طالما لامني كثير ممّن يعرفونني على حسن ظنّي بالناس وسرعة اطمئناني اليهم وبذل جاهي في قضاء حوائجهم لما رأوا من نكران الجميل وكفران المحبّة، لكنّني لم انتفع بهذا اللوم كثيرا ولا قليلا لغلبة الطّبع على كلّ كسب، حتّى اتيح لي رجل استأجرني في عمل اعلاميّ على ان يعطيني اجري عند انتهاء العمل الذي قد يستغرق اسبوعين او ثلاثة، وكان الاجر كبيرا جدّا، وشرعت سيّارة اجرة تغدو بي وتروح، واعجب الرّجل واعوانه بعملي، وعدني بزيادة اجري تقديراً لمهارتي فيما انجزته ولانجازي فوق المطلوب منّي، وعمرت المودّة بيننا، وتوطّدت الاخوّة، واعطاني الرّجل ثلث المبلغ المثفق عليه بعد ايّام من بدئنا العمل، ورجاني ان اختار له قارئاً ومترجماً جديرين بثمير عمله.
وعرضت الامر على من اثق بهم، فضحك منّي كلّ من دعوته لذلك، وقيل لي: احذر هذا الخدعة الضّحكة، فما وفى هذا بعهد، ولا صدق في قول.
ودافعت عن الرّجل كثيراً، فلم ابؤ الاّ بالسّخرية منّي والتّحذير المستدام لي من ثقتي به.
وبغتني يوماً بما تتناوله به الالسنة نافياً ذاك عن نفسه شاكراً لي دفاعي عنه واخلاصي له عاتباً على من احسن اليهم، فكافئوه بالغيبة والبهتان.
فطيّبت خاطره، وافترقنا وماله في الدّنيا اخ غيري على الرّغم من قصر المدّة التي عرفني فيها، ولا احد يعلم مدى سروري بهذا النّظر الكريم.
وبعد انتهاء العمل هتف اليّ مطمئناً بوصول مابقي لي عليه وما وعدنيه من الزّيادة السّارّة لي، ثمّ انقطعت اخباره، واستخفى مدّةً طويلةً بقيت فيها منالاً لهمز من حذّروني منه ولمزهم، وقد تعجب كلّ العجب اذا قلت لك: انّ ذلك لم يؤثّرفي اعتمادي عليه طرفة عين، حتّى طوى النّسيان خبر الرّجل وعلاقته بي من اذهان الجميع.
ونزلت المستشفى بضيق النّفس الشّديد، فقضى اطبّاء في قسم العلاج الفائق بجراحة لصمام القلب الاكليليّ في مستشفى القلب المركزيّ بالعاصمة فلم يستقبلني ذلك المستشفى، وازددت قلقاً وحيرة، فليس لي من شفيع الى هذا المستشفى ليقبلني، ولا من قدرة تمكنني من دخول غيره من المستشفيات الخاصّة.
وعادني صديق يملك داراً للتّرجمة، واخبرني بقبول المستشفى المركزيّ ايّاي واجراء الجراحة لي في تاريخ كذا القريب جدّاً على يد كبير الجرّاحين فيه، وابتهجت اسرتي بهذا اللطف وشكروه له شكراً جزيلاً.
وباءت الجراحة بالنجاح بفضل الله _ تعالى _ وعرفنا يوم السّماح لي بمغادرة المستشفى انّ نفقة العلاج الباهظة قد دفعها صديقي صاحب دار التّرجمة فعظم الرّجل في اعيننا، وسألنا الله له كرامة الدّنيا وسعدة الاخرة.
وعادني هذا الصّديق في المنزل، واهدى اليّ هدية نفيسة، فأبيت قبولها متذرعاً بفداحة ما دفعه عنّي من نفقة العلاج وما استعطف به الاطبّاء عليّ وما قدّمه لي خلال نزولي المستشفى من دواعي الاخاء والمودّة فضحك خجلاً، وقال: لم يكن كلّ ما رأيت من مالي، وحكايته انّ اخاً محبّاً لك كلّم الاطبّاء فيك، ونهض بعلاجك من الفه الى اخره حتى هذه الهديّة التي بين يديك، وما كنت غير ساع بينكما بخير، ومن صفاء الرّجل رجاؤه الاّ اخبرك باسمه ما وجدت الى ذلك سبيلا.
واستحلفته بالله ان يعرّفنيه، فقال يا اخي هذا اخوك العاثر الحظّ فلان.
فعجبت ايّما عجب، وتذكّرت سؤال الاطبّاء والممرّضين اياي عنه، فاكبرته واستغفرت الله له كثيراً.
وقال محدّثي: وازيدك عجباً انّ كلّ هذا انفقه عليك قد استدانه منّي اذ نكبه ابن حرام بردّ اعماله عليه، ومنها ما انجزته له، وهو الان ينتظر القضاء له، وعسى ان يفوز بذلك.
وما منعه من عيادتك غير حيائه منك.
فأسفت على ما نزل به من البلاء، وشكرت لهما كليهما حسن صنيعهما النّبيل وتمنّيت لو سمع النّاقدون عليّ صلتي بهذا الرّجل هذه الحكاية عنه كما سمعتها انا اوّل مرّة، وقلت: ليت النّاس صبروا ثمّ حكموا.
ولو فعلوا ذلك، لما اكل بعضهم بعضا.
شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم