البث المباشر

العائــد

الإثنين 2 يناير 2006 - 00:00 بتوقيت طهران

وجدتني صبياً ذليلاً في بيت عمّي ابيت انا والخادم الشيخ في غرفة لا تليق الاّ بمهان مثلنا. والفت ذلك البؤس معتقداً ان لا حقّ على عمّي سوى المأوى والمطعم احساناً ومنّاً منه. ولم يسمح لي بمؤانسة اهل الدّار الاّ فريضات استرقها من كفّ الاذى والحرمان اللذين لم يلطّفهما غير رحمة البسنيها ابن عمّي الاوسط، فطالما زارني مهوّناً عليّ ما القى من سوء المعاملة في دارهم . واذ يفارقنيالى دراسته الثانوية في المدينة يؤنسني الخادم الطّيّب بما ينسيني شيئاً من مرارة الكبت الذي بقيت اجهل سرّه حتى عصر يوم صائف خرج فيه ابناء عمي احسّت بانسلالي، فبعثت اليّ من ردّني الى معزلي المشئوم حيث ارتميت على ما يسمى فراشي _ اعزّك الله _ باكياً ذليلا. ودخل عليّ الشيخ المسكين، فتعلّقت برقبته متوسّلاً اليه ان ينقذني من هذا العناء المرير، فراعني قوله الضعيف: صبراً يا بنيّ، فعسى الايام ان تنسيهم ما فعل ابوك _ رحمه الله _ فيعودوا عليك بالبرّ والاحسان. فهتفت به حزيناً ان: وما فعل ابي فاستحققت هذا العقاب؟ فاشاح بوجهه عنّي منكسراً، لكنّني الححت عليه حتى انبأني بأنّ والديّ تزوّجا دون رضا اسرتهمااللتين تأبيان تزويج الغريب وتزوج الغريبة، فبقي اعمام امّي يهدّدون ابي واعمامي ويتوعّد ونهم، حتّى قتلت امّي برصاصات دلّ التحقيق انها من مسدس عمي الاكبر، فاقتيد للحبس مريضاً مقسماً انّه برئ مما حبس به، وانّ القاتل هو ابن عمّها الملقّب بالذّئب، فما سمع له احد، لانّ الاموال تفعل بقضاء الارض ما تشاء. وثأرت اسرة امّي بها غير مقتنعة بحبس عمّي الذي لم يلبث ان مات بدائه في السّجن، فأجّج موته الغضب في جوانح ابي واعمامي، فحملوا على اخوالي، فقتل ابي في تلك المعركة، وسجّل قتله دفاعاً عن النّفس، وذهب دمه هدراً. وهكذا ال امري الى عمي الاوسط مؤاخذاً بذنب ابي الذي لم يكن الاّ خروجاً عن بدعة ظالمة. وحين انكشف لي السّرّ عذرت عمّي واسرته من التشاؤم بي والقسوة عليّ، وانا في نظرهم عنوان النّحس وذكرى البلاء الذي خربه السّقف على رؤسهم الامنة، فحطم العزيز العزيز منها، وجعل الباقي اشراراً عند الناس بعد طول كرامة. فبكيت والديّ، ورثيت لاسرتي كثيراً، وتمنّيت ان يكون لي سبيل الى النّزوح عن صدورهم المثقلة بي، لكن دون جدوى. وقرأ الشيخ الرّحيم اشتداد حاجتي للخروج من هذا الحصار الذي اضناني روحاً وجسماً، فأكبّ عليّ يعلّمني القراءة والكتابة بفطنة معلم حاذق في معاملة القلوب الظّمأى للمعرفة، وزاده اقبالاً عليّ واعتناءً بي سرعة فهمي لما يلقى اليّ وبراعة خطّي الذي كان غاية في الاتقان البديع، وصار ينفق ما يتيسّر له من اجر على شراء الكتب والدّفاتر التي اخذت اطويها بفضل الله كومض البرق، والشّيخ ماخوذ بي لا يكتم سروره بحدّة ذكائي وشدّة رغبتي في نهل العلوم التي رأيتها عزائي الوحيد في هذا السّجن الخفيّ من العالم. وبدأ الشّيخ يتلطف الى الاسرة المستكبرة عليّ ان تسمح لي بالخروج معه الى اطراف القرية قليلاً ولم تجد بدّاً من ذلك، فخرجت وعرفني النّاس، واطوا لي، ورثوا ابوي، واسفوا على ما نزل بنا من الحدثان، وعجب منّي مدير المدرسة الابتدائية عجباً ازداد بمعرفته ما ذقت من سوء العذاب، وتوطدت المودّة بيني وبينه توطّداً اجرّعه مرارة اقناعه عمّي بالتّخلي له عنّي حتى باء بما اراد، وانحدر بي الى المدينة، فاجري لي امتحان في ادارة التربية والتعليم قبلت به في اخر الدراسة المتوسطة والقسم الدّاخلي، وانقطعت صلتي باسرتي وقريتي الاّ بذاك المدير الممتاز وابن عمّي الاوسط، فقد استداما زيارتهما لي واعتناءهما بي، حتّى تخرّجت في كلية الحقوق، وامتهنت المحاماة التي سطع فيها وامتدّ في الافاق عزيزاً على كلّ نفس. واتّفق ان اصبحت قريتي ناحيةً، واصبحت اول مدير لها، وعدت اليها بعد عقدين من الزّمان، وذكّرتني عودتي اليها بعزّة خروجي منها بذلّة، فشكرت لله _ تعالى _ في اعماق قلبي المفجوع بالذكرى، وانتحبت على الابوين اللذين لم يبق لي منهما سوى صدى قصة لا تنطفئ لوعتها بين جوانحي المسحوقة بسنابك الذّل والحرمان اللذين اليت الاّ ارى سيما هما في وجه احد ممّن اتاني الله النّظر في امرهم. وصحوت من حلمي على مشارف الناحية الجديدة، واول عمل نهضت به بعد مراسم التّنصيب ذاك اليوم هو انّني دعوت القرية كلّها الى عشاء سخيّ خطبتهم بعده داعياً الى التالف والتاخي والتّوادد والتّراحم، ونبذ الثأر واطفاء الفتنة، فانّهما من خيل ابليس الضاربة في صميم الصالحين الذين وعدهم ربّهم خير الدنيا والاخرة واستمرأ الحاضرون الخطاب، وهشّوا اليّ وبشّوا. وفي ضحى الغد مضيت الى دار عمّي بموكبي الرسميّ، فلم يكن فيها الاّ هو وامرأته، والمني رؤيته ضعيفاً كليل البصر قد نزح ابناؤه جميعاً الى المدينة، فاعلنت انّني زرته اوّلاً، لانّه سيّد القوم ورشيدهم، فتجلّى السّرور والعزّ في كلّ جارحة، فرحّب واثنى وقال: عشاء الجميع الليلة هنا، فشكرت له، وقلت: ارجو ان ارى الشيخ فلاناً، فاجاب منكسراً: او تعرفه يا بني؟ فقلت: كلّ المعرفة ايّها الحاجّ، فهو ابي وعمّي وخالي ووجودي كلّه. فقال متحسّراً: اذن عظم الله لك الاجر بمصابك به. فكفكفت دمعي بيدي، وقلت: لا رأيتم مكروها، وهل لي ان ارى غرفته؟ فاخرج الرجل وقال مرتبكاً: نعم نعم يا بني هي مقفلة على حالها منذ فارقنا الى رحمة الله وغفرانه. ودخلت الغرفة معتبراً، ورأيتها على ما خرجت منها باثاثها البالي ورطوبتها البائسة وران الحزن على وجوه من معي، ولا سيّما عارفو فضل ذلك الشيخ المتواضع الودود. ولمّ خرجت من الدّار نادتني امرأة عمّي ان يا ايها المدير الكريم لقد استودعني هذا المغفور له امانة ليتيم كان هنا معه في هذه الغرفة الباردة، وهي ثمرة جهده الطّويل في هذه الدار المنكوبة الذي الم هذه القرية كلّها، فقد كان حبيبها وضياءها الى كلّ خير، فما افعل بها؟ فانفجرت باكياً بصوت عال، ومددت يديّ اليها ان هاتي. وقرئت الفاتحة على روحه، وعزّني الجميع عنه، ومضينا الى غايتنا.ولماّ توطّدت الثقة بيننا، واحسّ الناس انّي منهم ولهم، ورأوا المدرسة والمستوصف والحمام والصّيدلية والحياة الجديدة تسري في ذاك الرّيف المنسّ فزعوا اليّ فيما بطن وما ظهر من شئونهم، واهتبلت هذا الاقبال عليّ، فاستدعيت عمّي، وقلت له: انّما دعوتك لامر عظيم راجياً الاّ تردّني خائباً. فتهلل وجهه وقال: لك ما تريد، لك نفسي ومالي وولدي ايها العزيز. فقلت له: انا اعلم ما بينكم وبين ال فلان من السّوء، واريد ان تجرّ ردائك عليه كما جرّ الزّمان عليه رداءه. فتنهّد وقال _ ولا اضمن انّه كان يراني جيّداً _: أتعلم يا بني ما فعلوا بنا؟ قلت: نعم ايّها الحاجّ. قال: لقد قتلوا امرأة اخي في منزلي، ثمّ قتلوا اخويّ واحداً بعد واحد، واظهرونا للناس اشراراً معتدين، فقد اشتروا ذمّة من لا دين له، وعدّوا قاتل امرأة اخي اخي الاكبر الذي قتلوه في السّجن عليلا. فاقسمت له انّ هؤلاء ما قتلوا منكم احداً، وهم الان وامس في اسف مقيم على ما جرى لكم. فقال: امنت بالله وصدّقتك، لكن قل لي: من فعل هذا؟ قلت: اماّ امي وابي، فقد قتلها الذّئب الذي قتله الله بالدّاء العضال كما تعلم، واماّ عمّي الاكبر، فقد مات في السّجن حتف انفه لا كما اشاع الذئب حينذاك تاجيجاً للفتنة. ونهض عمي وضمّني الى صدره خجلاً نادماً قائلاً وهو يبكي: فانت مالك اذن، من ايّ سوء اعتذر اليك بالله عليك؟ طالما اذقتك ما اكره بغير حق. فقبّلت جبينه، وقلت له: لا بأس عليك يا ابي ذاك شيء طواه الزّّمان، وانا قد جعلت نسيانه سبباً الى المصالحة وتطهير القلوب لحياة يحلمها العدل والاحسان لا الاثم والعدوان. ومنذ ذلك الحين اخذ الناس يسمعون ضحك اخوالي في بيوت اعمامي امنين.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة