ومن أجل منع القوى المناوئة للثورة من استغلال حالة الحرب للوصول إلى أهدافها في إسقاط الدولة وضرب النظام الوليد في مقتل.
تهديد آخر واجه النظام الإسلامي في إيران، تمثّل في وفاة المرشد الأول للثورة، وقائدها التاريخي روح الله الخميني في الثالث من حزيران/يونيو من العام 1989، والذي جاء في فترة حسّاسة جداً من عمر الجمهورية الإسلامية، التي كانت قد خرجت لتوّها من حرب قاسية استمرت ثماني سنوات، دفعت فيها إيران أثماناً باهظة، وتعرّضت فيها لاختبارات غير مسبوقة.
للرد على هذا الحدث المفجع بالنسبة لكل أنصار الثورة، ولقطع الطريق على أي تداعيات سلبية قد تنشأ عنه، تم في اليوم التالي لوفاة الإمام الخميني انتخاب رئيس الجمهورية في ذلك الوقت على الخامنئي مرشداً جديداً، وهو ما أمّن انتقالاً سلساً للسلطة من دون أي معوّقات، إضافة إلى تعديل الدستور، وتعزيز صلاحيات الحرس الثوري الإيراني الذي يُنظر إليه على أنه الجدار الحديدي الذي يحمي الدولة والنظام والشعب من كل الأخطار التي تتهدّدها.
ثالث التهديدات التي واجهت النظام الإسلامي في إيران بعد الثورة كان الحصار والعقوبات الاقتصادية المستمرة والمتواصلة، والتي سعى من خلالها محور الشر لإسقاط النظام، أو بالحد الأدني إلى دفعه نحو الانكفاء والانشغال بأوضاعه الداخلية ومشاكله الاقتصادية.
خلال أكثر من أربعة عقود ونصف، وفي إطار تحويل التهديد إلى فرصة، طوّرت إيران استراتيجية عُرفت لاحقاً بـ "اقتصاد المقاومة"، والذي حاولت من خلاله مواجهة مروحة واسعة من الصعوبات، والتقليل قدر الإمكان من تأثير العقوبات على تماسك الدولة.
اعتمدت استراتيجية "اقتصاد المقاومة" على مبدأ الاكتفاء الذاتي، حيث جرى التركيز على تعزيز الإنتاج المحلي، وتصنيع بدائل للسلع المستوردة، إلى جانب تنويع الصادرات من خلال زيادة الاعتماد على الصادرات غير النفطية مثل المنتجات البتروكيماوية، والكهرباء، والخدمات التقنية، إلى جانب دعم المشاريع المعرفية، والتي تم من خلالها تعزيز "اقتصاد المعرفة" وتطوير التكنولوجيا المحلية في مجالات الدفاع، والصناعات الدوائية، والطائرات المسيّرة، كما قامت إيران بتعزيز تحالفاتها الآسيوية، حيث بنت علاقات اقتصادية واستراتيجية قوية مع دول مثل الصين، وروسيا، والهند لموازنة الضغوط الغربية، إضافة إلى توسيع التبادل التجاري مع دول الجوار مثل العراق وتركيا والإمارات، ما سهّل الوصول إلى العملات الصعبة والسلع الأساسيّة.
سقوط النظام السوري في كانون الأول/ديسمبر من العام 2024 والذي وصفه الكثيرون بـ "النكسة الاستراتيجية" للجمهورية الإيرانية شكّل هو الآخر تهديداً فعلياً لمشروع إيران في المنطقة، والذي كان يعتمد بشكل أساسي على محاصرة الكيان الصهيوني من كل الجهات، والتي كان من أهمها الأراضي السورية، هذا إضافة إلى كون سوريا أحد أهم الممرات البريّة الرابطة بين إيران وبين حلفائها في لبنان وحتّى فلسطين.
تعاملت إيران بهدوء لافت مع التغيير في سوريا رغم أهميته وحساسيّته، حيث جاء تحركّها مبكّراً وقبل سقوط النظام بأيّام، إذ سحبت مستشاريها العسكريين ودبلوماسييها العاملين في دمشق، ثم أتبعت ذلك بمواقف سياسية واضحة وجليّة، حيث أعلنت احترامها لإرادة الشعب السوري، وعدم نيّتها التدخّل في شؤونه الداخلية، واحترامها لوحدة التراب السوري، كما أشارت إلى أنها ستبني مواقفها من النظام الجديد في سوريا بناء على سلوكه المنتظر.
ميدانياً، لجأت إيران إلى تعزيز الأمن في مناطقها الحدودية مع دول الجوار ولا سيّما مع العراق، مخافة أن يستغل بعض القوى المناوئة حالة الفراغ في سوريا والانتقال إلى العراق، ومن ثم مهاجمة الأراضي الإيرانية.
في العام الماضي واجهت إيران تهديداً جديداً وحاسماً، إذ تعرّضت لهجوم إسرائيلي واسع صباح الثالث عشر من حزيران/يونيو استهدف منشآت عسكرية حيويّة، وأدّى إلى سقوط العشرات من الشهداء من خيرة قادتها العسكريين، وعلمائها النوويين، إضافة إلى تدمير العديد من مقرّات القيادة والسيطرة، والدفاع الجوي التابعة للجيش والحرس الثوري في إيران.
هذا العدوان الغادر الذي توسّع لاحقاً ليشهد تدخّلاً أميركياً مباشراً من خلال استهداف المواقع والمنشآت النووية الإيرانية، ردّت عليه إيران بمزيج من الردود العسكرية والدبلوماسية الواسعة، والتي أفضت بعد اثني عشر يوماً من بدئه إلى التوصل لوقف إطلاق النار في الرابع والعشرين من الشهر نفسه.
عسكرياً، ردّت إيران بصورة فاجأت العدو، وأسقطت ما كان يدّعيه من سيطرة على مجريات المعركة، وضربت في مقتل منظومة دفاعاته الجوية "الأسطورية"، وإلى جانبها منظومات الدفاع الجوي الأميركية وتلك التابعة لدول إقليمية وعربية، حيث أطلقت أكثر من 550 صاروخاً بالستياً بعيد المدى، وما يزيد على 1000طائرة مسيّرة انتحارية، استهدفت جميعها مواقع عسكرية وحكومية وبنى اقتصادية في "إسرائيل"، كما قامت باستهداف قاعدة "العيديد " في قطر، والتي تُعتبر كبرى القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، وهو الأمر الذي اعتبره الكثيرون سبباً رئيسياً في وقف الحرب.
على جانب مواز،ٍ شنّت إيران هجمات سيبرانية مكثّفة استهدفت من خلالها البنية التحتية الإسرائيلية، إلى جانب عشرات العمليات الأمنية التي نفّذتها أجهزة الأمن ضد العملاء والجواسيس، والتي شملت اعتقال أكثر من خمسين عميلاً عملوا لصالح العدو الإسرائيلي، هذا إضافة إلى تحركات دبلوماسية مكثفة قامت بها الخارجية الإيرانية، أبرزت من خلالها الموقف من العدوان، وبيّنت صوابية النهج الإيراني في التعامل معه والرد عليه، وصولاً إلى إظهار العدوان في صورته الحقيقية التي حاول أعداؤها إخفاءها وتزويرها.
إلى جانب التهديدات السابقة، واجهت إيران تحدّيات خطيرة في فترات أخرى، مثل اغتيال الجنرال قاسم سليماني قرب مطار بغداد، واستشهاد رئيسها السابق إبراهيم رئيسي في سقوط طائرته المروحية، إضافة إلى ما سبق ذلك من اغتيال العشرات من علمائها النوويين، حيث تعاملت مع جميع تلك الأحداث بالمنطق نفسه الذي سعت من خلاله إلى استيعاب الخسائر وتعويضها قدر الإمكان، ومن ثم الانطلاق نحو استغلال ما جرى من أجل تعزيز قوّتها وحضورها، إلى جانب تطوير وتحديث إمكاناتها في مختلف الصعد والمجالات.
خلال الأسابيع الأخيرة، تواجه الجمهورية الإسلامية في إيران تهديداً يكاد يكون فريداً من نوعه، إذ ترافقت الاحتجاجات الداخلية التي شابها الكثير من العمليات الإرهابية والتخريبية، مع تهديدات أميركية واضحة بشن عدوان جديد عليها بحجة الرد على "قمع "المحتجين، وما تلا ذلك من حشود عسكرية أميركية في منطقة الخليج العربي ومحيطها.
حتى الآن، لا يمكن الجزم بأن التهديدات الأميركية يمكن أن تتحوّل إلى حرب مباشرة، ولا يمكن الجزم كذلك بحجمها ومداها وانعكاساتها في حال اندلاعها، إلا أنه وبحسب الكثير من التحليلات والمعطيات، فإن فرضية اندلاع الحرب أعلى بكثير من إمكانية التهدئة، وإن كانت هذه الأخيرة واردة وممكنة، في ضوء خشية الكثيرين في المنطقة وحول العالم من تداعياتها.
في ضوء هذه التطورات تتعامل القيادة في إيران بهدوء وحكمة مع كل ما يجري، ولم تقع فريسة للحرب النفسية الهائلة التي تُشن عليها لدفعها نحو خطوات قد تكون انتحارية، وهي تعمل بكل السبل والوسائل السياسية والدبلوماسية لمنع وقوع الحرب، وفي الوقت نفسه، ترفع من درجة الجاهزية القتالية إلى أقصى درجاتها للتعامل معها في حال تفجّرها.
قد يبدو التهديد الحالي الذي تواجهه إيران أصعب مما سبقه، إذ إنه للمرة الأولى يمكن أن تدخل في مواجهة عسكرية من العيار الثقيل مع أقوى دولة في العالم، والتي يمكن أن تتوسع المواجهة معها لتصبح مواجهة إقليمية تشمل معظم جغرافيا الإقليم، مع ما يمكن أن يتبع ذلك من تحركات داخلية تنفذها جماعات مرتبطة بأعداء الثورة كما جرى مؤخراً، وهو ما يمكن أن يهدد استقرار الدولة ونظام الحكم فيها.
إلا أننا نعتقد بأن التجارب السابقة التي خاضتها الجمهورية الإسلامية في إيران، والتي واجهت فيها تحدّيات وتهديدات جمّة، يمكن أن تشكّل حائط صد يُسقط جميع المؤامرات، ويُفشل كل المخططات، بل ويمكن أن يكون فرصة للانطلاق نحو تثبيت دعائم حكم النظام الإسلامي في إيران في الداخل وفي الخارج، وتعويض جزء من الخسائر التي لحقت بهذه الدولة العظيمة خلال الأشهر الأخيرة على وجه التحديد.
الأيام، وربما الساعات المقبلة، يمكن أن تكشف لنا عن تطورات جديدة، وسنعرف بعدها هل ستتمكن إيران من تحويل التهديد الحالي إلى فرصة، كما فعلت على الدوام، ام أن الأمر هذه المرة مختلف؟
الميادين/أحمد عبد الرحمن، كاتب في الشأن السياسي والعسكري