البث المباشر

احلى الكلام -32

الأحد 20 يناير 2019 - 12:10 بتوقيت طهران

الحلقة 32

قرأت في تاريخ بغداد للحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي قوله: أخبرنا أبو عبد الله الحسن بن الحسن بن محمد المخزومي حدّثنا أبوبكر محمّد بن يحيى بن العبّاس الصولي قال: كنت عند أبي ذكوان وهو القاسم بن إسماعيل، فقال: أنشدني عمّك إبراهيم ابن العبّاس لخاله العبّاس بن الأحنف:

قد سحب الناس أذيال الظّنون بنا

وفرّق الناس فينا قولهم فرقا

فكاذب قد رمى بالحبّ غيركم

وصادق ليس يدري أنّه صدقا

ثمّ قال: كأنّي أعرف شعراً أخذه العبّاس منه.
فقلت له: أنشدنا أبو العيناء عن الأصمعيّ لمزاحم العقيلّي:

ألا يا سرور النّفس ليس بعالم

بك الناس حتّى يعلموا ليلة القدر

سوى رجمهم بالظّنّ والّظنّ مخطئ

مراراً ومنهم من يصيب ولا يدري

فقال: هو والله ما أردت، لو رآك عمّك، لأقرّ الله عينه بك.
قلت: ومزاحم العقيليّ هو ابن الحارث، أو ابن عمرو بن مرّة بن الحارث شاعر غزل بدويّ من الشّجعان أقرّ الفرزدق وجرير وذو الرّمّة أنّه أشعر منهم ومن شعره العذب الرقيق:

ولست بمحص حبّ ليلى لسائل

من الناس إلاّ أن أقول كثير

لها في سواد القلب تسعة أنهم

وللنّاس طرّاً من هواي عشير

قال ابن الكلبيّ (رحمه الله): ومن الناس من يزعم أنّ ليلى هذه التي يهواها مزاحم العقيليّ هي التي كان يهواها المجنون، وأنّهما اجتمعا في حبّها.
قلت: وليلى هذه هي بنت موازر القشيريّة.
كتب إليّ الأخ أحمد الحريريّ من رومة حاضرة إيطالية يقول: لمن هذا المعنى العذب اللطيف:

كن كيف شئت فمالي عنك من بدل

أنت الزّلال لقلبي وهو ظمان؟

قلت للأخ الحريري: هذا المعنى العذب الزّلال لأبي الدّرّ ياقوت بن عبد الله الرّوميّ الشاعر المشهور الخطّاط البارع الذي أجاد في الغزل والتّصابي وذكر المحبّة.
وشعره رائق فائق أحبّه الناس وحفظوه لوضوحه وعذوبته، وحسنه وسهولته، ومنه هذه الصّور البديعة:

إن غاض دمعك والأحباب قد بانوا

فكلّ ما تدّعي زور وبهتان

وكيف تأني أو تنسى خيالهم

وقد خلا منهم ربع وأوطان

لا أوحش الله من قوم نأوا فنأى

عن النواظر أقمار وأغصان

أجرى دموعي وأذكى النار في كبدي

غداة بينهم همّ وأحزان

يا من تملّك رقّي حسن بهجته

سلطان حسنك مالي منه إحسان

كن كيف شئت فما لي عنك من بدل

أنت الزّلال لقلبي وهو ظمآن

وهذا الشّعر الجميل من البحر البسيط، وعروضه تامّة مخبونة، وضربها مقطوع.
ووقع إليّ خطّ الأخ أبي أحمد الناصري من دار السلام بغداد يحيّيني ويسألني أن فيم قيل هذا البيت؟
أفي مدح، أم فخر؟

ويأمن ذو حلم العشيرة جهله

عليه ويخشى جهله جلاؤها

وها أنذا أحيّي الأخ الناصريّ تحيّة طيّبة كسيرته العطرة، وأقول: لم يرد هذا البيت في مدح، ولا فخر، وإنّما ورد في رثاء أب لولده.
وخبره أنّ الحجّاج استوى جالساً، ثمّ قال: صدق والله زهير بن أبي سلمى في قوله:

وما العفو إلاّ لامرئ ذي حفيظة

متى يعف عن ذنب امرئ السّوء يلجج

فقال يزيد بن الحكم: أصلح الله الأمير، إنّي قد رثيت ابني عنباً ببيت إنّه لشبيه بهذا.
قال: وما هو؟
قال: قلت:

ويأمن ذوحلم العشيرة جهله

عليه ويخشى جهله جهلاؤها

قال: فما منعك أن تقول مثل هذا في ابني محمّد ترثيه؟
قال: الابن كلّ أبيه أيّها الأمير.
روى الهيثم بن عديّ أنّه كان ليزيد بن الحكم ابن يقال له عنبس مرض فمات، فجزع عليه جزعاً شديداً، وقال في رثائه:

جزى الله عنّي عنباً كلّ صالح

إذا كانت الأولاد سيئاً جزاؤها

هو ابني وأمسى أجره لي وعزّني

على نفسه ربّ إليه ولاؤها

جهول إذا جهل العشيرة يبتغي

حليم ويرضى حلمه حلماؤها

ويأمن ذوحلم العشيرة جهله

عليه ويخشى جهله جهلاؤها

*******

 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة