حملني ما رأيت من كذب الناس في التوادد والتّراحم أن أقلق من كلّ احد، وأرتاب في كلّ شئ.
واستبدّ هذا الاضطراب النفسيّ حتى عرضت لي حاجة دعاني قضاؤها الى الاستنجاد بصديقي الحميم في العاصمة.
فرحت اسابق الغروب اليه بخطىً أنهكها الشّكّ في نجدته لي.
وحدث ما خطر لي في الطّريق اذ خرج لي رجل غريب بوجه ضحوك ساعة قرعت الباب، وقال: انّ صديقك يا اخي قد استباه الشّوق اليك اليوم، فقصدك منذ الصباح. ألست فلانا؟
بكى، أنا هو، وما افعل الان؟ أنت وما رأيت.
ولمست برود الرجل في دعوته ايّاي الى الدخول، فشكرته بقدر دعوته وانقلبت أتعثّر بأذيال ما كنت أخشاه، وكأنّ السماء قد اطبقت على الارض في عيني، ولا سيما حين سمعت سعلة صديقي في البيت الذي طالما اواني وحنا علىّ من غير منّ ولا اذى.
وايقنت عندئذ أنّه لم يبق من الخير أثر، وانّ السعيد من فاز بالخروج من هذه الدنيا الاثمة.
وطويت دربي مرتطماً بهذا البناء ومصطدماً بذاك العمود، وسائق يسبّني، واخر يو قظني من غفلتي في الشارع المزدحم بالمارّة ووسائل النّقل، والناس بين لائم ومشفق عليّ، وانا لا اعي شيئاً ممّا أرى ولا ممّا أسمع.
وبينما انا كذلك على مارعة الطريق المؤدّي الى غايتي وقفت أمامي سيّارة فارهة يقودها رجل وقور بشوش فتح الباب لي منادياً أن تفضّل. فأعرضت عنه شاكرا، وأدرك الرجل أنّي ما عرفته، فقال: أنا أخو جارك فلان وأعتزّ بايصالك.
فاستحببت منه، وركبت معه مغلوباً كئيبا، فرحّب بي هاشّاً باشّاً، وقال: مالي اراك حزيناً مضطربا؟
من هذه الدنيا الدنية اعزك الله.
واعزك،ماذا رأيت فيها؟
لم أر غير المزعجات من غدر وخيانة، وكذب وافتراء.
وقاطعني مبتسماً وهو يقول: فانت لم تحسن النّظر فيها اذن، والّا فادنيا روضة، والرّوضة لا تقتصر على نبت ما.
فما تقول في هذه القصة التي ما يزال حدثها يعتمل في جوانحي؟
وقصصت عليه ما جرى لي بباب صديقي الحميم وعودتي منه مهيض الجناح كسير القلب. فقهقه قائلاً: أنا واثق يا عزيزي الكرم أنّ صديقك هذا لم يكن في المنزل ساعة قرعت بابه عليه، وليس ما سمعته من سعاله سوى وهم قدحه في بالك تعاظم الشعور بالخيبة.
فلماذا كانت دعوة الرجل ايّاي للدخول باردة؟
ربّما لم تكن كذلك، لكنك انت نفسك هكذا حسبتها، وهذا هو الارجح، وربّما كانت لعدم الرّجل لك اذ راك قريباً منه.
واجتاز الرجل داره في المدينة التي اعمل فيها مصرّاً على ايصالي الى منزلي، ماسحاً بلطفه الحكيم وبصره الثاقب كثيراً ممّا ران على قلبي من سوء ظنّ.
وعتب المدير عليّ صباح الغد قائلاً: لقد بحثنا عنك امس في كل مكان، فلم نجدك، أين ذهبت بالله عليك؟
ذهبت الى العاصمة، ماذا جرى؟
يا أخي لقد جاء لزيارتك جدير باطحبّة حقّاً، ولمّا يئس منك بعد المرّة الخامسة ترك لك هذه الامانة، ومضى قافلاً الى العاصمة على ان يعود اليك في اقرب فرصة تسنح له.
وفضضت الامانة، فاذا هي مبلغ مشفوع بوريقة فيها: أحييك أخي العزيز أطيب تحيّة متمنياً لك كل خير، وبعد فقد جئت لأبلّ شوقي اليك، فلم أحظ بك، وعدت مضطراً،، وتركت لك ما تجده مع هذه الورقة ميثاق حبّ مستدام، وعشق نبراس هداية لأخيك.
التوقيع شريف.
فمضضت اصبعي ندقاً، وتذكّرت أقوال الرجل النبيل الذي أوصلني بسيّارته وانا اغلي على الناس جميعاً.
وعرفت انّ الصداقة ومكارم الأخلاق مازالت بألف خير، وأنّ المظلم هو نفسي انا لا الدّنيا.
وكررت قولي: سبحان ربّي كم من شاك هو جدير بشّكوى منه!
شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم