البث المباشر

الـمفجّعـة

الإثنين 2 يناير 2006 - 00:00 بتوقيت طهران

ودّعت ابنيها الحبيبين في صباح واجم ثقيل على ان تلحقه بهما الى العاصمة التي خرجت منها راغمة وطال وقوفها خلفهما يومئذ حتّى اذا تواريا عادت الى غرفتها تعانق خيال البدرين السّابقين الى النّعيم المأمول، وشعرت بكابة تسري في اعماق روحها، فسعت ان تبدّدها بالاستسلام للنّوم الذي ابى ان يمرّ بها مهما توسّلت اليه كأنّه شغل بذاك الصّياح الذي ترامى الى قلبها من بعيد، فتشاغلت عنه بالاخلاد الى فراشها حتّى مسّ بابها، ودخل عليها من فرج النّوافذ الحزينة بحزنها فاعتراها خوف غريب جعلها تنتفض مسرعة مسرعة الى الاصوات التي حدّثتها بالنّبأ الذي عصف بكيانها المرتعش وهي تجيب ذاهلة عماّ تقول: وما شأني بالاشلاء المتناثرة هنا وهناك؟ ثمّ تركت الباب مفتوحاً وانطلقت مذعورة كمن ذأبته الذّئاب وهو نائم، فاستيقظ لا يدري ما يفعل ومرّت اعوام بعد اعوام ولباسها السّواد، وعنوانها الاسى، حتى حملت الينا الصّحيفة الواسعة الانتشار نعيها على هذا النّحو: اتّصل السيّد فلان بمركز الشرطة مخبراً انّ رصاصة اصابت امرأته في داره، وتبيّن انّ الرّجل وضع مسدّسه المجاز له حمله على منضدته غافلاً عن ابن اخيه الذي اخذ يعبث به، فانطلقت منه رصاصة مزّقت قلب امرأته الذي اضناه طول الاسى، ورأى الشّرطة طفلاً مستخفياً في خزانة الملابس يضحك ويبكي، ولا يحسن جوابا. وشهد الجيران جميعاً من قريب وبعيد انّ هذين السّيدين كانا منسجمين غاية الانسجام وانّه ليس بينهما ما يدعو الزّوج الى ارتكاب هذا الجرم، ولا الى الشّكّ فيه اصلا. وفي مستشفى المدينة الكبير تعالى السّؤال: لماذا انتحرت؟ اليس الانتحار اثماً كبيرا؟ ولأوّل مرّة رأي الناظر اليها ظلّ ابتسامة واهنة على جبينها الشاحب وهي مسجّاة وكان زوجها واقفاً قريباً منها ثابت النظرة غير مضطرب ولا خائف، فلماّ عزّيناه عنها نظر اليها نظرة اشفاق ورثاء، وفارقه الثّبات قليلاً، لكنّه سرعان ما ثاب الى تماسكه وقال متحسّراً: رحمها الله وعفا عنها، فقد كانت مثال المودّة والرّحمة. وهناك سألت احداهن: هل …؟ فلم يدعها تكمل سؤالها قائلاً: لا، لا، لا يتوهّمنّ احد هذا، لا والله ما فعلت هذا، ولا خطر لها على بال قط، فهي اسمى من كلّ ظنّ. لقد حسبتني قادراّ على اخراجها من سطوة الاحزان، فبذلت كلّ ما لديها من لطف ووعي لتريني انّها سعيدة الى جانبي وانا احسّ انها تصطنع ذلك عطفاً عليّ واحساناً اليّ حتى نفد صبرها، وامست حياتها عبأً ثقيلاً، فسمعتما تبتهل الى الله _ تعالى _ ان يأخذ بيدها الى الخير كلّه، ويعينها على نفسها بما اعان به الصاّلحين على انفسهم، وعرفت انّ ضعفها انتصر على قوّتي، وانّ يأسها غلب رجائي ان اراها مسرورة حقاً ساعة او بعض ساعة، لكن انّى لقوّة _ مهما عظمت _ ان تصرف قلب امّ حنون عن تذكّر فلذتين منه مضتا تنتظرانه بباب الجنة لدى رب رءوف رحيم؟ وتنفس الرجل نفساً عميقاً شكرنا بعده قائلاً: اسمحوالي ان اقرأ عليكم وصيّتها التي كتبتها بخطّ يدها مذ فجعت بزهرتي حياتها، وبقيت تجدّد النّظر فيها كأنّها على ميعاد مع هذه العاقبة التي ختم الله _ سبحانه _ لها بها، واراحها من عناء الشّكل ولوعته الوارية بين جوامحها التي لم تضمر غير الايمان به _ تبارك وتعالى _ والشّكر له ما عاشت صافياً من كدر الشّكوى او عدم التّسليم لقضائه وقدره الحكيمين في امورها كلّها. ومدّ يده بورقة بيضاء الى كلّ من يعرف خطّها، فلماّ صدقه كلّ من راه ابّ يده الى ازاء وجهه، وقرأ ما فيها، فاذا منه: سبحان ربّ الموت والحياة بديع الكون العجيب وما فيه مماّ يدهش الالباب. ليس عجيباً ان اموت بلا علّة، وانّما الهجب العجاب ان احيا وقد رأيت والديّ نثاراً في زلزال هزّ الدّنيا في طفولتي الضائعة في ظلمات الذّل والحرمان، ثمّ رأيت نثار ولديّ الحبيبين في اوج شبابي في حادثة لم تغب عن بال هذه المدينة الطّيبة. وما كتمت لوعتي الحرّى وغصّتي الكبرى الاّ رحمة بالرجل الذي اكرمني بعفوه عني وعطفه عليّ بنبل واخلاص اسأل الله _ تعالى _ برّهما له كرامة في الدّنيا والسّعادة في الاخرة.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة