ما ان دخل المكتبة العامة ذلك اليوم كمعادته كل يوم، حتى ارتسم له وجه صديقه الحميم السجين في حب الله _ تعالى _ واظهار دينه والدعوة اليه بالحكمة والموعظة الحسنة، فراه كما كان ايام الطفولة والفتوة مشرقاً في المدرسة والمسجد وكل مكان من مدينتهما العائدة الى ربّها تواً.
وتجلّى له اباؤه الفذّ ووعيه الثاقب وصبره المصابر على الفداء في اخراج الناس من الظلمات الى النور، وعلا في قلبه حفيف السياط وهي تنثر الباقي من لحم ذاك الصّديق النّبيل، فهتف من اعماقه ان طوبى لك ايها البطل، طوبى لك وحسن ماب.
ودهش من كانوا في قاعة المطالعة، وهرعوا اليه غير مشئومين بقيا في مكانهما يتهامسان بغيضين.
وقال قائل: ابلغ الحلم غايته؟
فقال له واحد ممّن عرفوا براعته في الابداع: بل قل اهذه ذروة الرّائعة الجديدة؟
واجاب ثالث: لا، لا، فانّ روائعه تكتب بالافعال.
وقال اخر: حقاً، فمن ذا الذي ينسى له الباقيات الصالحات من تزويجه فلاناً بنفقة زواجه هو، وبنائه حجرة فلان بنفقة حجه، وسعيه الدائم في قضاء الحوائج، وانجازه المصالح العامّة دون منّ ولا اذى.
واقسم غيره ان اجل والله فعل هذا وفوقه من غير ذكر له ولا منّ به.
وقال احد من قبّلوه وهو يرفع يده في الحاضرين مفتخراً به: والقادم اعظم وابقى ان شاء الله.
ورفع رأسه بأدب جمّ، ونظر في وجوههم مبتسماً، وشكر لهم حسن ظنّهم به، وثناءهم عليه، وسألهم الدعاء له بحسن العاقبة، واستماحهم عذراً من انصرافه عنهم.
وانسلّ منهم مشيّعاً بالودّ والاشفاق.
واستمهله احدهم بعد خطوات افترقا بها من الجمع، وناوله مبلغاً ان اعطه بالله عليك فلاناً الذي هتفت له، فانّي مدين له به.
ونظر اليه طويلاً وقال: يعزّ عليّ ان اردّ لك امرا، فربّما لا ارى الرّجل، وربّما اعجز عن اعطائه ايّاه.
فابتسم هذا له وقال: لا بأس ان يكون لك بحياتي عليك، فهذه نيّتي اصلا. واصرّ عليه ان يقبله منه، فامتثل له، وتعانقا حزينين، ثم نظر احدهما في وجه الاخر، ومدّ كلّ منهما يده الى طرفه ليطرف عنه ما تلألأ فيه من الكبر.
ومضى الى منزله يستحثّه شوق عظيم الى امّه التي خطر له انّه مضارقها السّاعة، فراها تتقلب على اجحر الغضا في انتظاره، فضمّها الى صدره وضمّته ايضاً وصوتها يتهدّج: حسبتم أخذوك يا قرّة العين.
وما حسبتني اراك، وليس ما نحن فيه عندي سوى قبسة من حلم متبدّد.
في عين الله ما نلقى يا ولدي. ما خبر اخيك فلان؟
ماذا غير العذاب؟
له الله _عزوجلّ _ وماذا بعد الله من شئ؟
واستلقى على ظهره قليلاً، وغرق في تأمّل حياته، ولاح له فيه تمثّل صديقه بقول المسلم الاوّل:
ولست ابالي ما اذا متّ مسلماً على ايّ جنب كان في الله مصرعي قرع الباب، فهبّ اليه، فاذا الزبانية يقولون له: تعال معنا خمس دقائق فقط. ولم يدعوه يبدل ملابسه، فودّع امّه ايماءً، ومضى يشيعه دعاؤها عليهم مستنهضاً همم الخاملين، وفطن الغافلين.
وانقضى شهر وشهران وهو في غيابة السّجن اطظلم الرطب، واسرته لا تدري اين هو، وكيف تهرّأت قدماه من العذاب، وبم باد جلده وتجدّد وماخار عزمه؟
ولمّا يئسوا منه هدّدوه بمن يعترف عليه وجاها، فما تزحزح عن موقفه. وفجئ ذا صباح وهو في أسوأ حال من العذاب الشديد وبصديقه يقف بازائه لا حيّاً ولا ميتاً، وهم يقولون للمفاجأ: أتعرفه؟
خير من أعرف. أتثق به؟
فوق ثقتي بنفسي.
وبحشرجة الموت وابتسام الحياة قال له صديقه الواقف على رأسه وهما بين الدنيا والاخرة: اسمع يا اخي جيداً، فانّي انصح لك ان تعترف بما اعترفت به أنا. وهو انّ خير الزاد التقوى، وانّ الظلم مرتعه وخيم.
هذا ما عندي هداك الله لكلّ خير.
وضرب الجلاوزة ذلك البطل ضرباً مبرحاً كاد يقضي عليه، وقالوا لصديقه: يبدو ان عقله اختلّ برؤيتك بعد غيبة طويلة، ولا بدّ من علاجه، وسنعيده عندما يصحو.
وادرك هو مراد اخيه، وابتسم كلّ منها للاخر، واستعدّا لجولات اخر.
شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم