استنفد الرّجل السّخي الذي عشنا في ظلّه اعزّابنين في الدّنيا كلّ ما اتاه الله من ثروة في علاج ما استبدّ به من داء حتّى اغمض عينيه مضجوعاً ببأسائنا بعده، واسبل دموعنا سخينة بفراقه الذي غيّر مجرى حياتنا الناعمة، وجعلنا في مدار جديد من مدارات الوعي.
فقبل ان ينفضّ اسبوع قراءة الفاتحة على روحه الزّكيّ قلت انا الذي ما أزال في الصّفّ الخامس الابتدائي والعبرة تتكسّر في صدري لأمّي المقعدة بالروماتزم وأخي المراهق للتخرّج في الدراسة المتوسطة: يعزّ عليّ ان اقول لكما: أفيقا، فانّ الحياة لا تنتظرنا حتّى نفرغ من البكاء، ولا بدّ لي من ترك الدّراسة والنّهوض بكرامتنا التي لا تعدلها الحياة نفسها.
فقبّلاني باكيين وقالا: بارك الله فيك، اخوك أحقّ بهذا منك، فهو الكبير والقادر على العمل.
فصحت: لا، بل انا الاحقّ به، وقد اقسمت عليه، ولا مردّ لي عنه.
فأنا لا بدء الطّريق،، واخي في نهايته، ومن الخير لنا ان نتيح له بلوغ الغاية التي شارف على اقتطافها.
ولمّا طال الجدالنا نحن الاخوين، قضت امّنا بالحقّ لي.
ومضى اخي في درسه لا يلوي على غيره.
وانطلقت انا في البحث عن العمل غير موفّق له، فما راني احد الاّ استصغر شأني، واستهان بي، ولم تشفع لي فطنتي ولطافتي، بيد انّي لم ايئس، ولم اكفّ عن نشدان ما نذرت نفسي له.
وربما بكيت في الليل والنهار من خيبتي فيما اريد، وطالما واستني أمّي وأخي وسرّ يا عنّي، حتّى دعاني احد الوراقين للعمل بين يديه بأدنى اجر.
واعجب الرجل باتقاني واخلاصي، وضاعف اجري، فتحسّنت حالنا، وتحوّل اخي من تلميذ خامل الى تلميذ مجد، وتألّق في نيل الجوائز المدرسية الرّفيعة والهدايا التي تبذلها الهيئات الرّسمية والشعبية للتلاميذه الفائقين تشجيعاً لهم وافتخاراً بهم.
وكان اخي يقدّم لي كلّ ما يحظى به من جوائز وهدايا عرفاناً بافتدائي ايّاه وثقتي به.
واحتفظت بكلّ ما قدّمه لي بعيداً عن نظره ونظر امّنا، وكتبت تاريخ فوزه به، وتظاهرت ببيعه وانفاقه على الاسرة الفقيرة المبتهجة بثمرات جهده الغالي.
ولمّا انهى الدراسة الثانوية متسنّماً المرتبة الاولى بين الفائقين في البلاد اقترحت امّنا ان يختار ما يناسبه من الوظائف المتاحة لأمثاله.
فأبيت انا قائلاً: لقد خدمت اخي في صغري، وسررت به في كبري، فلا تحرماني اتمام ما احبّه له.
ودخل اخي كلية التربية التي كان مغرماً بها حبّاً للتدريس المستوى على حسّه وفكره.
وزادت مطالب اخي، وزاد بها نصبي طوال درسه الجامعىّ.
وانطوت سبع سنوات من المرّ والحلو، وعاد بن امّي وابي بوسام الامتياز الجامعيّ، واحتفلنا به احتفالاّ بهيجاً بقي حديث من راه او سمع به وقدّمت له فيه جميع ما اهداه لي قبل من نفائس الاعتراف الرّسمي والشّعبي بنحاحه الفائق طوال دراسته العليا والدّنيا.
فما رأيته سرّ اكثر من سروره بعودة هذه النّوادر اليه.
ولم لا يسرّ بها هذا السّرور وهي معالم الظّفر في كفاحه المستميت من اجلنا؟
وبعد ايّام جاءنا اخي قائلاً بدهشة: لقد رأيت اليوم عجبا، فقالت امّنا بلطفها اللطيف: جعله الله خيرا.
فضحك وقال لها: انّه لخير، لكن لا يصدّق.
واذ رأيت في يده صحيفة لم يلقها منها تأكّد لي ذلك الخاطر السّعيد وقلت له: اذكره تعرف صدقه.
فضحك وقال: اتصدّق انّي رأيت اسمك بين الناجحين العشرة الاوائل في البلاد؟
فاعتنقته وقبّلته قائلاّ: بشّرك الله بالخير، قد توقّعت هذا.
فازداد عجباً وقال: دع المزاح بحماتك، واوضح ما تقول.
قلت له مسروراً: سمعاً وطاعةً، ما اسم الثانوية التي تخرّج فيها من ادهشك ظهور اسمه بين الناجحين الاوائل؟
قال: ثانوية الاحرار المسائية.
قلت فهو اخوك حقّاً، وقد امضى دراسته كلها في هذه الثانوية صامتا.
فقال والدهشة والبهجة تمتزجان في وجهه: دمت لاخيك، فلماذا لم تخبرنا طوال هذه السّنوات ايّها الحبيب؟
قلت بأدب: اردت ان اسرّكما كما سررتنا انت حفظك الله.
ونظر بعضهما الى بعض، ونظرا الىّ وضحكا، وضحكت انا واحتضن احدنا الاخر، وضمّتنا الامّ الى صدرها الحنون، واستطالت بنا استطالة القبّة الخضراء في السّماء كانّها ضمّت اليها وردتين صفيرتين لا رجلين عملاقين ذابا في عطر حنانها الرّحيم.
شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم