نشأت في افياء مجد عريق طال باخر بناته الدّاء العضال، حتّى مضى لربّه - تعالى - طاوياً معه كلّ ما بناه غير ما ترامى في الافاق وتوهّج في القلوب من اصداء ذكراه الحسنة.
ولم تر من مجد ابيها سوى هذه الذكرى الحسنة وخادم غادر الاسرة بعد رحيل سيّدها، واشتغل ببيع الطّير والضّأن في ركن من المدينة، وبقي ابنه يتردّد على تلك الاسرة التي توارث اباؤه خدمتها، ويسير خلف تلك الطّفلة حاملاً محفظتها الى المدرسة صباحا والى البيت ظهرا، حتّى أكملت الدراسة الابتدائية.
وكافحت امّها ان تتخطّى الثانوية مهما كانت الصعاب الى ان بلغت ما تريد.
واعانت الفتاة الذكيّة جدّاً درجاتها الفائقة واخلاقها السامية ان تعيّن معلّمة قرب منزلها، فنالت مكانة رفيعة في الحيّ الذي راها تسير في جنباته هادئة متواضعة عنيفة مهذّبة، فاعتزّ بها ايّما اعتزاز، وترحّم على ابيها وجدّها اللذين كانا من اعلام المروءة والسّماحة فيه.
ولم تعد ترى ظلّ الفقير ملازماً لها بين المدرسة والبيت ايام تعلّمها، ولكنّه بقي يراها وهي تدخل المدرسة والطالبات يحطن بها يحملن عنها ما بيدها من دفاتر واوراق، ويسألنها فيما لم يكن له نصيب منه سوى ايصالها اليه ايّام الصّبا، فيتوق الى رؤيتها في كنفه مستظلّة به خاضعة له.
واذ اخذت مكانها في النّفوس، واستطابت ذكرها الالسنة ظهر لها ذلك الرّفيق القديم وكفّاه تفيضان فضّة وذهبا، ليجريا تحت قدميها الطّاهرتين اعجاباً بهما ورغبة فيهما.
ومن حقّه ان يقهر الزظيفة التي حالت بينه وبين من امضى احلى ايّامه في خدمتها، ويصغع العلم الذي رفعها بعيداً عنه.
وتحرّكت السيّارة الفخمة من وق الاناقة والتّرف ونفسه مطمئنة بغلبتها. وعزّ عليها ان يكون العلم في ظلّ الذّهب، فقاومت برقه الكاذب زمناً، ثمّ اغمضت عينيها، ومدّت يدها الى خاتم الماس الذي خطف ابصار من رأينه في يدها، وشغلهنّ بالدّعاء لها بدوام السّعد وتمام الاقبال.
ومضت ايّام، وجاءت اخرى، وغب حاضر، وعاد غائب، والمدعولها لم تنتقل الى حيّ الاثرياء والمترفين، فكلّ ماجرى كان سراباً في سراب، اذ وجدت من استجابت له بعد حين مريضاً جاء يتداوى بقبولها ايّاه زوجاً على ما هو عليه من ضالة الشأن عند نفسه، فلمّا برئ من معاناة النّقص تعلّق غيرها، ومضى طائشاً لا يلوي على شيء.
فصورتها معه الان - وهي التي ساد اباؤها اباءه - سترت صورته القديمة حين كان يتبعها حاملاً ادواتها المدرسيّة.
وغناه اليوم يدعوه لنسيان ماضيه الذّليل والاندماج في حياته الجديدة التي لا تصلح بمعلّمة ليس لها من حطام الدّنيا سوى شرف رفيع يذكّره بهوانه القديم، وينكّد عليه قبضة التّراب الذي انتصر به في غفلة غافلة.
ومن هنا مدّ عينيه الى احدى المترفات اللائي يجهلن حقيقته ولا يعتنين بها اعتناءهنّ بما عنده، ولم يجد عناءً في نيل ما يريد بعد ما اختدع الحسب والنّسب، وشفى بهما ما في قلبه من مرض.
وعادت المعلّمة المحبوبة من رحلة الخيال تحمل كرّاسات الطالبات بيد عاطلة من كلّ زينة سوى الاحسان القديم والعفاف الاصيل تزداد بهما عزاّ علما عزّها الشامخ على كلّ سوء.
شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم