خطر له وهو يتسوّق المرّة الاخيرة من ذاك السوق صورة المرأة التي مازال يحلم باختيارها منذ قرّر أن يعود الى الوطن، فقد ان لمثله ان يكون له انيس يسكن اليه.
وفي الصباح اليوم الذي عزم فيه على السّفر الى بلاده نهض مبكراً، فصلى الفجر، وسأل الله الغنيمة من كلّ برّ والنّجاة من كلّ اثم.
ونهض الى عدّة سفره يرتبها وقد استبدّ به لون من الحزن على فراق البلد الذي عاش فيه زهاء عقد من الزمان اثيراً عزيزاً مكملاً دراسته الجامعية والعليا في رحابه مقدّماً على ابنائه بما اتاه الله من الجدّ والفطنة والاستقامة على الهدى.
وترقرقت الدموع في عينيه عندما امتدّ به جناح الذكريات الى ايام الطفولة والصّبا في ظلّ والدين الكريمين ربّياه بغامر اللطف، وعامر الحبّ، ليكون مثال الكمال.
وسمع طرقاً على الباب ظنّه جاره الطّيب الذي اعتاد زيارته كلّ صباح، لينطرا معا، لكنّه رأى زائراً ما كان ينطره هو استاذ الكيمياء المعروف بتقواه وحسن تفكّره في الامور.
وعجب عبدالرحيم لهذه الزّيارة غير المنتظرة، واغتبط بها غاية الاغتباط.
واعتذر الاستاذ الكبير من زيارته غير المناسبة بأنّه كان مضطراً اليها اضطراراً ليحمّل تلميذه العزيز امانة الى احد في بلاده.
وسكت الاستاذ هنيهة، ثمّ انطلق قائلا: قبل نيّف وعشرين سنة جمعني الدرس هنا مع فتى نبيل مثلك في رحاب هذه الجامعة، فتحاببنا في الله، وأنس كل منّا بالاخر، ومضينا في تحقيق ما نصبو اليه من نجاح والسرور يحدونا على بلوغ ذراه، حتى ابتلى بداء عضال حرمني الاستمتاع به في هذا المسير، واجتهدت في تمريضه والاعتناء به من غير كلال ولا ملل.
وعدته العيادة الاخيرة في المستشفى، فقال لي بلسان ثقيل وهو يشير الى ليس صغير: هيفاء.
وما نطق بعد هنا الاسم بشيء، وسألته أتريد أن اوصل هذا الكيس اليها؟
فهزّ رأسه، وابتسم، ثمّ أغمض عينيه عن هذا العالم، ومضى الى ربه مسروراً بخروجه من هذه الدنيا غريباً في طلب العلم، مجيداً له، متجلياً فيه.
ورفع الاستاذ يده الى خدّه، ومسح دمعة تحدّرت عليه، وتأثّر عبدالرحيم بما سمع، وقال: لله انت! ما اطول احتفاظك بهذا الكيس فقال الاستاذ: قد كان ذلك على الرّغم منّّي، اذ لم يتيسّر لي السّفر الى بلادكم، ولا وجدت من اثق به في اداء الامانة غيرك.
واحسّ عبدالرحيم بثقل الامانة حقاً، وقال لنفسه: من هيفاء هذه؟ أو استطيع العثور عليها في هذه البلاد المترامية؟ كيف اودّي اليها امانتها؟
وقرأ الاستاذ التّردد في وجه عبدالرّحيم، فقال له: بالله عليك لا تردّني بغير السرور، خذ هذه الامانة منّي، ولا تخيّب رجائي في ادائها الى اهلها وأنا في اخر العمر.
وشعر عبدالرحيم بالعطف على هذا الرجل النبيل، وقال له حبّاً وكرامة يا استاذ، أسأل الله ان اكون عند حسن الظن، وان كنت لا ادري كيف سأجد هيفاء هذه.
فقال الاستاذ: حسبك الجدّ في السؤال عنها والتأتي لمعرفة مكانها، وعقيدتها " لا يكلف الله نفساً الاّ وسعها ".
وناول عبدالرحيم كيساً ابيض مختوماً عليه بما عرفه الناس من ختم المصارف، وهو يقول: خذ،هذه هي الامانة التي ادعو الله _ تعالى _ ان يوفقك لأدائها .
وغلب الطبع عبدالرحيم، فسأل عمّا في الكيس، فأجابه الاستاذ بقول حكيم: يعنينا ايصاله الى اهله، لا معرفة ما فيه يا عزيزي.
وقام مستأذناً ومظهره ينمّ عن ارتياح من ازاح عن كاهله عبئأً ثقيلاً، وودعه عبدالرحيم معتزّاً بثقته العالية به، وراها خطوةً يسيرةً في العمل بالعلم الذي اغترب في تحصيله، فشكرالله على هذه النعمة العظيمة، وسأله المزيد فيها.
ومرّت الايام والاسابيع وعبدالرحيم اسير السؤال عن اسرة حبيب الحسنيّ، حتى عثر على تاجر أخبره انّ هذه الاسرة الكريمة قد نزل بها البلاء، ولم يبق منها الاّ فتاة اسمها هيفاء سار عفافها مثلا، لكنّه لا يعرف عن حالها شيئاً منذ عهد طويل.
وسافر عبدالرحيم الى مدينة حبيب الحسنيّ يسأل عن اخيه، فقيل له: لا احد يعلم عن حالها ما عدا انّ الحكومة دائبة في البحث عنها مذ قتل اخوها الذي كان مثال الفتوة في مواجهة الشرطة التي هبّت لفضّ مجالس العزا الحسينيّ قبل عامين.
فاضطرب عبدالرحيم، وقال: لكنّ المرأة التي اعني لها اخ واحد فيما اعلم هو حبيب وقد اعتبطه الموت في الخارج مأسوفاً عليه.
فأجيب بأنّ هذا صحيح، وانّ امّها التي كانت فخر النساء في كلّ خير قد توفيت ساعة ولادتها، فأرضعتها جارة طيبة لهم مع ولدها لا تميّزها منه في شيء من الرّعاية أمّا هيفاء، فما من احد يعلم اين صار بها الزمان.
واغتمّ عبدالرحيم غمّاً شديداً، لكنّه بقي يتردّد في احياء تلك المدينة ناشداً ضالته بلا يأس منها، حتى فجئ ضحى يوم لطيف الهواء بمناد يهتف باسمه، فالتفت، فاذا هو بعجوز وقور تتأقله من فرجة باب صغيرة، فانقلب اليها مسروراً مستبشراً بندائها ايّاه، وأخبرها بما حمله على تذوق الاذى في البحث عن امرأة لا يعرفها ولا تعرفه.
فدعته العجوز ان يستريح في منزلها قليلاً عسى ان يهتدي بعدئذ الى غايته. فهجس في قلبه أنّه اقترب ممّا يريد، فشكرها ودخل، فاستقبله شيخ بهيّ الطّلعة بشوش ودود، ورحّب به اجمل ترحيب.
واذاستقرّ به المقام طلعت عليه فتاة كأنها كلّ ما خلق الله من الكمال، فحيّته ورحّبت به، وجلست بازائه جلوس السّكينة في قلوب الاولياء.
وأعلمه الشيخان انّ هذه الفتاة ابنتهما الوحيدة، وأنها كلّ شيء في حياتهما.
فدعا الله _ سبحانه _ أن يحفظ بعضهم على بعض، ثمّ سألهم عن اسرة الحسنيّ التي يبحث عنها.
فقال: الشيخ متحسّراً: كنّا نفخر بجوارهم الكريم، حتّى اختارهم الله لجواره الرّحيم عزيزاً عزيزا، ولم يبق منهم سوى فتاة شعارها الطّهر، ودثارها العفاف.
وسأل عبدالرّحيم: كيف الوصول اليها بربّكم؟
قال الشيخ: ولم ذلك؟ اجاب عبدالرّحيم: لاسلّمها أمانة جئت بها من أخيها حبيب، وها هي ذي.
ولمّا رأت العجوز الكيس سألت: ما هذا؟ وما فيه؟
وأقسم عبدالرحيم انّه شغل بايصاله عن معرفة ما فيه.
فقال الشيخ: فهذه طلبتك بارك الله لك فيها.
وصبّت هيفاء الكيس، فانصبّ منه عقد وخاتم وأساور ذهبا، فقالت له: خذ من هذا الذهب ما شئت.
ومرّت في ذهنه صورة المرأة التي خطرت له في البلد الذي تخرّج فيه، وجاء منه بهذا الذهب، فجمع حزمه كلّه، وقال لها مبتسماً: المؤمن اغلى من كلّ جوهر.
وأدركت مرماه، وقالت على استحياء: أجل اذا لم يشغله عن ذكر الله.
فابتسم بأدب جمّ وقال: وذاك هو السعيد.
وصدّقهما الشيخان الصالحان داعيين لهما بالرّفاء والبنين.
وعاشا عيشة طيبة، لكن خارج الوطن الذي ارادا اخدمته، فحرما كلّ شيء منها الاّ الشّوق المضطرم اليه.
شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم