البث المباشر

خبــر

الإثنين 2 يناير 2006 - 00:00 بتوقيت طهران

امتدّ الطريق العامّ بين الحقول الخضراء والمروج الزّاهية وقد غراه شابّ حملته على نهبه سيّارة اشتراها له ابوه تواً، حتّى انّه لم يستطع تذكّر اسماء الكثير من الشّجيرات المترامية على جانبي الطّريق العائد به العاصمة التي انسته انّه ابن اباء وسخاء ريفييّن، فساءه ان يرى نفسه اسير حياة لا يشغلها غير بلوغ الجاه والثّروة والانغماس في ملذّات تافهة يتهاوى فيها الغافلون والجاهلون من عبدة الحطام، فتحسّر متمنّياً ان يعود الى القرية التي ولد فيها هو وابوه، ثمّ نزعتهم منها دواعي طلب المزيد من الرّخاء الكاذب، القتهم في خضمّ الاثرة المستأثرة بكلّ شيء من فكر الانسان وروحه بعيداً عن مكارم الاخلاق التي اصبحت من الذّكريات الباهتة في خاطر الغرقى بين اطباق هذا الخضمّ، وعزّ عليه الاّ يقف هذا التهافت في سعير الفناء المقنّع بالبقاء. وبينما هو ماض في تأمّله العميق لاهات الفلاّحين الحفاة العراة وهم يغدقون على الناس الطّيّبات، وحسرات العمال المتضوّرين جوعاً في الازقّة الصّامتة الاّ عن الاوهام اخرجه من هذا التّامل النّبيل عجوز توسّطت الطّريق، واخذت تلوّح له بعباءتها متوسّلة اليه ان يحملها معه الى ابنتها التي تعسّرت ولادتها في مستشفى الامومة والطّفولة في العاصمة. وهجس في نفسه قبل ان يقف لها انّها تريد به سوءاً، لكنّ لوعتها وتضرّعها بدّدا ذلك الهاجس الغريب فوراً، فجلست الى جوارها داعية له مثنية عليه ثناءً جدّد شكّه فيها وخوفه منها، فراح يسترق النّظر الى وجه كالح غضّنه مرّ السّنين، ثمّ سألها: هل ابنتك وحدها في المستشفى؟ اجابت العجوز منكسرةً: لا، معها ابوها وعمّها ابو زوجها. فقال: متى دخلت المستشفى عافاها الله، ويسّر الله لها؟ فقالت العجوز وعيناها تسبلان الدّمع: وعافاك يا بنيّ وسرّك، لقد دخلته منذ ما يزيد على اسبوع. قال الشابّ: ألكم اقارب في المدينة تنز لون عندهم؟ ابتسمت العجوز قائلة له: سبحان من لا قريب له ولا ولد يا بني. فسألها وقد ادرك انّها احسّت بارتيابه فيها، او خالجها حذر منه، فسعىان يطمئنها بقول كريم: اوتحبين ان نكون منهم يا خالة؟ اجابت مبتسمة ابتسامة رزينة: كريم وابن كرلم يا ولدي، سرّ الله بك امّك.لن يدعنا اولو الرحم ظلاً ثقيلاً على كرمكم الكريم يا ابن اختي، وستراهم ينتظرونني في ثنيّات الطّريق ليشكروا لك معروفك الذي اسديته اليّ في هذا الطّريق الموحش على غير معرفة ولا امان. ووقعت الكلمات الاخيرة في نفسه موقعاً زاده اضطراباً، وجعله يسوق سيّارته سياقة لا تعرف يمين الطّريق من شماله، حتّى انّ العجوز امسكت يده مراراً تدعوه لخفض السّرعة، وتحذّره الغفلة. امّا هو فقد سرب في اعماق النّفس اللوامة، وراح يلعن الثقة بكلّ احد ومواساة كل احد. كانت المرأة تحدّثه ببؤس المرأة في الرّيف وما تعانيه من نكران الجميل، وهو يحدّث نفسه بالاشرار المتربّصين به سوءاً في نقطة غير معلومة من ذاك الطّريق الذي طالما حذره ابواه فتنته، ويقول لنفسه: تبّاً لك ايها المدّعي بالوعي، اين انت من ذاك الاعرابيّ الذي اطلق راحلته، وجاء ليسلّم على الرسول الاكرم _صلي الله عليه واله _ فقال له: اعقلها وتوكّل؟ وبلغا سكّة منشعبة من الطّريق الاعظم، فرجته العجوز ان يميل اليها، لتأخذ اخاها المنتظر ايّاها على احرّ من الجمر قلقا، فتعاظم رعبه، واظلمّت الدّنيا في عينيه، وابى عليها اباءً شديداً متذرّعاً بانّه على عجلة من امره، وليس لها الاّ النّزول او استدامة الذّهاب معه في طريقه العامّ. غير انّها اكبّت عليه تقبّل رأسه وكتفيه، وتقسم له ايماناً مغلّظة انّ منزل اخيها لا يبعد سوى طرفة عين للسيّارة، وانه سيدخل السّرور على قلبه، ويخرجه من ضرب اخماسه لاسداسه، حتى الان وانعطف في تلك الجادّة الرّاعبة، ولم تكذب العجوز، فقد بلغا منزل اخيها في وقيت يسير، ورأى كهلاً بشوشاً يجول بازاء دار تعانق عليها النّخيل والصّفصاف، فلمّا وصلا اصرّ عليه الكهل وبنوه ان يتعشّى عندهم، ثمّ يكمل طريقه، ورجوه الاّ يردّ دعوتهم التي هي ادنى شكر على احسانه اليهم، فلم ير بدّاً من التّريّث لشرب قهوة حاضرة لديهم، فسرّوا سروراً عظيماً، وتباشروا بالخير. ومذ تناول الشابّ فنجان القهوة غاب هو وسيّارته الى الابد، ولم يبق منه هذا الخبر.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة