عيّنت معلّماً ناحية كانت مضرب الامثال في الفطنة والذكاء وحسن الجواب ومكارم الاخلاق. وامتاز منها رجل حكيم جواد ظريف بحلّ ما شجر بينهم مهما اعتاص على غيره. وما دخل عليه متخاصمان، الاّ خرجا متراضيين.
واتفق ان جاءه رجل مغضب من عشيرته شاكياً اليه جاره اللصيق وهو من عشيرة اخرى، فطمأنّه بما يسرّه من الحلّ. واستدعى الشيخ اعيان عشيرة المدعي والمدعى عليه واعيان عشيرته.
وساد الهدوء المكان سيادته اكثر المحاكم الحديثة ضبطاً وانضباطا، وعرفنا شيئاً من ادب الرّيف المجهول. فبسمل الشيخ سعد، وصلّى على اشرف الانبياء والمرسلين محمد واله الطّاهرين، وصلّينا عليهم معه.
ونظر في وجوه نظر الحازم المحنّك، وقال: نحن بحمد الله مانتداعى، الاّ لخير جعلنا الله من اهله وهذا اخ لكم نزل به ما نكرهه له، وقد استفتاني في امره، فابيت ان انظر فيه دونكم، وها انتم الاء قد حضرتم، فاسمعوا وانصفوا. والتفت الى الرّجل الشّاكي، وقال له: تفضّل يا اخي هات ما عندك علنا.
فتنحنح الرجل، وقال: لو لا ماقضى به العقل من المشاورة، ما حملتكم على هذا الاذى. فقال الشيخ سعد: بل اكرمتنا يا اخي، فنحن بنيان مرصوص يشدّ بعضه بعضا.
فقال الرجل مرتعداً: لقد احرق زرعي اخي حامد الذي طال بيني وبينه الزّاد والملح. وسأله الشيخ عن الدّليل على صحة الدّعوى فأجابه بانه هدّده بالاحراق اذا لم يبعه منه.
وسأله الشيخ عن شهود على دعواه، فتهلّل وجه الرّجل، وذكر له شاهدين. والتفت الى المدّعى عليه وقال: ما تقول يا اخي في دعوى اخيك عليك؟ فابتسم حامد، وقال: زرع عبد الرحيم زرعي، واحراقه فجعني، والعجب كلّ العجب ان يظنّ بي هذا الظنّ الذي اتحدّاه ان يثبته.
واستدعى الشيخ الشاهد الاول، وسأله: الغرب احترق اولاً او الشرق؟ فسكت الرجل.
فقال له الشيخ: فانت لم تشهد الحريق اذن؟
واجاب الرجل مرتبكاً: لا، ما شهدته فقال الشيخ سعد: ولا شهادة لمن لم يشهد ما حدث.
واستحضر الشاهد الثاني، وسأله: بم احرق حامد زرع عبد الرّحيم؟ فاربدّ وجه الرّجل، وقال: لست ادري.
فقال له الشيخ: ألم تكن معه ساعة الاحراق؟
فاضطرب الرجل غاية الاضطراب، واجاب وقد تصبّب عرقه: لا ما كنت معه. فابتسم الشيخ سعد، وقال وهو ينظر في وجوه القوم: ولا شهادة لغائب يا ابن عمّي. والتفت للمدّعى عليه هاشّاً باشّاً، وقال له: ايه ابا ماجد، ها هو ذا الفانوس والزّيت قد اصبح بين يديك، فنوّر.
فقال حامد مبتسماً: انا يا ابا سعيد ادفع نفسي ومالي و ولدي رضاً لاخي عبد الرّحيم، وما اخرج الاّ بهذه الغنيمة.
فالقرية كلّها تعلم انّني ذهبت لزيارة سيد الشّهداء الحسين _ عليه السلام _ مع اخوي عبد الرحيم وابن عمّه، وما افترق احدنا عن الاخر طرفة عين، حتّى اتانا داعيك ولمّا ندخل بيوتنا، وها هم الاء بحضرتك.
وصدّق الرّجال كلام حامد قبل ان يسألوا. ونظر الشيخ سعد الى رجال عشيرته عامّة، والى المدّعي خاصّة، وقال: هل طابت خواطركم الان؟
وتنحنح عبد الرّحيم، وقال لكنّك _ حفظك الله _ لم تسأل الشاهدين عن تهديده ايّاي باحراق زرعي وهدم بيتي.
فابتسم له الشيخ قائلاً: طلبت حقّاً، وها انت ذا بالغ ما تريد يا اخي.
وقال للرّجلين: اتقسمان انّ حامداً كان مجدّاً في تهديده؟
فصاح الرّجلان ان لا وحياتك يا ابا سعيد لا نستطيع، وقد تذكّرنا الان انّ ما يدعي به الاخ عبد الرّحيم كان في ساعة استئناس وملاطفة.
وضحك الشيخ، وقال: واستدامة لانسنا جميعاً ادفع لاخي عبد الرحيم ثمن زرعه. وضحك الحاضرون جميعاً، وقال وجيه عشيرته: بل ندفعه معاً.
وقال رئيس عشيرة والمدعى عليه ضاحكاً: ليس من العدل ولا من الاخوّة الاّ نكون معكم والسرّاء والضّراء لا تفرّقان بيننا.
واكتمل السّرور، وصفا الودّ، ودعي عبد الرحيم لمعانقة حامد، وارتفعت الايدي الطّاهرة بالدّعاء للشّيخ سعد. وعجبنا نحن الذين تعلّمنا القراءة والكتابة، وما تعلّمنا اصول الاجتماع والثقافة من هذا النّظر الحكيم والتّكافل البصير.
وسألنا الشيخ سعداً _ حفظه الله، وزادنا سروراً باحكامه _ اين تعلّمت هذا القضاء السّديد؟
فابتسم قائلاً: هنا على ابي وجدي، اللذين كانا لا يقرأان ولا يكتبان. وعندئذ وعينا معنى قولهم: المجارس مدارس.
شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم