لقد حسبت ناظريّ كلاّ عن حسن النّظر ساعة رأيته يؤمّ الناس المنفى خاشعاً في صلاة قلّما شهدتها في مسجد او بيت، فقد تركته قبل ان اضرب في الافاق فاراً بديني لا يقيم للدّين وزنا، ولا يعرف له معنى، وارتسم في ذهني ضحكه مني ضحكاً زادني اشمئزازاً منه، وقطع ما قام بيننا من اصرة ساعة ابيت تناول عصير بارد قدّمه لي في شهر رمضان المبارك.
وكان هذا اخر عهدي به في الوطن السّليب، وان ترامت اليّ بعده اخبار عنه منها انّ الدنيا قد غرّته بمنصب يعزّ على مثله، واستلهته عن الحقّ بما انالته من الوهم، فعلا علوّاً كبيراً، ومشى في الارض مرحا، وعاث فيها فسادا، حتى جأرت الى الله منه، واستغاثت به ان يطهّرها من شرّه، وينأى بها عن ضرّه.
ونهضت اليه لماّ انفضّ الناس عنه، وعاد يناجي ربّه وحده بقلب خاشع وطرف دامع فسلّمت عليه، فضمّني اليه، وضممته اليّ، وغاب وجه كلّ مناّ في حنان الاخر، وجلسنا وايدينا وعيوننا مبلّلة من فيض الدموع السّخينة على خدّي وخدّه ونحن نضحك ونبكي سروراً وحزنا، ثمّ حدّثني بما جرى له من غمر ان اسأله، فقال، اجل يا ابن امي لقد جمع الله لي الخير من اطرافه وانا غافل عن عظيم منّه عليّ وقديم احسانه اليّ كما تدري، فتهت بسراب الجاه والشّباب غير ملتفت الى انّ كلّ ما كان بيديّ انما هو قبضة من خيال الصّبا او اضغاث احلام البائسين، اذ فجأتني الايّام بما قصم ظهري، وبدّد ما كنت غارقاً فيه من ليل الغرور الذي اقصى عنّي الصّديق والقريب، فقد استخفى معاوناي بكلّ ما المصرف الذي اديره من ودائع نفيسة ونقود طائلة، ونزلت السّجن بجرمها ذليلاً مهنا، وذقت فيه من العذاب مالم يذقه احد من العالمين على ما اظنّ، وغلّقت عليّ ابواب الرّجاء ولم يبق لي سوى لطف الله _ تبارك وتعالى _ الذي يئست من كلّ شيء الاّ منه.
وعندئذ انفجرت لي نافذة الامل، وسرى اليّ منها النّور والنّسيم، فقد قامت بيني وبين سجّان رحيم مودّة جعلت كلاً مناّ يفضي الى صاحبه بما في قلبه من همّ وغمّ، حتّى اعلمني انّني حبست مظلوماً بدعوى حاكها الباطل المصادرتي على اموالي والتّشفي بي مبرهناً غلى صدقه بتعيين معاونيّ المستخفيين مديرين في مصرفين في مدينتين نائيتين عن مدينتنا، وبعدم تقديمي للمحاكمة.
وتأكّدت الامر الاوّل باستخبار اهلي عنه، والثّاني برفض النّظر في شأني رفضاً قاطعاً، فأيقنت انّ الرجل اخ لم تلده امّي، فقد كان يغدق عليّ الخير، ويسرّي عنّي، ولا يكدّر معروفه بمنّ ولا اذى، وقد اعجبني فيه استقامته على الحقّ واخلاصه له، حتّى اقتديت به من حيث ادري ولا ادري، وتعلّمت الصّلاة على يديه، واعتمدت عليه في كلّ شأن من شئوني حتّى النّهوض بامر اسرتي خفية، فشكرت لله هذه النّعمة، واقبلت على فراغي اقضيه بما له عليّ من التطهّر والتّقرّب نادماً على ما فرطت في جنبه الغفور الرحيم.
وبغتني ذاك الرجل الصّالح يوماً بالكلام على اخراجي من ذاك الحبس الرهيب، واذ لمس فيّ الرّغبة في ذلك والثقة به قدّم لي هويّة شرطيّ ولباسه، واوصاني بالمضاء والتّوكل على الله عند الخروج الذي رسم لي خطّته، وحدّد ساعته، وودّعني ومضى.
ولماّ حان الموعد رأيته في اوّل نقطة من المسير الذي رسمه لي، فانطلقنا معاً، ولماّ بلغنا مأمننا، قال لي: لابدّ لك من العبور الى البلد الفلانيّ.
فبكيت وقلت له: لا اطيق فراقك ولا التّفريط باهلي.
فضحك وقال: أتراني اخرجتك لادعك وحدك؟
لا والله لا يكون هذا وفيّ عرق ينبض.
اماّ انت، فلا تعبر الاّ معي، واماّ اهلك، فانّهم ينتظروننا هناك منذ اسبوع.
وانطلقت بنا سياّرته تنهب الارض نهباً، حتّى اجتازت الحدود الى هذه النّاحية التي استقبلتنا خير استقبال كريم، وكان في طليعة المنتظرين اسرتي، فتمّ لنا السّرور، وعظم الرّجل في اعيننا وامام بيننا ثلاث ليال ليذهب الوحشة عناّ، ولماّ اراد الرّجوع لانقاذ غيرنا من ذاك الظّلم، ابى ان ينظر لما عرضناه عليه من الجواهر والنّقود، فقلت له وانا اضمّه الى صدري: فماذا تريد مني اذن؟
فكفكف دمعة طرفت على خدّه الشريف، وقال: لا اريد منك الاّ دعاء حارّاً في جوف الليل ان يغفرالله لي. وهذه سنتي الثامنة هنا وانا ادعو له بكرامة الدّنيا وسعادة الاخرة.
شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم