البث المباشر

حســرة

الإثنين 2 يناير 2006 - 00:00 بتوقيت طهران

سقط اليّ كتاب نادر في اللغة جمع فأوعى، وابدع فاوفى، فسرّني ايّما سرور، وبعثني على جدّ الشباب وصبر الشّيوخ، فاقبلت على النظر فيه مستمتعاً بتأمّل مبانيه وتدبّر معانيه، مستعذباً ما لذّ من فريد لطائفه، مستنبطاً بديع حقائقه ورفيع دقائقه ناظماً ما راقتني من نفائس درره، وعرائس غرره في الصّفحات الخالية بينه وبين غلافه الذي اشرق بكلّ جميل واصيل تجلّى في خضنيه مدلّاً بروعة الطّارف والتّليد، حتى اذا انست به غاية الانس، واستسلمت له استسلام الهام الولهان هجش في قلبي انّه ضائع منّي اليوم او غدا، فتذكّرت ما اضعته من نظائره وانا في قبضة الفاقة والحرمان فيما خلا من عمري التّعس، فاضطربت اضطراباً شهده صديقي الذي كنت ضيفه، واستغرب حزني على ما هو خيال في خيال، فوكّدت له انّ انفس ما لديّ ضائع لا محالة، فضحك وسرّى عفّ بمفاكهة طيبة اطفأت بعض غمّي الواري خلف الضّلوع. ولمّا ودّعني ذاك الصديق بعد يومين همس في اذني ان ها هو ذا الكنز النّفيس بين يديك ودعائي ان تسعد بسلامته. فابتسمت له، وامّنت على دعائه، وازددت اهتماماً بالكتاب، حتى اذا نزلنا في مدينتنا ذكّرتني امرأتي ببقاء الكتاب في الحافلة التي لمّا تزل قريبة مناّ، فهببت اليها، واخذته منها مسروراً بعودته اليّ في وقت حذّرتني فيه امرأتي ان انساه مرّة اخرى لئلاّ اندم ندامة تهيج مابي من الم القلاب الذي اضناني سنين عددا، فضممته الى صدري شاكراً لها اعتناءها بي. ومضت بنا سيّرة الاجرة الى منزلنا في شمال المدينة، وذكّرتني امرأتي الاّ اغفل عن الكتاب فيضيع الى الابد، فطمأنتها بانّه في يدي وانّني ملتفت اليه تمام الالتفات، فحمدت الله _ تعالى _ وسألته لي دوام الانتباه على ما يمتّ اليّ من الاشياء بصلة، لتنجو من تذمّري واخذي نفسي ببالغ اللوم والتأنيب. وترجّلنا من السيّارة بازاء منزلنا، وودّعنا سائقها مسروراً بما زدته من اجرة، وفارقنا وهو يدعو لنا دعاء شدهنا عن تفقّد ما كان مضا من اشياء مهمّة. وبعد زهاء ساعة من الاستجمام التفتّ الى انّ الكتاب الذي احطّته باهتمامي ليس في المنزل، فقالت امرأتي: ربّما وضعته في مكان شذّ عن بالك، فاصبر ريثما نبحث عنه. فوكّدت لها انّي نسيته في صدر السيّارة التي اقلّتنا الى منزلنا. واذ رأت امرأتي تصميمي الى العودة الى جنوب العاصمة البعيد عنّا بحثاً عن السلئق الذي اوصلنا اصرّت ان تذهب هي وابننا الاكبر بهذه المهمّة بدلاً منّي رأفة بي وخوفاً عليّ. وانطلقا متقاويين متضاحكين واعدين بانّهما سيعودان بالكنز المفقود سريعا. وما فعلا ذلك الاّ ابتغاء راحتي التي اثراها على راحتهما مخفيين ما بهما من وعثاء السّفر. وتصرّم النّهار، وعادا عند المساء يتضاحكان كما انطلقا ضحىً، لئلاّ يزعجني عدم وجدانهما الرجل الذي صار املنا يرفرف على رؤيته. وعادينا انا وزوجي منطلق سياّرات الاجرة في جنوب العاصمة، واخذنا نسأل عن السائق الذي لا نعرف اسمه ولقبه ولا رقم سيّارته، فما يعبأ بنا احد، حتى اتاح الله لنا من نظر الينا، وكلّمنا، واخبرناه انّ سائر السّواق كانوا ينادون من نعني بكلمة لا ندري ايلمزونه بها ام يلقّبونه، فعرفه، ووعدنا انّه سيأتينا بالكتاب عندما يرى زميله المعنيّ، واعطيناه عنواننا ورقم الهاتف، وعدنا الى منزلنا ظهرا. ولم نصبر، فاغتدينا صباح اليوم الثالث الى مظنّتنا، والسنتنا تلهج بالدّعاء ان نجد بغيتنا، وما كدنا نترجّل من الحافلة العامّة، حتّى رأينا من بعيد رجلاً ظنّناه صاحبنا، فركّزنا انظارنا عليه، فاذا به يومئ الينا ان اليّ اليّ. وقصدناه، فقال بعد مبادلتنا التحية: لقد اخبرني زملائي امس ببحثكم عنّي واذ سمعنا كلامه فرحنا بوجداننا ضالّتنا، بيد انّ هذا الحلم تبدّد عندما قال الرجل: وقررت ان أجيئكم، لكن بماذا اجيء والكتاب لم يكن في السيّارة، وما استأجرني احد بعدكم، فاحسبه اخذه. وانّي لاسف على ما لقيتما من النّصب في البحث عنّي دون جدوى. ولم يكن لنا غير شكره والانقلاب الى اهلنا خائبين، لكن بما يشبه الطّمأنينة، فقد ايقنّا بانّه لا سبيل بعد الى التّفكير بما شغلنا ثلاثة ايّام، واسترحنا ممّا اضرمه بين جوانحنا من الاسف. وما مرّ ببال احد منّا ساعة افتقدنا الكتاب انّي نسيته في المكان الذي انزلتنا فيه سيّارة الاجرة بازاء منزلنا، وما خطر لنا ذلك الاّ بعد ما اعلمنا سائق تلك السيارة مقسماً ايماناً مغلظة انّه ما رأى الكتاب قط. وعدت من العمل ظهر اليوم الرابع، فانبأتني زوجي انّ الكنّاس المكلّف بتنظيف شارعنا عثر على الكتاب الفقيد ضحى اليوم الذي عدنا فيه من السّفر. فاستبشرت خيرا، لكنّ امرأتي اضافت منكسرة انّ الكناّس قرع باب المنزل المقابل لنا، فاجابوه بانّ الكتاب ليس لهم، ولا يدرون من وضعه ببابهم. وعندها تذكّرت انّي اسندت الكيس الذي فيه اعزّما فقدت مشفوعاً بكتاب اخر الى شجرة بباب اولئك الجيران الطّيبين. واستكملت اهلي خبرها قائلة: فما كان من الكنّاس الاّان القى ما شقينا من اجله في الكنّاسة. فقلت لها:ألم ير الكيس نظيفاً والكتابين جديدين رائقين؟ كيف سوّغت له نفسه القاءهما في الكناسة؟ قالت: هذا ما اخذته به، فاقسم انّه رجل امّي، وانّه لم يعن حتى بالنظير الى الكتابين نظراً عابراً، فما يصنع بشيء يعوقه عن وظيفته؟ فاشفقت على ذلك البائس، ولعنت الجهل وما ينشره من خراب ودمار، وشكرت لله تبارك وتعالى اخراجي من هذه الظّلمة الدّاجية.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة