هربنا من ذاك المنفى المنقطع عن كلّ شيء الاّ الرّعب والوحشة واليأس والخيبة، وما علمنا اين اتّجهنا في ذلك الليل الدّامس المطير الذي لا انيس فيه الاّ البرق والرّعد، حتّى تبيّن لنا الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر، وما عادت اقدامنا تتقدّم بنا خطوة الى الامام المجهول، فارتمينا ارتماء الموتى على ذلك الفراش الوثير الذي اعدّه لنا ظلم البشر من عشب بليل وطين، ولا ندري كم لبثنا اذ بعثنا الرد والبقّ من مرقدنا فزعين، فاذا نحن في غابة رأينا فيها كلّ عالم نره الاّ الامن، ومع ذلك حمدنا الله الذي لا يحمد على مكروه سواه، وارغمنا تلك الاجسام الخاوية على السّير بنا مترنّحين في تلك الغابة التي ربما تبدّد الكثير من احلام الخائبين مثلنا بين اشجارها الباقية شاهداً على ما يفعل الانسان بالانسان منذ اهبطه الله على ظهر هذا الكواكب الغريق باثام الحاسدين والغافلين من بني ادم عليه السلام. وبينا نحن نترنّح في الطريق غير مهتدين لاح لنا بين السفير شاهد قبر عجبنا من غربته في ذاك المكان الشقيّ، واسبلنا عليه الدموع متسائلين: ترى من هو؟ وما جاء به الى هنا؟ وكيف قات؟ ومن دفنه ومن نصب هذا الشاهد على رمسه؟ ومتى كان هذا؟ أهو مثلنا فار من فم الموت البطيء في هذا المنفى، فلقيه في قلب هذه الغابة الموحشة؟ ترى لم نفي ومن نفاه؟ وبعدما استرحنا من هذه الاسئلة المتلجلجة في صدورنا جاءنا الجواب يفيض اسىً وحشرةً من زميلنا الذي حثّنا على الهرب واقنعنا به ان هذا هو قبر الدّكتور المعروف فلان.
واقبل يزيل ما سفت الرّيح على مرقده، ويقبّل ثراه منتحباً، وهو يقول: هذا هو اخونا الطّبيب النّبيل فلان الذي حيي بطبّه الكثير من المشفين على الموت منّا ايّام كان الطب عزيزا.
وارهفنا السّمع لمحدّثنا الذي اخذ يغمغم كلماته بعبرته المتكسّرة في صدره الذي حطمته الذكرى، فسمعناه يقول: اجل يا اخوان هكذا كان هذا الراقد هنا غريباً، ومازال صوته الحنون يرنّ في اذني ونحن نلاطفه بالاتهام المفترى عليه ابتغاء نفيه الى المنفى الذي اسأل الله ان يتمّ لنا الفرار منه، فيضحك قائلاً: ماذا نفعل بمضلاّت الفتن قاتلها الله؟
فقلنا جميعاً: ما الاتهام المفترى عليه بربّك؟
فتنهّد الرجل قائلاً: لقد اشيع انّه طمع باموال ثريّ طاعن في السّنّ، فقتله، فحكم عليه بالنّفي الى هذا المكان عشرين عاما، بيد انّ الامر ليس كذلك الشائع الذي كنّا نتندّر به، فقد كان _ رحمه الله _ طبيباً حاذقاً محبوباً تسمع له المدينة وتطيع، وكان لا ينفكّ عن تذكير الناس بحالهم من الرّعايى الصحيحة على الحكومة المشغولة بملذّاتها عمّا يجب عليها. وفي صباح يوم فوجئت المدينة بثريّها الذي كان يعيش وحيداً مقتولاً في ركن من غرفته التي تناثر اثاثها شاهداً على المعركة الخفيّة بينه القاتل الذي عرف المحقّق انّه ذاك الطّبيب المحبوب فقد تيقّن انّ باب المجنيّ عليه لا يفتح ليلاً الاّ لذاك الطّبيب الذي ثبت جرمه باخفاء ردائه الطّبيّ الابيض مدميًّ في مخبأ من حديقته، ولم يستطع انكار الطبيب القاطع ان يدفع عنه التّهمة فسيق معنا الى هذا المكان البائس.
وكان لطيفاً مرحاً ودوداً في طليعة من يؤدّون الواجب في جمع الحطب او سقي الزرع او غيرهما ممّا كنّا نكلّفه في الحبس، وكان يعين من عجز عن عمله، ويمرّض من مرض، وعلم اتّفاقاً انّ قربنا مستشفيّ للمسلولين المعزولين في ذاك المكان القصيّ، فدأب على معالجتهم باجازة مدير السّجن فتوطّدت الصّلة بينه وبين هؤلاء المرضى الى ان فجأه احدهم بقوله: ألست الدكتور فلانا؟ فاجاب عن السّوال بمثله اين من اين عرفتني؟
فصرخ الرّجل ان من جرمي عليك يا سيدي، فانا من احسنت اليه فاساء اليك ظالماً معتديا. والتفت الى الحاضرين ان اسمعوا ايّها الاخوان ما اقول واشهدوا به، وهو انّ الدكتور فلاناً الماثل بيننا بريء ممّا ظلم به، فانا قتلت ذاك الشيخ الثريّ الذي حكم عليه بالسّجن عشرين عاماً في هذا المنفى الرّهيب من اجله، فقد سرقت معطف الطّبيب وخداءه وحقيبته، ولمّا رأني ذلك الشّيخ في زيّ الطبيب وقامته هشّ لي وبشّ، وادخلني الدّار، وهناك قضيت عليه بسكّين اعطيتها وعدت الى منزل هذا الطبيب، ووضعت اشياءه في مكان عيّن لي في الحديقة، وخرجت غير ملتفت لفداحة ما اجرمت على الرجلين اللذين لا ذنب لهما على ما علمت وعلم الناس، ولا سيّما هذا الطبيب الذي طالما احسن اليّ، فعالجني مجّاناً وكسا اسرتي واشبعها لوجه الله من غير منّ ولا اذى.
وما اغراني بهما الاّ قبضة من تراب زيّنها لي فقري واغواء مدير الشّرطة الذي كان يغيظه حبّ الناس للدكتور فلان وصدعه بالامهم وامالهم، فاراد التّخلّص منه، فدلّه مكره على جهلي ولؤمي، فكان ما ذهبت لذّته، وبقيت حسرته.
وانشج الرجل نشيجاً يفتّت الصخر، وشاء عدل ربّ العالمين الاقتصاص عنّي بهذا الدّاء العضال والعلاج بيد من بدّدت حياته وهناءه ظلماً، وشوّهت حسن سمعته كفراً. فابتسم له الطبيب الذي بقي فاغراً فاه طوال ذاك الحديث، وقال له: ثق يا اخي انّ حديثك هذا هو اعظم عزاء لي عمّا فاتني من الخمر، واقسم لك انّك اليوم اقرب الى نفسي منك امس، وانّك خير تعويض لي من اهلي وصحبي وجيراني وملاعب صباي التي ل تنفكّ عن نفسي في اليقظة والمنام.
ونفطت دموع بعضنا وتكسّرت عبرة اخر في صدره، وغرقنا جميعاً في مشاعر شتّى امتزج فيها الاسى بالسّرور، والغيظ بالرّحمة.
ومن العجب انّ العجب لم ينثن عنّا ذلك اليوم، فقد فجئنا عصره بالعفو عن ذلك الطّبيب الحبيب واطلاق سراحه بعد عشر سنوات من السّجن في هذا المنفى الموحش، ولكنّه ابى ان يعود الى المدينة التي بكاها كلّ حبسه، وقال: انّ هؤلاء المظلومين اخواني، وتأبى لي مروءتي ان افارقهم بعد هذه السّنين الطوال من المودّة والاخاء، وليس لي في هذه الدّنيا الاّ ان ابقى معهم خادماً ومواسيا حتّى يختم الله لنا بخير بينهم.
وسما في عيون الجميع، وصار بلسماً لارواحهم وطبيباً لابدانهم، حتّى اذا انتهى سفره في عالم الفناء شيّعه السّجناء تشييعاً يليق بحبّهم ايّاه، ودفنوه هنا، وراحوا يزورونه ويسقونه من شابيب عيونهم وفاء له وحزناً عليه، وذلك من اعظم الاجر، واسمى الباقيات. ثمّ رفع محدّثنا رأسه، وقال: اسرعوا فقد تأخّرنا كثيراً.
شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم