مذ وعيت امنت انّ الجرم وليد الظّلم، فلو انصف الانسان اخاه لما بسط يده اليه بسوء، ولا شكا احدهما الاخر، بيد انّ التّربية السّيئة تفعل فعلها فب النّفوس، فيظهر الفساد في البرّ والبحر بما كسبت ايدينا سرّاً وجهرا.
وبقيت مؤمناً انّ المدّعي غير بريء حتّى ينطق الدّليل الواضح ببراءته، وسرت على هذا النّهج مذ مارست المحاماة في شئون الفلاّحين وسكّان الرّيف المختلفي الطّباع والاحوال.
واذكر انّي نهضت بالدّفاع عن رجل استغاث منه السّهل والجبل، وارتجف منه الليل والنّهار، فقد كان لصّاً ماهراً وسفاّكاً متهوّراً على ما يدّعى عليه، وقد سقط على شيخ حائك بقاّل عرف بطول الباع في الرّبا والتّضييق على المدين سقوط سرحان على ضأن في ليلة ذات عصف ورعد وبرق وينخلع لها قلب الجماد، وبات يجرّعه كئوس العذاب حمراً وزرقاً ليدله على ما لديه من نقود وجواهر، وخرس الشيخ من الرعب لكنه لم يدلّ على ما يخفي من مال تعيش به الدنيا لو تداولته الايدي،فقد كان ضنيناً قعدداّ يؤثر الموت مراراً على ان يعلم احد ما عنده، ولذا خرج منه ذلك الذئب خائبا حين تراقى اليه وقع اقدام المؤذن فجراً، فقفز من النافذة، وتركه موثقاً بحبل ليف غليظ لو شدّ به الحديد لأدماه.
وثبت للشّرطة ثبوتاً قاطعاً انّ موكّلي قد اعتدى على المرابي اعتداءً يشهد به نتفه لحيته والكدمات والخدوش الظاهرة في جلده، وايقنت انّي بازاء قضية عسيرة الحلّ جدّا واذ كلذمت موكلي فيما ثبت للشّرطة انكره قائلاً: ما اردت سرقته ولا ايذاءه، وكلّ ما جرى بيننا هو انّي انجزت له عملاً، ولم ينقدني اجري، فذهبت لاقتضيه عرق جبيني، فعلت اصواتنا في الاخذ والردّ لا اكثر ولا اقلّ.
وحانت محاكمته، وحدث ما لم يكن في خاطري ولا خاطره، فقد رجع المرابي الجشع عن شكواه ورجا المحكمة ان تعفو عنه، فانماثت القضية بهذا الرّجاء، ووبّخ صاحبي توبيخاً دافئاً واطلق سراحه، فشكرني ومضى لامره، وبقيت اسأل نفسي: لم رجع الشّاكي في دعواه والادلّة صريحة في بيان ظلامته؟
اخشي ان ينتقم المعتدي عليه بعد خروجه من السّجن، ام انّه كره ان يسجن رجل فقير بسببه؟
ما عرفت ولا استطعت ان اعرف لم تحوّل ذلك الشّحيح القاسي ذلك التّحول الانسانيّ العجيب.
وبعد زمان غاب فيه موكّلي غيبة طويلة، ونسيت الموضوع، حتى دخل عليّ المكتب رجل لطيف ظريف ومعه ذبح سمين يمسح على رقبته، وسلّم عليّ معترفاً بالجميل، فاظهرت له انّه جدير بكلّ محبّة واحترام، فانبسط واقبل عليّ يحدثني بلا كلفة الى ان قال لي: لقد كنت في امس الحاجة لكلّ شيء يوم وقفت معي تلك الوقفة التي لا انساها لك ما حييت.
فقلت له ضاحكاً: لي الفخر انّك لم تنسني ايها العزيز.
فضحك وقال: انا اسير احسانك الذي اسأل الله الاّ يفكّني منه.
وتناولنا قضايا شتى، حتى قلت له: لقد اغلقت تلك الدّعوى، فاخبرني بحياتي عليك بحقيقة ما جرى.
فضحك وقال: دع الحقيقة في مكانها يا استاذ، فما لها من سوق هذه الايام.
فقلت له مبتسماً: لو لم يكن لها سوق لما كانت بيننا هذه المودّة.
فأدرك مرادي كاملاً، ونظر اليّ نظرةً علّمتني معنى الشكر الجزيل بغير لفظ بارد او حار، ثمّ ابتسم قائماً، وتقدّم نحوي بادب جمّ، وانحنى عليّ هامساً في اذني: ورأسك الذي افتديه بنفسي وما ملكت لو كان لي رغيف واحد تلك الليلة، لما اصطكّت اسنان ذاك الحريص بقبضة اخيك اصطكاكاً كأني اسمعه الان واراه وانا امسح ما علق بكفي من شعر لحيته التي نتفتها _ وشرفك _ انتقاماً للبائسين الذين عاش بهم واضطهدهم بشحّه الفضيع وظلمه الشنيع.
فهل تراني بعد هذا مسيئاً اليه بالله عليك؟
فضحك من الاعماق، وقلت له: انا وانت لا نختلف الاّ في نوع الامانة التي نؤديها للجماعة التي نتفيّئ ظلّها فقط.
فصافحني بتلك اليد الشّثنة التي انتصرت لمن لا عون لهم في هذه الكوكب الفارق في الضّحكات والدموع، واشار الى الكبش الذي جاء به ان اذبحه فداء لي ولك، ولا تنسني من الدّعاء اذا غسلت كفّيك سالماً معافى.
فقلت له: بالله عليك خذه انت وافعل به ما تفضّلت مشكورا.
فتغيّرت ملامح الرّجل، وبان عليه الانكسار وهو يبلع ريقه ناظراً الى ذلك الحيوان الذي اسرع اليه يتشمّمه ويحكّ خدّه بملابسه، ثم رفع عينه منكسراً، وقال: لا يا اخي لا، انا لا استطيع فقلبي لا يجيز لي ان اذبح ما ربّيت، واطرق قليلاً ثم رفع عينيه اليّ مودّعاً، وخرّج يتعثّر بالباب.
شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم