البث المباشر

الاثــم

الإثنين 2 يناير 2006 - 00:00 بتوقيت طهران

قاتل الله الحسد، فهو شرّ داء واعظم بلاء. فقد كان لاحدهم بنيّة هي القمر جمالاً وكمالا ماتت عنها امّها وهي في السادسة من عمرها فاقبل عليها ابوها يضمها الى نفسه، ويفتديها بروحه معلّماً ومزكياً، فنشأت اية من ايات ربك السّاطعة في كلّ خير، واحبّها الناس واكرموها، واثنوا عليها بما هي اهله من الخير. وسارت بهما الايّام طيّبة، وسمعه الزّمان والمكان يكرّر قوله اعتزازاً بها: فقدت امّي فوجدتها في طهرها، وما عرفت السعد فذقته في ظلها. وغبطه الناس على ما اتاه الله من نعمة الانس بها والعيش لها، حتى اذا بلغت مبالغ النّساء، وملأت العين، خطبها اليه خلق كثير ردّهم رداً كريماً ممتثلاً لرغبتها عن الزّواج في ذلك الحين. وبينما هو في عمرة السرور بها وصلته رسالة اغضبته اشدّ الغضب، وملأته عجبا من ابائها الزّواج بخيرة الرّجال وركونها لمثل هذا المنكر البغيض، وتمنّى لو انّ رأسها بين يديه، فيحطّمه تحطيما، لعلّه يطفئ لهيب الغضب المتأجّج في صدره بخيانتها ايّاه ونكرانها طلاقة الدنيا من اجلها، ومضى يضرب اخماساً لاسداس، ثم عاد الى وعيه، فاستعاذ بالله من همزات الشياطين وما توسوس به النفس الاماّرة بالسّوء، واستغفره من التّسرع في الحكم بلا شاهد عدل ولا برهان مبين. وطوى تلك الرسالة المشئومة في اعماق قلبه دون ان يطوي الفكر فيها والبحث عن مرسلها بحثاً متأنياً لا يظلم ولا يعتدي ولا يبعث على النّدامة. وقبل مرور اسبوع على تسلّمه تلك الرسالة الاثمة فجأته اخرى لم يستطع اطفاء ما اجّجته بين جوانحي من شعب جهنّم، ففزع الى ابنته عسى ان يزيح عن صدره هذا الجاثوم المزعج اذ امضّه وارّق ليله. وسألها سؤال الهادئ الواثق بها ابتغاء الوصول الى ما يضع عنه هذا الوزر: أتعرفين معلّماً اسمه فلان؟ فضحكت وقالت: نعم حق المعرفة. متى عرفته هذه المعرفة؟ هذه السّنة. بم عرفته؟ وتحول ابتسامها الى ضحكة اخرى وقالت: بوجوده معي في المدرسة. ماذا تعنين؟ أعني ما سمعته الان يا ابي. كيف هذا بالله عليك؟ الامر يسير جداً يا ابي، فهذا المعلم انثى له كلّ ما للاناث وزيادة عليهنّ انّه يحسن تحرير الرسائل المفتراة اليهنّ كلّما هاجت به الغيرة الكافرة. تعنين انّ هناك فتاة استهعارت هذا العنوان، وراحت تكتب الا من تغار منهنّ ايقاعاً بهنّ وانتقاماً منهنّ؟ اجل يا ابي هذه هي حقيقة ما امضّ كثيراً من الاباء الطّيبين، وارّق ليلهم، وربما حملهم على ما ندموا عليه ندماً لا يجبره الاعتذار منه. وهذه احدى هذه الرسائل التي تهدم البيوت، وتسفك الدماء البريئة. وتناول الرجل الرسالة من ابنته، فوجد فيها كلّ ما وجده في الرسالتين اللتين كدّرتا صفوه، وهاجتا غيظه، فدهداهما الى السّحيق السّحيق من اعماق قلبه، وسأل ابنته مرتاحاً هذه المرّة: متى وصلك هذا الشّرّ؟ قبل زهاء شهر يا ابي. فلم لا تطلعيني عليه ونحن نفس واحدة كما تعلمين علم اليقين؟ لانني لا اريد ان اسوءك بشيء، فانت اغلى من نفسي وما ملكت. فضحكت وقلت: جعلك ايّاي على بينة يسرّني لا يسوؤني يا عزيزتي. الامر في هذه القضية مختلف، فيم اختلافه، واغضت قليلاً، وقالت: في انّ الباعث على الاذى هنا هو ابنة عمّتي، ولو لا انّ امرها قد انكشف، وحذّرت المدرسة اسرتها من مغبّة تماديها في هذا الاثم الاثم لما ذكرتك لك. فطابت نفسي منها كلّ الطّيب، وقلت لها: بارك الله فيك، ورزقك سعادة الدنيا والاخرة. في ظلّك يا ابي. واتّفق ان نسيت الرسالتين اللتين زلزلتاني في جيب قميصي، فصارتا اليها عند غسله، فقالت لي مداعبة: سبحان القائل: " للذّكر مثل حظّ الانثيين ". قلت مبادراً: سبحانه وله الحمد على كلّ حال. واتمّت كلامها قائلة: لقد وجدت نصيبك ضعفا نصيبي من رسائل الشوق، ومع ذلك لم تخبرني عنها. فضحكت وقلت: ما اردت ان اكدّر ثقتك الطّيبة بي. فشكرتني وهوت الي يدي وهويت الى جبينها ضاحكين.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة