كان الرئيس في تلك الناحية فظاً غليظاً مجرماً شريراً فاسداً مفسداً لا يزعه حياء ولا رحمة، ولا يعبأ بقانون ولا عرف، حتى ضجّ الناس من جوره وفجوره، وطال دعاؤهم عليه ليل نهار.
وقد امتدّت عيناه الى امرأة بستانيّ فائقة الحسن والطّهر، فادناه اليه، وزاد عطاءه، واظهره على كثير ممّن معه، واكثر هداياه اليه، وتمنّى الغافلون مكانته لديه، حتى اذا اطمأنّ انّه وقع في اسره، وانقاد لاغرائه بعثه على رأس جماعة من الفلاّحين للعمل في حقله الخاصّ به خارج المدينة.
وعند ارتفاع الضحى هتق ذلك الجائر المستبد الى القائم عللى شئون حقله يسأله عمّن بعثهم للعمل فيه، فاخبره بانّهم مقبلون على العمل فيه اقبالاً تبتهج به النّفس، وانّ عليهم شابّاً حكيماً في حملهم على الجدّ وترغيبهم فيه، وانّذهم اذا استمرّوا على هذه الشاكلة، فلن يطول العمل بايديهم اياماً.
وانتشى ذلك الاشر البطر بما سمع، وتاه لا يدري ما يفعل لاستعجال المساء الذي رأى امانيّه في طيّات وشاحه السّاتر فتارة يمكو ويصدو، وتارة ويتراءى في المراة مفتوناً بما اتاه الله من النّعمة والعافية غير شاكر له، ولا واع فضله تقدّس حلمه.
لماّ سجا الليل هتف اليه القائم على قصره وحقله في الرّيف الحالم بين الزّهر والنّجم والمتنادمين على خرير السّواقي وسجع البلابل مثنياً على اخلاص الشابّ المكلّف بادارة العمل، فازداد طيشاً ونكران جميل، وراح يفتل شاربه، ويتلمّس مواضع من جسمه، ويقول: الليلة اذن اكافئه مكافأةً حسنة.
وارتدى افخر لباسه متعطّراً باطيب عطره، وخرج مختالاً يسوق سيّارته بين السّماء الغاضبة عليه والارض المتبرمة به، فوقفها بازاء المنزل الذي طالما تربّص به سوءاً، لكنّه لم يجرؤ عليه الاّ هذه المرّة، اذ تصوّر انّ كلّ شيء امسى على ما يرومه، فصاحبة الدّار وحدها، وهو المتفضّل على الاسرة كلّها بشهادة حسن حالها.
وطرق الباب واثقاً بالفوز العظيم في نظره، فجاءه صوت العفيفة الحسناء من بعيد ان: من بالباب؟ اجابها مأخوذاً بما ترمى اليه من الصّوت الرّخيم قائلاً بانبهار: قريب يا سيدّتي الجليلة.
فقالت له: لا قريب لنا هنا يا هذا.
فتنحنح وقال: انا يا سيدتي اعزّ اصدقائكم، ولي حاجة في غاية الاهميّة اريد ان اكلّمكم فيها. قالت له قولاً حازماً: قلت لك لا صديق ولا قريب لنا، وما نحن بمقضى الحاجات، فتكلّمنا فيها. فصاح متوسّلاً ان ارجوك يا سيدتي لا تخيبي ظنّي، فقد حسبتك تقدّرين المعروف وترحبّين بي. فصرخت في وجهه ان: لا اهلاً ولا سهلاً بك، انقلب مذموماً، والاّ جعلتك عبرة لمن يعتبر. فاجابها جواب المخادع: اخفضي صوتك _ لا ربحت _ قلت لك اخ زارك في خير لك ولاسرتك.
قالت: وايّ خير في هذا الليل وزوجي غائب؟
وقال مخاتلاً: هو هذا يا مسكينة قد جئتك في شأن زوجك الطّيّب وما جرى له اليوم. فقالت له: وما جرى له؟
فاجابها بانّه لا يمكن ان يقصّ عليها ذلك من وراء حجاب.
ففرجت الباب قليلاً، وما كاد ينفرج حتّى نفذ منه ذلك الجائر الفاجر، واغلقه خلفه مبتسماً. فادركت ما نزل بها من شرّ، واشارت الى غرفة الاستقبال، فلمّا ادبر قنّعته بعصاً غليظة ثلاثاً لم يخطرن له على بال، فما كان منه الاّ ان افرغ رصاصه في انحاء من جسمها، وامتزج صوتها بصوت الرّصاص الذي قتل العفاف والطّهر، وفرّ المعتدي مخضّباً بدماء عاره وشناره، وهرع النّاس، ليحملوا الشّهيدة الى المستشفى قبل ان تفارق عالم الفناء تشيّعها دموع المغلوبين في الارض.
وسجّلت الدّعوى على لصّ اثيم لم يبلغ غايته من ذلك البيت الطّهور. واندفع المجرم الموتور الى حقله فور مغادرته المستشفى في اليوم الثّالث، ليقتل الجدّ والاخلاص مثلما قتل العفاف والطّهر، فاخبر البستانيّ الشابّ باحتياج امرأته الطارئ اليه.
وبعد مسافة ادّعى بوجود خلل في سيّارته، ودعا البستانيّ ان ينزل معه لاصلاحه، وكلّفه ان يأتيه بحجارة بحبس بها السيّارة، فلما استدار في طلب الحجارة تقفّاه بالرّصاص، وتركه يتخبّط بطهره على قارعة الطّريق، وانقلب الى اهله مسرورا كأن لم يفعل شيئا.
وكان لهذين المظلومين طفل في الثالثة من عمره قد نقل الى دار رعاية الطّفولة، وبقيت احدى الجارات تزوره دائماً، وتقدّم له الهدايا التي يحبّها ويأنس بها، ولقّنته الدّار بانّ هذه المرأة جارة ابويه اللذين قتلا في حادث غامض، وانّها تعهّدته منذ فارقه ابواه، واسبغت عليه ودّها وحنانها اسباغاً منقطع النّظير، فتعلّقها تعلّقه امّه، واقبل عليها يصغي لها، ويتمسّك بها، ويتلهّف اليها.
وكلّما كبر الحّ عليها ان تحدّثه بوالديه ومماتها وصلتها بهما وعطفها عليه، وما حدّثته بذلك، الاّ استعادها الحديث مرارا كأنّه يجد فيه ريح ابويه وسرّ مماتهما العجيب.
مأنهى الدّراسة الثانوية، وخرج من رعاية الطّفولة بعد ما نما فيها، وتعلّم الوان الحرف بين اروقتها وظلال اشجارها، وبقي وثيق الصّلة بمن كان يلذّ حديثها، ويحبّ ريحها، فعرضت عليه ان تزوّجه ابنتها، ويعيش معها، فسرّ سروراً بالغاً، وشكر لها عطفها عليه، ولطفها به، ورجا ان يكون بناؤه على اهله في مقتل امّه.
ورضيت بشرطه اذ لم تستطع ان تثنيه عنه.
وبعد العشاء ليلة عرسه خرج يودّع عدّةً من اصدقائه الحميمين، لكنّه تأخّر في العودة تأخّر اقلق اقرب الناس اليه، ثمّ عاد معتذراً بانّه باء بما عاقه عن محبّيه في وقت غير مناسب.وحدست حماته امراً، لكنّها لم تشأ أن تبغته به.
وعند الصباح علم الناس بمصرع ذلك الشّرير على طريق الفجر ذاهباً اليهم، فاسرعت اليه حماته تقبّل جبينه، وتثني عليه مهنّئة ايّاه باطفاء هذا الشّرّ المستطير.
شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم