بقي املي الاكبر ماليء الدّنيا وشاغل الناس بلطافته وملاحته، فقد كان ذكياً فطناً حلو الكلام عذب الجواب يأسرك بخفّة روحه ورقّة طبعه وحدّة ذهنه وبديع قوله وفريد اناقته وعجيب براعته وظريف فكاهته التي بقيت تتلألأ في ثغر القريب والغريب.
وحملتني هذه السجايا الطّيّبة التي امتاز بها عليّ من الناس جميعاً ان ابالغ في الاقبال عليه والاحسان اليه، فما اكسوه الّا خير اللباس واجمله، ولا اسمعه الّا احلى الكلام وأنبله، وانا مأخوذ به اغذوه من قلبي، واسقيه من لبّي والناس معي يدعون له مبتهجين به.
وازداد اعجاب به حين انهى سنوات الابتدائية السّتّ ممتازاً في ثلاث سنوات، فقد كان يطلب الى معلميه المفتونين به كغيرهم أن يمتحنوه في نهاية العطلة الصيفية في مواد السّنة اللاحقة للسنة التي امضاها في رحاب مدرسته التي شملته بكل معاني التّقدير والتّشجيع، حتّى انّها دعت الى احتفال خاصّ بتخرجه فيها تمنى كل من شهده ان يكون له مثله.
ونجح في الصفّ الاوّل المتوسط نجاحاً باهراً، لكنّه ابى ان يدرس موادّ الصفّ الثاني في عطلة الصّيفية ليخوض الامتحان فيها في نهاية تلك العطلة كما كان يفعل واستبدّ بنا العجب من رفضه ذلك، بيد انّنا ما حملناه عليه، ولا اضطررناه اليه، وانّما تركناه مختارا.
وفجأتنا مدرسته بالدّعوة للتباحث في شأنه، وأخبرتنا بضالة جدّه وعدم اهتمامه بواجبه الصّفيّ والبيتيّ على الرّغم من نصائح المعلمية المستدامة له ورفقهم به. ودهشنا حين سمعنا ذلك غاية الدهشة، فاشتددنا عليه، وأخذناه بالقهر واستدامة القسوة، لكنّ ذلك الضغط لم يزده الاّ ضعفاً في الدرس واعتراضاً عنه، وتبدّلت سيرته الطيّبة في الاسرة تبدّلاً بعثها على الاسف الشديد والحيرة في امره، فقد اصبح نومة مخرة خائر القوى كسولاً لجوجاً متلافاً لما يقع في يده من المال، لا يتأثّر بحكمة، ولا يسمع موعظة.
وساء منطقه سوءاً باعثاً على الاشمئزاز منه، وتوالت علينا استدعاءات المدرسة للنّظر في علاجه، لكن دون جدوى، فقد نفضنا ايدينا من الوصول الى هذه الغاية.
وخطر لي هذا الانتكاس العقلي والنّفسي والعناد والاسراف والاهمال والاستعلاء ونسيان النصح والفرار من الواجب كلّها اعراض مرض ابتلى به هذا الفتى في غفلة منّي.
وسميت لمعرفة هذا البلاء عسى أن اوفق لانقاذ ابني من براثنه.
فأخذت على نفسي عهداً أن اكفّ عن تحذيره وتأنيبه، واقبل عليه اقبالاً يعيد اليه ثقته بنفسه واعتماده عليها.
فشرعت في التودّد اليه وغضّ النّظر عن اخطائه ومساويه، واحسنت في الثناء على ذكائه، واشعاره بحبّنا له واعتزازنا به.
وهكذا فملت امّه.
وعانينا في تحمله والصبر عليه اشهراً مريرةً جدّاً اعاننا الله _تعالى _ على قضائها مضمخة بدماء قلوبنا المطلولة بخلافه البغيض لنا في كلّ شيء.
ورأيناه يستعيد ثقته بنفسه واحساسه بتتذيرنا له وعطفنا عليه، وتجلّى ذلك في دنوه مناّ واستماعه الينا واستعانته بنا في معرفة ما اعتاص عليه من دروس واعترضه من مشكلات.
واذ فتح لنا نوافذ قلبه الصغير عرفنا منه انّه كان يظنّ انّنا نؤثر اخاه عليه، ولا نحبّ له الخير، واستدلّ على هذا الوهم بأننا كنا نعاقبه كلما فاق اخاه في جدّ او هزل، ونسمعه ما يشعره بأنّه ادنى من الاخرين، وانّه غير جدير بالحب والتقدير.
قال: وهذا ما حداني على عناد والكسل، لأستلفت أنظاركم اليّ، واستردّ ما فقدته من رعايتكم لي، فقد تيقنت انّكم ما عدتم ترونني أو تسمعونني، وكان لا بدّ لي ان اثبت لكم انّني لست ادنى منكما، وما كان لي من وسيلة الاّ مخالفتكم قولاً وفعلاً وائذاء اخي الذي رأيته معتدياً عليّ، ومنتزعاً مني ابويّ.
فضمّته امّه الى صدرها، وقبّلته قائلة له: من دلّك على هذا؟
قال: انتم يا امّي دللتموني عليه، ولا سيّما انت.
فسألته مستغربة: كيف بحياتي عليك فعلت ذلك؟
قال: كنت تعاقبينني كلّما اشتكى أو صرخ من غير ان تعرفي السّبب، وتقدّمينه عليّ في مأكل والملبس بدعوى أنّه الصغير.
وما مازحمته الاّ قلت ساخرة مني: ليتك مثله، أو الف مثلك لا يعدلونه، فقبلته وقالت: انّما كنت اقول هذا ملاطفة لك.
فقال منكسراً: لكنّك لا ترين اثر مثل هذه الملاطفة الجارحة في قلب المخاطب يا امّي. ولو فكّر الناس فيما يقولون قبل ان يسمع منهم، لما اذي احد من احد.
فابتسمت في في وجهه، وقالت: اشهد بحقّك، واعتذر اليك من كل ما اذاك، حتى ترضى فماذا تشكو يعد؟
فتعلق برقبتها وقال: فديتك الف مرة يا امي لم تبقي لي شيئاً من دواعي الشكوى وضحكنا جميعاً مسرورين، وفرع الباب، فاذا بأبناء الجيران يدعون علياً ليلعب معهم، فقبل والديه، وانطلق عليهم مسروراً.
وسألتني زوجي: أو كنت تعلم بهذا الغم في صدر علي؟
فاجبتها بالنفي، فقالت: فمن اعلمك به؟
قلت: المربّون اعلموني بتدهوره.
قالت: و ممّ حلّ به هذا التدهور بالله عليك؟
قلت: من عوامل نفسية بلا ريب.
قالت متعجبة: واين الاطفال من العوامل النّفسية حفظك الله؟
فقلت لها: انهم لا يختلفون عنّا في شيء الاّ في السنّ.
قالت: فعلّمني كيف انتابه التدهور؟
قلت: هذا طفل متوقّد الذكاء قسا عليه أبواه، واثرا اخاه عليه، فثبت في نفسه انّه دون اخيه هذا، ولذا قدّم عليه.
فركب الخشونة والخداع اشترداداً المكانته السليبة.
ووكّدت له المدرسة انّ هذا الفعل حرام، فتجابه حبّ المكانة العالية في الدنيا وحبّ النعيم المقيم في الاخرة.
والاول يدعوه الى الباطل، والثاني يدعوه الى الحق.
فتضطرب نفسه، ويخور عزمه ويتبلبل فكره، فيقعد يائساً منطوياً عن والديه متمرداً عليهما، مرتاباً فيهما. ليس له من زاد سوى اهمال ما عليه وطلب ماله، وعناد والديه والاستئساد على اخيه، ليبلّ ظمأه الى السيادة.
فقالت امرأتي: نحن لم نقل لعلي انّ اخاه افضل منه.
قلت لها: نعم لم نقل له ذلك، لكننا فعلناه، والفعل ابلغ من القول.
فسألتني: كيف هذا؟
اجبتها قائلاً: بما صرّح لك به قبل قليل.
قالت: واين كنا عن هذه المعرفة بربّك.
قلت: في ظلمات الغفلة الدّاجية.
شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم