دعني اقل لك مخبراً لا مفتخرا: كنت في مطلع ما رزقني الله من العمر حييّاً محباً لله -تعالى- شديد التّوكل عليه والتفويض اليه.
وقد مالت نفسي كما تميل نفوس امثالي من الشّبان الى فتاة من الاشراف تشتهيها الارواح كمالاً وطهراً حبّبها اليّ انّني رأيتني وايّها فيما يرى النائم في رحاب الحرم النبوي الشريف ندعو الله -تعالى- ان يرفأ بيننا، ويمنّ علينا بما نصبو اليه من راحة البال.
واستيقظت صباحاً وانا ابحث عنها وطيب الحرم المطهّر يملأ جوانحي، وانواره تضيء جوانحي واثقاً بانّ ما رأيته حقيقة لا اضغات احلام.
ولذا عجبت ان اراني في منزلي لا في ذاك المكان الحبيب.
وضممت الرؤيا في اعماق روحي، لئلاّ تتبدّد من خاطري المبتهج ابتهاجاً غاب به عن كلّ ما سواها.
واتّفق ان اطرت امي واختاي تلك البتول واختيها في ذلك الصّباح اطراءً ذهلني عن كتمان رؤياي، فبحت بها او كدت من فرط اعجابي بما سمعت عنهنّ من رائع الثناء.
ولعلّ مارتسم في محيّاي وصوتي من حياء وتهدّج هو ما دعا امّي ان تخطبها عليّ، فقد وجدت فيها ما ارجو وما تودّ الاسرة التي لها القول الفصل في هذا الشأن.
فمضت اليهم صباح يوم عذب النسيم، وعادت الينا عصره والسّرور يرفرف بين يديها ان يا بشراك باحسن ممّا تتمنّى، فقد وجدتها دون اختها الشّمس حسناً وطهرا، وما نرضى لك الاّ افضل الكوكبين قرينا.
وهتف ابي واختاي مؤيدين ما سمعوا ان وحياتك ولا نحن، ما لنا ندع الثريا لغيرنا وهي بين ايدينا؟
واستحييت ان اقصّ عليهم رؤياي التي ملكت عليّ احساسي في غمرة ابتهاجهم بهذا الاقتراح الذي فتنهم ان يرعوا ما عهدوا من خجلي، او يلتفتوا الرأيي فيه، وحداهم ان يزينوه لي بكلّ ما اوتوا من فصيح القول وبديع البيان، فوقعت في اغلالهم باكي القلب باسم الوجه، لكنّني مطمئن انّ الله -تبارك وتعالى- لن يعطيني الاّ ما اريد من الخير.
واستبدّ بي السّهاد، واضناني الاسى منذ ذلك اليوم الذي غلبت فيه على رأيي. وتلمّس اهلي مبعث اضطرابي، فانقطعوا دون معرفته، الاّ اختي الصغيرة الوثيقة الصّلة باولئك الفتيات النّبيلات.
واخذت حالي تسوء يوماً فيوما، ويداي لا تنزلان عن التضرع الى الله -تعالى- الاّ يحرمين ما مازج روحي.
وعاد ابواي يحببّان من رضياها لي زوجا معتزين بكمالها وجمالها وتألّقها في اسرتها السامية ديناً ودنيا، فأردّهما بابتسامة مشفوعة بالتسليم لمن يفعل ما يشاء ولا يفعل ما يشاء غيره، فينقلبان عنّي راضيين، ولي داعيين.
ودعينا الى اعلان الخطبة، وهناك كانت المفاجأة الكبرى التي هزّت الاسرتين هزاً، وتجلّى لي فيها لطف الله سنياّ.
فقد دخلت علينا الخطب بعد انتظار طويل بلباس معتاد جداً مرحبة بنا احسن ترحيب، وجلست جلسة تفيض لطفاً ووداّ شعّا في نظراتها الباسمة وهي توزّع بيننا باحسان حكيم.
ولم تدر علينا بشراب ولا طعام على ما تفعل مثلها في هذه المناسبة.
وراح بعضنا ينظر في وجه بعض لا نتصوّر ما حدث، ولا نفقه تفسيره، الاّ انا فقد برد قلبي وايقنت انّ الله - تعالى - معي، وانّه لم يكلني الى احد غيره.
وتنحنح ابي بعد تمهل، وقال لا مبتسماً: كيف ابنتي العروس؟
فابتسمت قائلة: تدعو لكم بخير.
وما كدنا نفيق من المفاجأة الاولى، حتّى خلبت احساسنا الثانية، اذ دخلت علينا الفتاة التي علّقتها عرضاً بأطيب شراب زكّاه عذب سلامها وزهو لباسها.
واخذت منّا الدهشة مأخذها، وكان ابو الفتاتين اشدّنا حيرة في حين بقيت فيه امّهما مبهوتة شاردة الفكر لا تحير قولاً ولا فعلا منذ دخلت ابنتها الاولى، فهي العروس على اتّفاق الاسرتين، بيد انّ ماجرى كان عجباً عجابا.
وما جلست صاحبتي، حتّى وقفت اختها التي شدهتنا اوّل مرة عن شمالها، واستوقفتها قائلة: يسرّني ان اقدّم جوهر قلبي لتاج رأسي، فاحلى الحسان لاشمى الفتيان، وانّي لاعتزّ بأنّي كنت همزة الوصل بين هذين النورين اللذين سخّرني العزيز الحكيم ان اجمعهما في ساحة قدسه، وها انذي ادعوه ان يهنأهما المودّة والرّحمة في خير منه وعافية.
وقبلت اختها، وصفّقت لها، فزغردت امّي، وتبعتها بقيّة الحواضر يزغردن واقفات ويصفّقن وارتبك المجلس ارتباكاً جعله حلماً غامضاً غريباً لم يكد احد يفقه ما جرى فيه.
وفي لجّة الحيرة الشاملة سأل ابي صديقه ابا الفتاتين عمّا حدّث، فقال: والله لا علم لي به، ولا اعرف شيئاً منه.
وتمالك ابي عجبه، وسأل فتاة الكبرى ما سأل اباها المبهور اكثر من غيره.
فقالت بابتسامة اشرقت لها الوجوه الحائرة كلّها: الامر في غاية اليسر يا عمّاه.
فانا لا ارى في فلان غير اخ حرام عليّ، وعلمت انّه راغب في اختي هذه، لكنّ رغبتكم في غيرها كسرت قلبه صامتاً اكراماً لكم وهو يرجو من الله ما لا ترجون، وشاهدي هو واخته هذه.
وايقنت اذ جئتم انّ ابي -اعزه الله- لن يوافق على زواج اختي قبلي، فاعلنت رضاي لافعل بهما خيرا، فنلطفت لشقيقتي حتى انست بما رأيتم من التّدبير، وكتمناه حتى رأيتموه على ما هو عليه الان، وانتم اهل الحلّ والعقد.
فضحك ابي من الاعماق، وفدّاها بنفسه وبنيه وامه وابيه، وقال لها: نعم الاخت انت، ونعم الحكيمة انت.
وضحك ابوها والحاضرون جميعاً، وانطلقوا يتندّرون بما رزق الله وما قسم شاكرين لهذه الاخت الطيّبة ايثارها الكريم، داعين لمن فازا بالزّواج بالرفاء والبنين. وما كان احد يتوقّع هذا اللطف الالاهيّ الاّ ذلك الحييّ الذي شغلكم هذه الدقائق معتذرا.
شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم