البث المباشر

السّـر

الإثنين 2 يناير 2006 - 00:00 بتوقيت طهران

عشنا اسعد زوجين في الدنيا لا ينقصنا من نعم الله الاّ الولد الذي لا يعدله شيء من مباهج الحياة التي الّفت بيننا، فانسجمنا ذوقاً وفهما، ولم يؤثّر ذلك في نفوسنا شيئا. وكانت امرأتي طيبة الاخلاق حسنة السيرة في المدينة كلّها تعتزّ النّساء بالتّودّد اليها وقضاء حوائجها. وبعد سنوات رزقنا ابناً ازدادت حياتنا به انسا. وأقبلت عليه تعلمه وتزكّيه، فنشأ مهذباً فائقاً أقرانه في المدرسة، حتّى دخل الجامعة متقدّماً عليهم اجمعين. وفي هذا الوقت مرضت اطيب جاراتنا وأحبّهنّ الى نفس امرأتي، وأكرمهنّ لديّ، وهي قابلة معروفة في كلّ مكان، وطال بها المرض، وألمنا لها، حزنّا عليها، حتى طلبتني عصر يوم لطيف، وقالت لي: ها أنذي في فم الموت كما ترى، وانّ لي سرّاً اريد ان اومّنكه ثقة بأمانتك ونبلك، امل ان تسمح لي وتعفو عنّي اذا سمعت منّي ما يغضبك. فقلت لها: تفضّلي بما عندك كريمة عزيزة. فقالت زقد اشرق وجهها: في مثل هذا اليوم قبل سبعة عشر عاماً شاء ربّك أن تلد برعايتي اثنان من جاراتي معاً في غرفة واحدة بالمستشفى، احداهما امرأة تاجر ثريّ، والاخرى امرأة عامل بائس. فولدت امرأة التاجر بعد يأس بنتاً لم تلبث ان ماتت بضيق النّفس، وولدت امرأة العامل ابناً كنبع النور. ولا ادري اقارفت ذنباً، أم صنعت حسنا، فقد حملني حبّي لهما واشفاقي عليهما ان اضع ابنة الغنيّة الميّتة للفقيرة الولود، وأضع ابنها للغنيّة التي لا تلد. وخرجت هذه لا تلمّها الدّنيا سروراً بمن لم تلده ولا تدري، وخرجت تلك متعزّية عن وليدتها الميّتة بأنّها بنت أراحت واستراحت. وسعدت هذي بمن فلق البنين جميعاً حتى دخل الجامعة اليوم، ورزقت تلك ابنين يفيضان ملاحة وظرافة تبدّدان غمام الفاقة الثقيل، واقنعتها بوقف الولادة بعدهما رحمة للاسرة كلّها. وأردت أن أقنع نفسي بأنّها لا تعنيني، فقلت لها: وما علاقتي بهذا السّر فتساندت الى وسادتها، وقالت: أظنك قد عرفت الحقيقة كاملة، وانا مفارقة هذه الدنيا عمّا قليل، ولا اريد ان يرثك من ادخلته بيتك رأفة بأهلك العزيزة علينا جميعا. والولد ابن جارك الكهل فلان المحروم، وأرجو ان تسترضيه هو وامرأته عنّي، وأن أرى رضاهما عنّي بعينين هاتين قبل أن تغمضا عن هذا العالم. وقضيت ليلتي مسهداّ أقلّب فكري فيما ابتليت به حتّى الصّباح، فكلّ من يعنيهم هذا السّر سيصعقون اذا علموا به، وكلّهم عزيز على نفسي حبيب اليّ. وطرقت باب الرجل المسكين، فاستقبلني هو وامرأته استقبالاً حسناً اشعرني بنبلهما وطهرهما، وقدّمت لهما هدية نفسية منّي عن القابلة المريضة، فسرّا بها غاية السّرور ودعوا لها بكلّ خير، وقالا: بارك الله فيها طالما غمرتنا بمعروفها. فجزّيتهما خيرل راجياً ان نعودها معاً صباح الغد، الاّ يقولا لها الاّ: قد ارضيتنا رضي الله عنك وارضاك. واذ رأتهما العجوز المحتضرة وسمعتهما يكرّران ذلك الدعاء، لمعت عيناها، وأزهر جبينها سروراً برضاهما عنها، فانصرفنا مبتهجين بذلك. وفي يوم التالي علا الصّياح من منزلها _ رحمها الله _ فاسترجعنا انا واسرتي وقرأنا الفاتحة على روحها الطيبة مفجوعين بها، فقد كانت ملاذاً لكلّ محزون، وفرجاً لكلّ مكروب. وفضضت ورقة أشارت ان اخذها من وسادتها في عيادتي الاخيرة لها، فاذا هو موقعة بتوقيع الحاكم وفيها ثلث تركتي لجاري الفقير فلان، أي ابي الفتى. وفي موكب التشييع قلت لابني والغصّة في حلقي: سأقصّ عليك يا بنيّ بين هذه القبور قصة لا تعيها الاّ اذن واعية. فنظر في وجهي بأدب جمّ وانكسار عميق، وقال: اذن تكرمني يا ابي. وقصصت عليه ما حدّثتني به العجوز التي نسير في تشييعها بلفظه ومضاه، فتغيّر لونه وأطرق طويلاً، ثمّ قال هامساً: عجيبة هذه القصّة. قلت: ايّ والله، واعجب منها انّ المبتلى فيها هو انا وانت كلانا. فاعتنقني وبكى ثمّ قال: لقد علمت هذا يا ابي في تهدّج صوتك واختيارك الحديث هنا، وربطت بين كلامك ودعوة التلاميذ والمعلمين لي ولابني هذا الرجل بالاخوة لتشابه صورنا تشابهاً تاماً، كما ربطته باطالة امرأته النظر اليّ كلّما لقيتها وتكرارها انّي ابنها بشهادة مشابهتي لابنيها وارضاعها ايّاي. قلت له قولاً ليّناً: فما رأيك ان اناصفك مالي، وتعود الى اهلك عزيزاً علينا وعليهم وانت منّا قريب. فاغرو رقت عيناه بالدموع وقال: لا والله لا يعدل عندي ملء الارض ذهباً نفساً واحداً في ظلّكما فقلت له منكسراً: فما الحلّ في نظرك؟ فاسترسل في بكاء حار وقال: لا حلّ حتّى يقضي الله امراً، فانّ امّي ستحوت من ساعتها اذا علمت بهذا فمسحت ما تحدّر على خدّي من سخين الدّمع، وقلت له: افعل ما شئت عزيزاً مكرما. فقال: ولا يقلقك أمري، فنفقتي على الدّولة حتّى تخرّجي في كليّة التربية التي قبلتني طالباً ممتازاً باحسانك اليّ، فاستحييت منه كثيراً، وعانقته معتذراً اليه، ومضينا الى منزلنا، ولكلّ منا همّه وغمّه. وقسمت التّركة، ونالت اسرته السهم الموصى به لهم. وتوطدت الصّلة بيني وبين ذاك الشّيخ الفقير النّبيل أكثر من ذي قبل، وصار اخي الاكبر افضي اليه بالمهمّات ويفضي الىّ بها، حتى فجأني بالشّكر على تربيه ولده السنين الطّوال، وطمأنني انّه لن يخبر أحداً بهذا الامر ما عاشت امرأتي التي يكرمها هو ايّما اكرام. فعلمت انّ الفتى الرّشيد هو الذي اخبره بذلك لطفاً بشيخوخته الفانية، فتعاظم حبّي لهما واعتزازي بهما. ومن عجب الزمان انّ هذا الشيخ مضى الى ربّه بعد مدّة يسيرة من سروره بابنه. وسارت بنا الاياّم مسيراً اخر حتى تخرّج الفتى، واحتفلنا احتفالاً عادت به الامّ التي لا تدري انّه ليس ابنها سنين الى الوراء، بيد انّ سرورها لم يدم طويلاً، فقد انطفأ باسّكتة القلبية التي افرغت بيتنا من ذاك اللطف الودود. وبمرور اربعين يوماً على وفاتها وقف الفتى على رأسي يودّ عني قائلاً: لقد كفيتك اخبارهم يا ابي، فشكروا لك ولأمّي _ رحمها الله _ احسانكما المستدام اليهم طوال هذه السّنين، وان لي أن افارقك مفجوعاً بك على قربي منك قلباً وقالبا. وعندئذ عرفت معنى قول الشاعر: ودّعته بودّي لو يودّعني صفو الحياة وانّي لا اودّعه فقلت له: ذهابك والله ذهاب روحي. وبينما نحن كذلك، واذا بامّه وأخويه بالباب، فرحّبت بهم خير ترحيب وهم يشكرونني شكراً لم افهم منه شيئاً غير الفاظه، فقد كنت اسير الاسى المستبدّ بقلبي وجوارحي. واذ انتهى الاستقبال قلت لهم: هذا البيت لكم وهذا سند تمليككم ايّاه، وانا استودعكم الله. وهزّني تعلّقهم بي جميعاً باكين ملتاعين ان اين تذهب وقد فزعنا اليك وها نحن في كنفك فأنت ابونا وهذه امّنا حملناها اليك حمل الكريم الى الكريم. فتصبّبت عرقاً، وبتنا ساهرين نقلّب اوراق الحياة ما لذّّّّ منها وما الم، ونشكر الله _ تعالى _ على جميعنا الهانئ هذا. وها أنذ أختم قصّة لطف الله بي سعيداً بتغريد بلبلين ازهرت بهما حياتنا نحن الذين جمعنا الله في ظلال رحمته الوارفة ننهل منها سبع سنوات، ونفيض على الذاهبين منّا اليه تعالى.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة