لا احد في الدنيا يعلم ما يعاني الاطباء والممرضون في المستشفيات الاّ هم، ولا سيّما الخافرون منهم ايّام العطل خاصّة، فكم من محنة اعتصرت قلوبهم في اعماق الليل الشاهدة نجومه على ما ينزل بهم من الكوارث في جوفه الدّاجي الثقيل، ولا عون لهم الاّ لطف ربّهم _ تبارك وتعالى _ فانا على سبيل المثال عيّنت بداية تخرّجي في مستشفى انشئ حديثاً في طرف قصيّ من اطراف المدينة التي كانت تغطّ في سباتها العميق ساعة جاءتها سيارة الاسعاف بصبيّ دون المراهقة في ليلة ذات قصف وعصف من ليالي الشتاء الباردة.
كان الخناق قد استولى على ذلك الطّفل المسكين، وسدّ حلقه، وكان لابدّ من جراحة عاجلة له، لفتح نافذة صغيرة في حلقه المسدود، ليتنفّس منها.
ولشدّ ما المني ايّ ايلام انّني ما اجريت هذه الجراحة لاحد من قبل، ولا وقفت على من اجراها في حضوري. وتصبّبت عرقاً وانا ارى الممرّضة تهيّئ لي عدّة الجراحة والصّبيّ ممدّد على سرير العمل يجاهد في استنشاق الهواء الذي عزّ عليه مروره الى صدره الظّامئ لنسمة منه، واستشار هذا المنظر المؤلم عزمي، وبدّد تردّدي، فامسكت المبضع متوكّلاً على الله _ تعالى _ ووضعته في حلق الصبيّ، وحرّكته الى الاعلى فبدا باطنه ابيض ناصعاً، ومرّ الهواء الى صدره، واستعادت الرّئتان نشاطهما، فاحمرّت وجنتا الطّفل، وسرت القوّة في جسمه الغضّ.
واسرعت ادخال الانبوبة الخاصّة باستخراج الافرازات في حلقه، وخطت الجرح، وحملت الصبيّ بنفسي الى فراشه، واقمت عنده حتى استغرق في نوم عميق عميق. وعدت الى غرفتي وانا في غاية السّرور والشّكر لله _ تعالى _ الذي انقذ بي عبداً من كرام عباده، وصان وجهي عن ذلّة العجز والجهل.
وفي الهزيع الاخمر من الليل ايقظتني الممرضة بطرقها الباب طرقاً شديداً متواصلاً، وفتحت الباب فاذا ترتجف عنده مذعورة مضطربة وقد غار الكلام في فمها مثلما غار الدّم في وجهها الذي انطفأت نضارته، واغبرّت معالمه، ولم افهم من كلماتها المقطّعة سوى قولها: العجلة يا سيّدي فانّ الطّفل مات او كاد.
وما دريت كيف بلغت الغرفة لاجد اقد فارق هذه الحياة المفعمة بالمضحكات والمبكيات. فقد نامت هذه الممرضة التي كلّفتها السّهر عليه، فامتلأت انبوبة التّنفس من الافراؤات حتى سدّت، واختنق الحبيب الذي فرحنا بسلامته على ايدينا بعد القلق الشّديد عليه وركوب الخطر في علاجه، وفارقنا بلا توديع مخلّفاً في انفسنا لوعة لا تنطفئ، فقد كان شفاؤه اول نجاح لي، وموته اوّل خيبة في عملي، وقد اتّفقا في ليلة واحدة.
وتأجّج غضبي على الممرّضة التي شاركتني في القلق عليه والفرح به والانكسار له، فهجت ومجت ومزّقت قلبها التّعب بمرّ الشّتائم وقبيح اللوم احساساً بانّها اطفأت ذلك الامل الزّاهر باغفاءة رخيصة، وفكّرت في ابلاغ السّلطات الصيحة بما جرى لتتّخذ ما تستحقّ هذه المهملة من العقاب اللازم، وكتبت تقريراً لما جرى والدّم يغلي في عروقي، وقرأته عليها فور انتهائي منه، وهي تنظر اليّ صامتة شاردة البال، فصحت بها: لا ياسيّدي ليس لي ما ادافع به عن نفسي ابداً، لكنّني استرحمك واستعطفك ان تر، واغمي عليها قبل ان تتمّ عبارتها الباكية، واذ افاقت تركتها قبل ان تراني، ومضيت الى غرفتي، ورحت اقلّب رأيي في امر هذه الفتاة التي لم تبلغ العشرين من سنّها وهي تعيل اخوات قاصرات عن العمل في مدينة لا يعرف فيها احد احدا، واقلّ عقابها الطّرد من العمل، وتذكّرت في اثناء ذلك تمنّيها بين يديّ اوّل الليل ان تقضي ليلتها هادئة، فقد اضناها العمل يومين متواليين لزيادة اجرها الضّئيل جدّاً، فانكسر قلبي لها وللصّبيّ الماثل بازائي مطالباً بالقصاص الذي فيه حياة للعالمين.
واخذتني سنة من النّوم رأيت فيها روحاً متوهّج الحسن يقول لي بلباسه الابيض الزاّهي بسائر الالوان الهادئة: انّ الاصرار على عقاب المخطئ وليد الرّغبة في الانتقام. وهذه المسكينة انسان كسائر الناس عرضة للسّهو والغفلة، وهي في سنّ تدعوها الى الرّاحة والكسل في حين انّها مرهقة بطول العمل ضعيفة بقلّة الغذاء، ولو كنت مكانها لما استطعت ان تردّ سطوة النّوم عليك، ولارتكبت ما غاظك منها، فاستر ما رأيت من عيبها، وهب لها فرصة الاستقامة فطالما اصلح اللين ما لم تصلح الشّدّة.
ماذا ينفعك ان تهدم بيتاً كاملاً بصبيّ حان اجله يا حكيم؟
ولمّا صحوت مزّقت ذلك التقرير، ولم اقل لمن كتبته عليها شيئا. وبعد عقدين من الزّمان نالت تلك الممرّضة جائزة الشّرف الاولى التي تمنحها الدولة احسن مديرة مستشفى للامومة والطّفولة كلّ عام تثميناً لاخلاصها في العمل.
وهذه هي المرّة العاشرة التي تحظى فيها بهذه الجائزة النّادرة عاماً بعد عام، وخطر لي توسّلها اليّ ان اهبها فرصة اخرى، ووجدّتني اهتف اليها مهنّئاً بهذا الفوز العظيم، واسألها ان كانت تعرفني.
فاجابتني قائلةً بادب جمّ: شكراً على تمزيق التقرير يا دكتور.
شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم