البث المباشر

حلــم

الإثنين 2 يناير 2006 - 00:00 بتوقيت طهران

لو لا تعوّدي حبّ النظام لما امتثلت للامر بالاجتماع، فقد مللت الكلام على وجوب الاستعداد لمناز له الغزاة المدجّجين بافتك الاسلمة واستعادة حقوقنا منهم. واستمعنا لما يبعث الامل، ويخفض الالم، لكنّني لم اتفاءل بما قيل، فمن تجرّع الصّبر حتّى الثّمالة لابدّ ان تظلم الدنيا في عينه، ولا سيّما اذا رأى ابناء امّه وابيه: العامل والفلاّح والكاسب والمعلّم قد انبعثوا للموت مراراً، فنكص عنهم جماعة، واصطفاهم فرادى مستأثراً بالقلم الذي بقي نبراساً للخارجين من ظلمات القهر الذي ظنّ باسطوه انّه منجيهم من غضب من استضعفوهم غافلين، فاذا بمداد ذاك القلم الحكيم يوقظ كلّ من غطّوا في سبات السّنين، ويضيء لهم نهج النّجاة، ويسمو بهم حيناً فحينا. وانطوى اقرب الظّلال الى ذاك النور الهاتف في المغلوبين الا هبّوا، فما موتكم الاّ عيشكم بهوان. وسمع الوجود الكاره والمحبّ بين اليقظة والمنام قطرات دم تهتف بين الحقول ان لا غرس الاّ الاباء، ولا عيش الا الفداء. فلماّ فزع الحبّ والكره لم يجدا غير امّ قد اختضبت بطهر الرّأي والاقدام اللذين تعانقا في تطهير الارض المباركة من دنس اليهود، وراحت تزغرد رافعة الرأس مبتهجة بفوز ولديها بكرامة الدّنيا وسعادة الاخرة. اماّ اخي العامل، فقد اقسم الاّ يرانا حتّى يتوهّج قلبه في خطى اخويه، ولم نسمع به الاّ يوم اعلن الغزاة الحداد العامّ بتدمير امن مهجع لضبّاط الافساد، وفوجئت امّي بالجنود الذين جاؤا لنسف منزلنا يرونها قرار الحكم بهذا النّسف وهو صورة سعيد الذي لا اريد ان احدّثكم بعد بشجاعته، فقد تحدّثت هي بنفسها، وانّما اردت الكلام على ذلك الذي جعل تلك الدّماء تمتزج في انارة القلوب والدّروب بعرق جبينه ومضاء ارادته، فتلألأت اسماء اخوانه الشّهداء، وخفي ذكره، حتّى اعلن الغزاة جائزة لمن يدلّهم عليه، وزاد عجبي ساعة رأيته يلصق نسخاً من ذلك الاعلان على مساكن العدوّ غير خائف ولا مرتبك، وسألته عن ذلك، فاجابني بانّ الصاقه هذا البلاغ هو خير فرصة لارتياد اماكن لا يتسنّى له الاطّلاع الدّقيق عليها ومعرفتها حقاّ. وكنّا لا نلتقي الاّ لماماً حتى غاب ظلّه عن هذا الفناء، وصار اسمه وفعله ذكراً حسناً اتمنّى ان احظى بطرف يسير منه كلّما مرّ على سمعي المغرم به. وربّما عجبتم من حبّي اخي هذا الحبّ المتدفّق بلا ضفاف، وهذا من حقّكم، فانتم لا تعلمون انّه نهض باعباء تربيتنا نحن الاربعة ابناء الامّ البتول صفاراً، لانّه كان كبيرنا، فعلّمنا الصّدق والوفاء والعطف والسّخاء، والثبات والمضاء، حتّى استشهد بعدما بلغ غاية سروره وهو يملأ عينيه ورئتيه من النور الذي غمر الوجود بشهادة اخوانه اللذين ربّاهم على بصيرة من امره.اجل لقد قتل اخي الاكبر، لانّه كان شجاعاً قويّاً يعرف انّ الحرب كرّ بلا فرّ، وانّ الشّرف ينازل ولا يخاتل، وانّ امامة الناس في مواجهة الخطر قبلهم لا في النّجاة منه باتّقائه بهم. ولعلّه فارق الدنيا وهو واثق بانّني سأواصل نهج اخلاصه في ابتغاء رضوان الله _ تعالى _ وها أنذا احقّق اول مرميً من مراميه الكبار، فقد امّرت على اوّل سريّة من سرايا الجهاد المكلّفة بدك اقوى حصن من حصون المفسدين في الارض، وعلمت امّي عظم المهمّة المنوطة على عاتقي، فابتهجت ايّما ابتهاج وراحت تنشد ما يثير حماستي واقدامي وهي ترتدي البسة اخواني الشّهداء الاربعة واحداً فوق واحد وروحي يطوف في رحاب نعيمهم عند مليك مقتدر. وبلغت المكان المنشود ليلاً، ونام صحبي الذين اضناهم بعد المسير ووعورة الطّريق، وبقيت ارقب جنود العدوّ يروحون ويجيئون وقلبي يغلي بالثّأر المتأجّج فيه سائلاً نفسي: كيف غفلنا عن هذه الذئاب وتركناها تصول وتجول في ارضنا؟ اه يا ربّ _ رحماك _ متى الخروج من هذا العذاب؟ وكلّما رأيت قطعان المفترسين تسرح وتمرح ازدادت الانوار الاربعة اشراقاً قلبي وعيني، وسمعتها ملء السّمع والبصر تهتف بي ان اذا اردت ان تحيا، فاقدم على الموت، واذا اردت ان تعود الى الخلود فعد الينا من هذا السبيل الذي انت فيه، ولا تهولنّك وحشته وقلّة سالكيه، فانّه معطّر باريج الجنان وازاهير الفردوس التي تنثرها الملائكة المرفرفة عليه ليل نهار، وطوبى لمن سار فيه. والقى الليل على الكون وشاحه وانا سادر في احلام العودة الى ربّي في وقت ازعجتني فيه الموسيقي ممتزجة بروائح الخمور ولحم الخنزير، فالتفتّ الى من معي من المندفعين الى دار البقاء وقلت لهم مداعباً: طاب مساؤكم ايّها الاحبّة، فقد ازفت ساعة الفوز الاكبر. فقهقه الجميع، وقالوا: طاب مساؤكم لا تنسنا عند ربّك تعالى اسمه. وعند الثالثة صباحاً هتفت باحبّاء الله ان يسيروا باسم الله، وامتزج النّور بالظلام وغاب كل منّا في واد من اودية الانتقام لله وبالله سبحانه. وافقت فلرأيت امّي تروّح لي بقميص اخي الاكبر في قلب كهف عظيم، فملأت عيني منه ابتسامة ما تزال تتلألأ في عروقي، ثمّ قالت: مثلك فليعش، ولا نامت اعين الجبناء. عندئذ احسست انّي قد اقتربت من ضفاف اخي الذي اغرفت من غيره العذب ما سرّ امّي وجعلها تفخر ببرّي بها الذي ما كان فضّة ولا ذهبا، ولا لهواً ولا لعبا، فحمدت الله حقّ حمده وشكرت له عظيم عطفه علينا وكريم لطفه بنا.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة