ابتسم الشيخ مهدي الرّحيم ابتسامة لطفه الذي كان يعمّها بنظراته الرّحيمة على كلّ حال، ويؤنسنا بحكاياته العذبة ليل نهار، ومدّ يده الى لحيته التي غلب بياضها سوادها _ وكلاهما حبيب _ وقال: رحم الله الحاجّ جعفراً الاسديّ رحمة واسعة.
فسألناه ان يحدّثنا بخبره الذي تسطيبه النفوس كلّ حين.
فتهنّد وقال: اين نحن منه؟
فقد كان بشراً سوياّ ادرك بفطرته ما ادركه الناس بالعلم،فعاش عزيزاً كريماً على الرّغم من الاذى المتأجّج في كيانه الودود طوال حياته بين ابناء هذه الناحية التي كان وجهها وعنوان جودها المتحدّث به في كلّ مكان.
اجل كان متواضعاً يجالس الجميع مؤثراً المغلوبين على غيرهم داخلاً عليهم لعيادة مريض او السؤال عن غائب او تعزية عن فقيد منفقاً عليهم ثمار ما اتاه الله من رزق كريم، فقد كان يرى المال مال الله والظالم من منعه خلقه.
ولذا كان ينبعث في سداد الدّيون واقالة العثرات، حتى استمرأ القاصي والداني هذا المنهل العذب، فكاد يغيض من كثرة الناهلين الذين وجد وافيه فيض احسان الى من يعرف ومن لا يعرف من عبادالله الذين جاعوا وعروا بما ظهر في البرّ والبحر من ظلم وجور.
فطالما لام او عتب على من يعرف ارملة او يتيماً او مسكيناً لم يذكره عنده، ليؤدّي اليه حقّه الذي اوصى الله به في ماله.
وبينما كان الحاجّ جعفر الاسدي مشغولاً بعيال الله شغل في ظلّه ابناء بطلب الدّنيا وما فيها من متاع ومقام وهناء وثراء، فتعلّموا في المدينة، ونالوا المناصب الرّفيعة، واصهروا الى ذوي الجاه في البلاد، فعزّ جانبهم، وطار ذكرهم في الافاق.
واخذت الكارثة طريقها الى انبل انسان في هذه الناحية، فقد اناخت عليه الدّيون التي دلّها عليه ترف ابنائه ومباهاتهم في زواج مشرف في كلّ شيء فضلاً عن ديون الفقراء الذين اثرهم على نفسه الطيّبة، فنهض بها من غير ان يندب اليها.
وظهر الشّرطيّ بباب من كان يأبى ان يراه بباب غيره.
وخشي الابناء المسرفون ان يضيع ما بقي من مالهم بسخاء هذا الابّ النبيل، وحزموا امرهم ليعزلوه عن التّصرّف بمال يرونه وكيلهم عليه لا وكيل الله، فسعوا سغيهم ان يحجروا عليه، فاذا هو بداره اسد حيس يرقّ له كلّ من يعرف الكرامة والسّمو.
ووقف المساكين ببابه الكريم يبكون له، ويبكي لهم، ويهمّ ان يبسط يده بما اعتادته من اسداء الخير، لكنّ المؤتمرين به كفّوه عن ذلك، وحقروه بين من يلوذون به، فقد استمرؤا الزاد الحرام، فما عادوا ينصفون شاكيا، او يرحمون باكيا، ففاضت الثروة، وجرت الارض بما انساهم ذكر الموت.
واتّفق ان اولم المترفون وليمة ضمّت اعيان الناحية واهل الحلّ والعقد فيها، وقرعت اصوات البذخ الصّاخب والتّرف الماجن سمع الحاجّ جعفر، فاقشعرّ بدنه، واستجار بالله _ تعالى _ من سوء الصّاحبة، وبينما هو غارق في الدّعاء وقعت عيناه على فتى بخيل يرتعش من البرد لا يدري كيف دخل عليه، فقال له متعجّباً: عدنان؟ اليّ يا بنيّ الي.
وجذب الفتى اليه، واخذ يتشمّمه بخمان وقد تحدّرت دموعها صامتة حارّة، وقال الشيخ: كيف امّك يا بنيّ؟ كيفها؟
فأطرق الفتى وقال: ليس على ما يرام يا ابي.
فوجم الشّيخ، وقال: ما بها؟ حدّثني يا بني.
لقد اشتدّت عليها العلّة، وليس لنا ما نأكل، ولا ما نشتري لها الدّواء به، ومنذ العصر وانا اتحيّن الفرصة للدّخول عليك دون ان يراني احد.
فحوقل الحاجّ الاسديّ واسترجع، ثمّ قال مستحيياً: مالكم هكذا؟
والارض التي تركتها لكم تزرعونها بلا مقابل اين صارت؟
فقال الفتى متحسّراً: الم يبلغك يا ابي انّهم استردّوها، وحملوا الحاصل كلّه.
فزفر الحاجّ زفرة حرىّ، وقال: تعساً لهم وترحا، عد الى اقّك بسلامي عليها، وقل لها: انّ فرج الله قريب.
وهجمت عليه الاحزان والافكار والذّكرى تستردّه من يومه البائس الى امسه الهانئ مناجياً نفسه ان: من يصدّق ما صرت اليه؟
اانا ذاك الذي كانت يمينه لا تخشى فقراً، ولا تلين لبلخ؟
كيف اصبحت هكذا؟
ووقعت عيناه على ابريق من الفضّة نسي في غرفته، فتأبّته وتسلّل منها لائذاً بالظلام وغفلة السّمّار، وحثّ خطوه الواهن، فلم يبق بينه وبين منزل الاسرة المستجيرة به سوى ميلين او ادنى، وحينذاك رأي سيّرات تخرج من القرية، فأيقن انّ فريقاً من الضّيوف قد انقلبوا الى المدينة، ولعلّ بنيه شعروا بفراره، فتعقّبوه، فاستخفى في الزّرع ريثما يمرّون، ليستكمل سيره الى من يريد.
واذ جلس احسّ بالتّعب الشّديد، وعضّه البرد، فتدثّر بعباءته حتّى غلبه النوم، فنام طويلا. ووجده الخارجون لصلاة الفجر مثلّج الاظراف والابريق في حضنه، وكان بيت الاسرة المقصودة بمعروفه ذاك اقرب البيوت اليه، فحمل اليه مأسوفاً عليه مبتهجاً به.
وسخط ابناءه المفتونون بما سلبوه ايّاه، لكنّ سخطهم لم يطل، فقد ودّع مهد الخيانة والغدر الى دار الامان والوفاء واسماء المساكين بين شفتيه.
واقاموا له مجلس عزاء طويلاً عريضاً حضره الخطباء البارعون وتنافس فيه الشّعراء المبدعون بيد انّ سكّأن الناّحية الفقراء الذين احبّوا الحاجّ الفقيد صدّوا عن سرادق العزاء لانّهم ارادوا ان يقرؤا الفاتحة على روحه التي وسعتهم عشرات السنين لا على هذا المظهر الكاذب الذي يختال به سالبوا حقّه رغبة في حطام زائل.
شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم