البث المباشر

الحـليم

الإثنين 2 يناير 2006 - 00:00 بتوقيت طهران

كان المرحوم جدّي لأبي لطيفاً ظريفاً حلو الطبع، عذب الذّوق، يؤنسك حديثه وتمتعك حكايته، يقود الى عبرة، ويسوق الى حكمة. ولذا كان مجلسه مهوى القلوب، وملتقى الارواح، وقصّ علينا يوماً قصّة جارين عجيبين غنيّ لئيم، وفقير كريم، فقال: جاور الاوّل الثاني فاستقبله خير استقبال، واستضافه ثلاثة ايّام مبتهجاً بجواره مكرماً ايّاه على ما ورث من مكارم ابائه في رعاية الجار ومؤاخاته، حتى عرفه الناس في ظلال مروءته وأنوار مودّته، بيد انّ الجار الجديد كان مستحدث النّعمة غرّه الشيطان بما اتاه الله، وأغراه بالباطل فأنكر لطف صاحبه، وارتاب في ودّه، وتجهّم له جهلاً باكرامه ايّاه واحسانه اليه. وسكت جدّي مطرقاً اطراق الحزين، فقال له قائل من محبيه: وماذا بعد يا شيخ؟ فرفع رأسه الكريم،، وتأمّل وجوهنا، ثم قال: أجل يا بنيّ، وبقي الماء أقوى من النّار، فما تداعى الصّبر الجميل، ولا العطف النّبيل في جوانح هذا الحليم، فقد راه الناس يردّ اساءة جاره الفظّ الغليظ بالاقبال عليه والصّفح عنه. وعجب الناس من سوء الغنيّ وحسن الفقير الذي كلّما خوطب في شأن جاره المسيء قال: جاري اخي غلبه الليل فنام، ولابدّ ان يستيقظ في الصّباح. ومضى ركب الزمان بالرجلين على هذه الحال، حتّى اصيب الغنيّ بالقلاب، فحمله الفقير مخلصاً له، ودار به من مستوصف الى مستشفى، ومن طبيب لطبيب، ومن مدينة لاخرى غير متبرّم به، ولا متباطئ عنه. وعني بتجارته خير عناية، فأصدرها واوردها في كتاب احاط منها بما قبل المرض وما بعده. وازداد من رأوا ذلك عجبا، وذهبوا فيه مذاهب قلّ فيها الحقّ. وطاّ برئ الرجل من مرضه بعد اشهر، واستعاد نشاطه قدّم له جاره المعتني به حسابا دقيقا لتجارته التي نمت بيده نماء عظيما، فشكره شكراً جزيلاً، واعتذر اليه مماّ فرّط عليه، وتوسّل اليه ان يستديم العمل معه متضضّلاً عليه. فشكر له ثقته به معتذراً اليه بما يشغله عن الاستجابة له. وقيل لهذا الفقير الابيّ: لم ابيت العمل مع جارك الغنيّ وانت اسير البأساء والضّراء فضحك وقال: ستعلمنّ نبأه بعد حين. واصبحت المدينة وذاك النبيل غائب عنها دون ان يعرف احد عنه شيئا، وانقطعت صلته بها، ولم يبق منه غير ذكراه الطّيبة تسري في نفوس فاقديه سريان النّسيم في رئة الصّباح. وفي صباح سعيد من ايّام الرّبيع الهانئة قرع باب ذاك الفقير في قرية نائية فاسرع اليه، فاذا هو بامرأة جاره القديم في المدينة وابيها الوقور مبتسمين كتمثالين من النور، ففتح لهما ابواب قلبه مرحّباً بهما احسن ترحيب. وسألها عن زوجها، فارسلت دمعة على خدّها، وقالت وهي ترخى عينيها الى الارض: رحمه الله، لقد اراح واستراح. وقال والدها: اجل، فقد اعتلّ بعدك ومات سريعاً، وندم ندماً شديداً على غيرته منك، وبقي ما عاش يذكر ما غمرته به من مودّة ورحمة موصياً بك خيراً،، راجياً ان تعفو عنه، وتبرئ ذمّته ممّا ساءك به، والاّ تنساه من الدّعاء له باطغفرة. فألم له، وترحّم عليه كثيراً. وقالت المرأة: مذ توفّي المرحوم وابي في طلبك، حتّى هدانا الله اليك فابتسم لهما قائلاً: على الرّحب والسّعة، انجز الله ما تريدان. فرفعت المرأة رأسها وقالت: رأيت كلّ خير، قد جئتك في بيتك المجاور لنا. فاجابها منكسراً: يعزّ عليّ الاّ يكون لك. قالت: ولم ذاك وجودك لا يضيق به؟ قال: لانّه ليس لي، فقد بعته في مرض المرحوم، لاصون به وجهي واحفظ جواري. قالت: لقد صدق حسن الظّنّ بك، بارك الله لك. وسأله ابوها: ولم ابيت ان تأخذ اجر ما عملته لفلان _ رحمه الله _ واستخفيت عن محبّيك؟ فأجاب مستحيياً: لئلاّ يظنّ الرجل _ رحمه الله _ انّي احسنت اليه، واشفقت عليه طمعاً في دنياه. وتكلّم ابوها كلاماً طيّباً تناول حياتها الصابرة المصابرة في كنف ذلك الرّجل الذي انتدبه الله اليه، حتّى قال: وها هي ذي كما ولدتها امّها، وهذا هو مبعث غلظته _ رحمه الله _ ومرضه الذي مات به مهموماً تقطّع قلبه الحسرات. ولولا ذلك ما غلبته الغيرة حتّى ممّن اكرمه وحنا عليه بلا منّ ولا اذى. وها نحن ألاء قد نزلنا بساحتك وأملنا الاّ نرجع الاّ وانت معنا، فقد رزقك الله كلّ ما ترجو من دواعي السّرور. فشكر الرجل هذه الكرامة، وعاشا سعيدين مسرورين الى اليوم. فضحكت وقلت لجدّي الحبيب: هنيئاً لك المال والجمال يا ابت. فضحك وهو يضمّني اليه مقبّلاً جبيني قائلاً: بوركت ايّها الواعي، بوركت يا حافظ الاسرار.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة