البث المباشر

الـرشــيد

الإثنين 2 يناير 2006 - 00:00 بتوقيت طهران

كان ذلك المدرس شاباً من عامّة قومه الذين احبّوه واكرموه باستقامته على الهدى وبعد نظره في الامور، فتمكّن من جذبهم اليه وتوطيد ثقتهم به في نهوضهم على المحتلين والجعجعة في القرى والمدن، فسار اسمه مثلاً للبسالة والسداد، وتعاظم التفاف الناس عليه التفافاً ذهب الاعداء في نقضه مذاهب تفرّقت بهم عن بلوغه، فلا محبّوه يرتابون فيه بما يسمعون من الاباطيل المفتراة عليه، ولا طالبوه يستطيعون الوصول اليه والنّيل منه. فبقي يقضّ مضاجعهم بما يسقيهم من كئوس الذّل والرعب وهم يفرون منه، فيقعون في قبضته، ويبحثون عنه وهو بينهم يقودهمةالى مصارعهم بدمه وايدي المؤمنين. وطالما تسلّم منهم الجوائز النّفيسة، ليدلّهم على نفسه او احد رفاقه في هذه المدينة او تلك وهو رابط الجأش في ثياب المستوطنين من الغزاة او جنودهم، فلا يبوعون منه الاّ بالموت في كمين جرّهم اليه، فاذا زهق الباطل فيه، خفّ الى سلاحهم فقسمه بين القلوب المتفجّرة عليهم غضبا، وانسلوا مستبشرين بما افاء الله عليهم. واذ تسنّم الكمال، ولبّى له المجد ما يريد من قهر الغاصبين سرى بين الجنون همس سرعان ما تداولته الالسنة واعية سرّه او غافلة عنه، وهو انّ البطل النبيل تعلّق غانية من الذين غضب الله عليهم تخلب الالباب بجمال ودلال يسلبان الصخر قلبه. وهزّ الجميع عجب عاجب من صلة فخرهم الرّشيد برئيسة المستخبرين الفجرة التي مانزلت بارض،الاّ ابكتها باستئصال شأفة الجهاد فيها. وبعد ايّام من شيوع هذا النّبأ استخفى الرّجل الذي هوى ومن فتنته بعد ما اعتقلت عيون اصحابه، وذعرت القاصي والداني منهم. واعرض عنه اودّاؤه مذ ظهرت صلته بتلك الماكرة، وغفلوا الاّ عن لعنه والتّفكير في الانتقام منه قبل ان يهدم ماشادوا، ويطفئ ما اضاؤا من الامل، لكنّ ماحذروا وقع فعلاً، فقد صبّ عليهم العذاب قبل ان يستعدّوا له، فروّع البدو والحضر وأتلفت الزّروع والاموال، واقتيد الرّجال الى غياهب السّجون، وفدحهم البلاء، وخبا في صدورهم ما كانوا يأملون. وتيقّنوا ان ما نزل بهم من الحدثان انّما هو الثّمر المرّ لخيانة من احسنوا الظنّ به، وسمعوا له، وساروا خلفه يداً واحدةً، فباعهم برضا فاجرة لعوب. فما اضعف الانسان اذا غلبته نفسه! واستقرّ الرّأي ان يتعقّبه فتيان من عشيرته عسى ان يتوكد وامكانه في بيوت المجرمين، ليسقطوا عليه في ليلة عاصفة حالكة ذات برق ورعد يخطفان البصر والبصيرة، ليطهّروا اسمهم من عاره وشناره، ويعودوا كراماً ظافرين يعدّون انفسهم لمعركة اخرى لا تلويها خيانة ولا يقعد بها غدر. وخاب البحث منه اشهراً، وملّ السّمع ذكره بسوء، وظهر بين قومه من التمس له العذر بأنّه غائب والغئب بحجّته، ومن صدع ببراءته بدلالة ما تجلّى من كماله قبل هذه الفتنة. وجاءت الانباء انّه بلغ درجة عالية لدى المحتلّين، وتزوّج تلك المستخبرة التي فتكت بقومه، فاورت ما خبا من الحقد عليه في صدور من رأوا حياتهم في قتله جهلاً به وغفلة عنه، فعادوا يفكّرون باغتياله. وامتدّت في حصون الظالمين اناء الليل موجة من الرّعب حطمت كبرياءها، وسلبتها التّفكّر في وقفها بدلاً من الفرار المتعثّر منها. وترامت اصداء ماذاق المبطلون من اخذ ربّك ايّاهم الى قوم ذلك المدرّس الذي تضاربت فيه الاقوال، فشكروا لله _ تعالى _ جميل صنعه بهم، وسألوه المزيد من نصره العزيز. في غمرة ابتهاجهم بهذا اللطف الالاهيّ الكريم اطلّ عليهم اثنان من خيرة ابنائهم الواعين الشّجعان يحملان باقات من رسائل اخوانهم الذين سبقوهم الى السّجن والذين لحقوا بهم اليه، فجعله ربّك امناً وسلاماً عليهم ومغنماً طيّباً لهم ومقتلاً ومخافة لشرار عدوّهم. وسئلا كيف كان ذلك؟ فقالا: لقد منّ الله علينا بضابطي تحقيق تعاطفا معنا، فسخّرا لنا الخروج من السّجن والعودة اليه في جنح الظّلام. فقد كانا يعطياننا سرّ الليل والحرس وموادّ نخدّرهم بها، ونمصي الى اهداف يرسمانها لنا رسماً دقيقاً يمكّننا من بلوغها بسهولة والانسحاب منها بطمأنينة. فما نتكلّف غير الجرأة والاقدام اللذين ما نلنا بهما شيخاً ولا امرأة ولا طفلا ولا مريضاً ولا اعزل من سلاح، فليس لنا من عدوّ الاّ كلّ جباّر شقيّ داخل السجن وخارجه. وكنّا ننقل من ينصرنا الله عليه من مجرمي السّجن الى مداخل المستوطنات التي نهاجمها بكواتم الصّوت، ونمضي عنها بلا ضجيج. وعند الصّباح نعلم التّفصيل من ذلكما الضابطين اللذين يأتيان لتعذيبنا في الظّاهر. وقيل للرّجلين: كيف خرجتما من السّجن؟ فقالا: خرجنا بحسن السّلوك الذي سيخرج به عدّة من اصحابنا ممّن عهد اليهم عمل خارج السّجن. والحّ ناس على معرفة الضّابطين اللذين افتديا هذا الدّين وهما ليسا منه، فابى الشاّبان ذكر اسميهما، لكنّ عقلاء القوم اقسموا انّ خبرهما لن يتجاوز الرّاشدين في القرية. واذ اخذ الشّابان ميثاق قومهما قالا: هما رجل وامرأة اتاهما الله الحكمة وبعد الهمّة. فقال عدّة شيوخ ضاحكين: بورك فلان وفلانة من مؤمنين صالحين. وقال حكم القرية الرشيد ومنارها في كلّ خطب: الم اقل لكم انّ ابني ما تعلّم السنة الكافرين، وفاق اهلها في نطقها، ولا استمات في تعليمها الاّ لغاية سامية ضلّت عن ادراكها عقول القاصرين؟ اجل لم يدع عبد الحكيم ممكناً الاّ استعمله في المعركة حتّى اللغة، فقد سارها الى غايته الكبرى التي لم يكد احد منّاً يفطن اليها، اذ غزا العدوّ في حصنه الحصين، وجعل كرام اخوانه الذين قاتله بهم في مأمن امن ببال. فطاب عبد الحكيم ذكراً كريما، وفكراً حكيما. وارتفعت الايدي المستبشرة بالمدرس الذي احبّته قبلاً ان اللّهم استجب.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة