سأقصّ عليكم ما شغل علماء الاجرام والقانون وقتاً طويلا، فقد مثلت في محكمة الجزاء سيدة ذات سمعة كريمة في الطّبّ لا ترفع رأسها، ولا تنبس بكلمة وهي تواجه اتّهاماً بالقتل، فلم يجد محاميها ما يقوله دفاعاً عنها سوى انّها اجرمت مجنونةً اذا كلنت هي المجرمة، فالعقل يأبى اقتراف هذا الجرم.
وعرضتها المحكمة على اطبّاء مختصّين في الامراض العقلية، فاختلفوا في امرها ومال قضاة الى القائلين بجنونها، اذ لم يتصوّروا طيبة مشهوداً لها بالرأفة والرحمة والنجاح الباهر سنين عددا تستطيع قتل كنتها الطيّبة بلا دافع من فقدان الشّعور، فأبرئت من القتل، وارسلت الى مستشفى الامراض العقلية.
فشغلت نفسها فيه بمساعدة الاطبّاء حيناً وقراءة الكتب حينا، وسارت حياتها سيراً هادئاً في رحابه.
واعتاد ابنها زيارتها مرّة كلّ اسبوع دون ان يعرض لذكر امرأته القتيل.
فترى الشحوب في وجهه والهزال في جسمه، فتألم له، وتحزن عليه، حتّى تأخر عن زيارتها يوماً، وبلغها انّه مات منتحراً على قبر امرأته، فهاج حزنها، وانهار حولها، وراحت تندبه وتبكيه صائحة من اعماق قلبها المفجوع به: ولدي حبيبي لقد قتلته بعد ما قتلت امرأته. أعدموني، فما عدت اطيق هذا العذاب اعدموني، فما عدت اطيق هذا العذاب اعدموني.
وتملّكها ثوران عنيف وانفعال شديد، فاسرع اليها مدير المستشفى، واعطاها جرعة من مزيج البر ومور والافيون، فلماّ ثابت الى رشدها قال لها مواسياً: في يقيني ايّتها الزميلة الكريمة انّك تكتمين في اعماقك ما يروعك، ويكدّر خاطرك وانّ من الخير لك ان تبوحي بمكنون صدرك، لنعينك على ما يرهقك.
قولي كلّ شيء، ولا تخشي شيئا، فكلّنا خطاءون، ولنا في البثّ راحة.
وسكتت مليّاً وتنازعها الضّيق و التّردّد، ثمّ استجمعت قوّتها، وقالت: تزوّجت في اخر سنة من كلية الطبّ. وتعلّق زوجي امرأةً اخرى هجرني ومضى اليها وانا مقرب بولدي هذا الذي احببته حبّاً صدّني عماّ عداه، حتّى اصبحت اراه حياتي كلّها لا جزءاً منها.
وكلّما تقدّم في السّنّ خشيت ان تستولي عليه احداهنّ، وتأخذه منّي مثلما اخذت اباه نظيرتها من قبل.
وتخرج ابني في كلية الهندسة، وعيّن مهندساً في شركة مرموقة، فاذا فرغ من عمله عاد الى البيت ليملأه سرورا.
وما لبث ان تعلّق ابنة رئيسه الحسناء، وهي فتاة توفيت امّها في صغرها، فكفلها ابوها معرضاً عن الزواج ثانية من اجلها.
وحدّثني بها، فتذكّرت ضياع ابيه منّي، فغثت نفسي، ودبر بي، وتهالكت على الارض وانا في اسوأ حال، فاقبل عليّ يضمني الى صدره، ويسقيني شراباً منعشاً الى ان استعدت عافيني، فابتهج بي، واخذ في حديث غير ما كنّا فيه.
وما وجدت بدّاً من التسليم بزواجه واستقبال زوجه التي كانت فتاة طيبة جداً رقيقة الطّبع ودودا بذلت قصارى جهدها، لترضيني عنها، وتتّخذني امّاً لها بدلاً من امّها الذاهبة الى ربّها _ سبحانه _ لكنّني كنت ازداد لها بغضا، حتى رأيتها يوماً تذوب من القيء والدّوار في وحامها، فقلت لها: دعيني افحصك.
قالت: سمعاً وطاعةً يا امّاه.
واستلقت على سريرها بينما استحضرت انا شمّامة البنج، وقلت لها _ وانا اضعها على انفها _: دعيني اجنبك الم الفحص يا ابنتي.
ورحت اصبّ الاثير على شمّامة، وشعرت المسكينة بالضيق، واستبدّ بها الذعر، ولعلّها رأت بريق الغدر في عينيّ، فاستغاثت بي متوسّلة ان انقذيني من هذا البنج بحياتك يا امّاه، لكنّني انخت على صدرها الغضّ اصبّ الاثير صبّاً متصلا حتى اذا غابت عن الوعي شددت على عنقها، وهصرته بكلتا يديّ، وما تخيّت عنها الاّ وهي جثة هامدة.
فهل كنت مجنونة ساعة اقترفت هذه الجريمة النّكراء؟
ربّما ظنّني الناس كذلك، لكن ثق يل دكتور انني ما كنت بمجنونة طرفة عين. وقد فعلت ما فعلت بتمام عقلي وصفاء وعيي.
واكثر من هذا انني كنت في غاية الرضا والارتياح وانا اقتلها شاعرة بأنّني قتلت بها من سليتني زوجي وانا في عزّ الحاجة اليه.
ولذا لم انم قط وكلّ ما ساورني هو الخوف وحده.
اجل لم اشعر، الاّ بالخوف الفطريّ الذي يستولي على المخلوق حين يسقط في فخّ، او يتورّط في شرك.
وما كان لي ما اقوله دفاعاً عن نفسي، فالتزمت الصّمت، واعتصمت بالكتمان.
فتنهدّ الدكتور وقال لها: لكنّك اخطأت في حبّ ابنك هذا الحبّ، فقد استأثرت به، ولم تؤثريه، والحبّ ايثار لا استئثار.
ومن هنا اسأت اليه والى نفسك، وقضيت عليه وعلى زوجه بغير حق فما كنت تحبّين ابنك _ كما تدّعين _ وانّما كنت تتخيّلين حفظ زوجك الذي سلبته في مطلع شبابك.
وما قتلت كنتك الطّيبة، وانّما قتلت من سلبتك زوجك الذي هجرك في بدء المسير مقصّرا.
فاجشهت بالبكاء وقالت: هذا صحيح يا دكتور، فما حبّي ابني المفرط في محلّه، ولا بغضي كنّتي المفرط في محلّه.
فقد كنت غارقةً في حبّ نفسي الاماّرة بالسّوء وبغض من تنافسها غير واعية حتى قذفتني امواج هذا الافراط الى لجّة الجريمة النّكراء.
شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم