البث المباشر

درس

الإثنين 2 يناير 2006 - 00:00 بتوقيت طهران

حين تخرّجت في كلية الحقوق التحقت بمكتب محام ذائع الصّيت، فبعثني لاحضر عنه في محكمة بلدة صغيرة. واذ رأى ارتباكي وخوفي ممّا وكل اليّ من عمل قال لي بحزم لطيف: انك لن تستطيع تعلّم السّباحة بوقوفك على الشاطئ، وانّما لابدّ لك من الغوص في لجّة الماء. فقلت وقد جفّ ريقي: لكنّ تعليم السّباحة ليس بالقاء الانسان في اعماق المحيط قبل ان يتعلّم منها شيئاً. فابتسم لي وقال: لم القك في اعماق المحيط يا ولدي، وانّما وضعتك على الشاطئ نفسه لتلمس الارض بيدك ورجليك. قلت مستسلماً: فانا ذاهب استجابة لامرك، لكنّني لست مسئولاً عمّا اعثر فيه ممّا وكلت اليّ فقال مبتسماً: اطمئن انّني لم اكل اليك غير ما يسرّك، فقضايانا هناك ستعرض للتّأجيل لا للمرافعة، وهذه ارقام الدّعاوى واسماء الخصوم بين يديك، وما عليك غير الجلوس في قاعة المحكمة بين المحامين، فاذا نودي باحدى قضايانا نهضت بوقارك كلّه، وقلت للقاضي: التمس التّأجيل، وقعدت مكانك مؤدياً واجبك على احسن وجه. فهل انت الان في لجّة المحيط، او على رمال الشاطئ يا فتى؟ فخجلت من بيان اوهامي، فلو تمهّلت لما خزيت ازاء استاذي، وغصصت بريقي وانا ابلعه معتذراً اليه واعداً بالسّفر غداة غد. وعلى الرّغم ممّا قذفه في نفسي من السّكينة امضيت تلك الليلة افكّر وانا نائم، واحلم وانا يقظ، حتّى بدت لي خيوط الصّباع الاولى، فهببت للصّلاة، واسرعت للقطار خوفاً من ان يفوتني، فتقع الكارثة. وفي المحطّة رأيت محامياً كبيراً يريد المرافعة في المحكمة التي اقصدها، فابتهجت به ابتهاجاً عظيماً، فقد وجدته خير ملاذ ومنار لي من هذه المحنة العظمى، فسألته فور انتهاء السّلام ان كيف يتسنّى الحضور في قضايا جديرة بمعرفة وبحث عميقين في حين انّني لا اعرف عنها ادنى شيء؟ فقال الرجل مهوّناً ما ذعرني: انّها قضايا متّفق على تأجيلها، فمنها ما كلّفتم انتم بتقديم مستنداتكم في شأنه، ولما تقدّموها بعد، ومنها ما هو مؤجّل ليقرّره الخبير بفحص النّزاع، وماؤال ينظر فيه. ولذا لابدّ للمحكمة من الموافقة على التأجيل الذي تطلبه اليها. واستعدته ما قاله لي مرّات، لاتقنه واعرضه على المحكمة واثقاً بصلاحه سبيلاً لطلب التأجيل. وبلغنا غرفة المحامين، والبستني ذلك المحامي النبيل برد المحاماة، ودفعني لانتظر مع زملائي حتّى يأذن القاضي بفتح الجلسة. وبعد قليل عاد اليّ قائلاً: سينادون بقضيّتك الاولى، فتبعته الى قاعة المحكمة، وجلست في كرّاسي المحامين، فصاح القاضي من المحامي الحاضر عن المدّعي فلان؟ فوجدت اسم المدّعي في الملفات التي بيدي، فانتفضت واقفا، وقلت: انا حاضر عنه عن الاستاذ فلان. فقال القاضي: حسناً، تفضّل بمرافعتك يا استاذ. قلت: لقد جئنا اليوم نطلب التأجيل يا سيّدي القاضي. قال: ولماذا؟ فأبطأ جوابي عنه، لانّي اعدّ مذكرة صغيرة على كلّ ملف تبيّن علّة التأجيل، واذا بذاك الاستاذ الكريم ينبس لي بصوت خافت: لانّ الخبير لم يقدّم تقريره بعد. فهتفت للقاضي بهذا القول معتقداً انّه سيؤجّل المرافعة، الاّ انّ كاتب الجلسة انتفض واقفاً ليقول للقاضي وهو يلحظني: انّ الخبير قد قدّم تقريره، وهو في ملفّ الدّعوى. فكدت التفت لالتمس النّجدة من كلّ احد، لولا انّي اشفقت على نفسي من الحاضرين، وانتظرت وصول النجدة تلقائياً، لانّ ذلك المحامي المحسن يعرف انّه اذ تركني وحدي في هذا الموقف، فانّي ساظلّ صامتاً حتّى يقضي الله امراً كان مفعولا. ولم تصل النّجدة، وتطلّعت خلفي على مضض، وهالني انّ ذلك المحامي المنقذ لم يكن في مكانه، فدارت بي الارض، وكدت اسقط عليها من فداحة ما نزل بي، واخذت انظار الحاضرين تضرب عليّ نطاقاً من الاستكشاف المدمّر. وكأنّ القاضي ادرك ما انا فيه من شدّة، او لعلّه لمح في وجهي الجديد عليه انّي جديد على المحاماة، فادركني بلطفه قائلاً: لعلّك تريد التأجيل يا استاذ لتطّلع على تقرير الخبير الذي لم يقدّمه قبل وقت كاف للنّظر فيه. فتلقّفت عذره، وصحت بكلّ جوارحي: اجل يا سيّدي القاضي اجل، فانا لم تتح لي فرصة مطالعته جيّدا. فرفع الورقة التي بازائه، واعلن التّأجيل مبتسماً في اعطافه لم يفتني مغزاها،فقد افسدت احسانه اليّ،، وكنت معتزماً حفظه ما حييت. وما استرحت من هذه البلوى، حتّى نودي بقضيّتي الثانية، فاسرعت الوقوف ثانية ليقول لي القاضي: ما طلبك يا استاذ؟ فقلت: التّأجيل يا سيّدس القاضي، فمستندا تنالم تعدّ الى الان. فانبرى لي محام اخر منفعلاً، وقال: لقد طلب خصمي تأجيل الدعوى في الجلسة السابقة بذريعة جمع المستندات التي زعم توفّره عليها، وانحنيت يومها لاراديكم، ولا اسمح اليوم ان ابدّد وقتي في مزاعم باطلة، فارجوا المحكمة ان تكلّفه بالمرافعة الان. وايقنت انّ هذا المحامي قد عرف ضعفي ومسكنتي، فصال عليّ هذه الصّولة التي لم تدع لي ما اقوله ازاء كلام منطقي سديد. ولكنّي اصطنعت الثبات، وقلت: هذه مستنداتها يا حضرة القاضي لا ينقصها الاّ وضعها في محفظة لتصلح للتقديم، ولوّحت بالاوراق في الفضاء لتشهد على بطلان ما قذفنا به الخصم الذي راعني خطفه ايّاها وتأمله لما فيها، ليقدّمها للقاضي ساخراً مبيّناً انّها ليست سوى مجموعة من عرائض لفقت تلفيقاً. هناك نظر اليّ القاضي الكريم فعلاً _ جزاه الله خيرا _ في الوقت المناسب، فرّد اليّ الاوراق بلطف وقال: ليراجع المحامي الاصيل مستنداته قبل تقديمها للمحكمة، وسأسمّي لكم اجلاً يحضر هو بنفسه فيه. وليحضر هو نفسه قضاياه كلّها، فهات اسماء موكّليكم كلّها لاضعها في جلسة واحدة تيسيراً لكم. وبلغ بي الضيق مبلغاً جعلني ارحّب بذلك الحلّ دون ان اعير كلمة (هو بنفسه) التي كرّرها القاضي عليّ اهتماما. فاعطيته الاسماء التي ارادها، واذ خرجت من قاعة المحكمة احسست بالعودة من الاخرة الى الدّنيا، وقرّرت ان ابحث عن محام يعلّمني السّباحة لا الغرق.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة