البث المباشر

اللقيــا

السبت 31 ديسمبر 2005 - 00:00 بتوقيت طهران

ضمنا سمر سامر في ليلة قمراء من ليالي الصيف الهانئة وافاض كل مناّ بما حضره من لطيف الامتاع وطريف الابداع ونحن نقطف ما طاب من لذيذ الحكمة وبديع العبرة. وعجبنا من استغراق صديقنا الطبيب المحبوب خلقاً وخلقاً في تأمّل ندر ان رأيناه منه في مثل هذه الساعات، حتى اذا استفذناه من كفّ الغرق في خضمّ الفمر العميق، تنهدّ قائلاً: اعتذر اليكم من النأي عنكم طوال هذا الانس، فقد شغلني عنكم طبيب ظريف يحبّكم وتحبّونه اذ توفي ابوه يوم ولادته في مستشفى الامومة، فسمّي مباركاً استجلاباً لخيره ودرءاً لشرّه. وغضبت الاسرة عليه وعلى امّه، وابغضتهما تطيّراً بهما، وتنزّلت عليهما النّقمة، وانثال اللعن على امّه المسكينة، فقد سبق ان مات عمّه فجأةً ليلة زفافها، وتأكّد شؤمهابموت ابيه عبطة. ولم يشفع لها انّ الموت والحياة بيد رب عزيز حكيم وانّ كل شيء بقضائه وقدره، فعادت الى بيت ابيها صاغرة حزينة، فاستقبلها عابساً متجهّما، وجرّعها كأس التذمّر منها والتّبرم بها وحملها على الزواج ثانية فور انتهاء العدّة. ولم تجد بداّ من النزول على رغبتهم في ذاك الزّواج البغيض طلباً للنّجاة من براثن القمع والهوان. واشترطت اسرة الزوج الجديد عليها التّخلي عن وليدها الرّضيع، فاستردّته جدّته لابيه وكانت وثيقة الصّلة بامّه عطوفاً عليها. وهكذا كان، فقد عاد الرّضيع الى جدّته ساعة زفاف امّه الى بيتها الجديد دامعة الطّرف مهيضة الجناح لم يزل الحزن يعتصر قلبها الباكي عاماً في كنف رجل سعى الى اسعادها ومحو ما مسّها من شقاء وعذاب. فسجّلت له عرفان ذلك بابتسامة رحيمة وطاعة كريمة لم تنطفئا، حتى فاضت الى بارئها _ سبحانه _ في نفسها بريحانة ملات داره طيباً من ذكرى امّها، العزيزة على كلّ من عرفها. ولئن فازت هذه ريحانة باب ودود عوّضها من حنان امّها، فان اخاها لامّها اليتيم الذي حرم امّه في المهد صبياّ قد فاز بجدّة رءوم انتقلت به الى مدينة اخرى رعته فيها رعاية جعلته قدوة المجتهدين في المدرسة، ونبراس البارعين في الجامعة، حتى تخرّج فيها طبيباً حاذقاً اجتذب الناس اليه بعلمه، واستدام ودّهم بحلمه، فسطع اسمه عنواناً لكلً فضيلة. وعملت معه طبيبة اعجبه كمالها وجمالها وبراعتها في مهنتها، فراح يتأمّل سيرتها وهي تعمل بهدايته مستضيئة بخبرته، فأخذه منها استماعها له واكرامها ايّاه، وخطر له ان يخطبها على نفسه اعتزازاً بادبها الجمّ وعلمها الثر، لكنه كلّما حاول ذلك، دفعه شعور غريب لا يستطيع تفسيره. ومن الغريب انّها حين استجابت له فيها دعاها اليه من الخير حدّثته بشعور غريب ينازعها في قبول ما دعيت اليه، فاغضى عنها قليلاً، وخاض في حديث اخر. وذهب هو وجدّته الحكيمة الرّءوم الى اسرة تلك الطبيبة يسبقهما ابتهاج جدّته مرفرفاً على كلّ ما اجتازا من معالم الطّريق التي رأتها تشاركها الاحتفاء بهذه السّعادة المتوهّجة بين جنبات قلبها الكبير في اخر العمر. واستقبلا استقبالاً لم يتذوّقا حرارته ولا حلاوته من قبل، فقد كانت الطبيبة غاية ما يرومان من كلّ شيء. وانست المرأتان احداهما بالاخرى انساً انساهما ضرورة الاقتصاد في التالف المبكّر. وبعد ساعة نوديت الخطب من داخل الدّار، وحصلت هينمة لطيفة فيه انتهت بدخول رجل بشوش وقور على الخاطبين يصحبه صوت الطبيبة المهذّب مفيداً انّه ابوها. وبينما تصافح الاب والخاطب اليه واعتنقا وقفت الجدّه تحدّقه مبهوتةً بهتاً ملأ العيون عجباً، ولماّ فرغ للسّلام عليها انقطع حائراً ايضا، وثبت نظر احدهما في نظر الاخر من غير كلام، ثمّ حياها اطيب تحية، وسلّم عليها بالامومة، وحيّته باسمه، وخاطبته بالبنوّة، وامتزج ضحكهما ببكائهما وهما يلعنان الظلم والعدوان، والطّبيبان ينظران مشدوهين لا يدركان ما يجري بحضرتهما. وسألت الجدّة الاب ان يحدّث بأندر ما اتّفق له، فطلب اليها ان تتولّى هي ذلك عنه. فقالت لحفيدها: هذا ابني ارضعته مع ابيك عامين، فنشأ اخوين حقاً ما عاش ابوك. وتزوّج امّك الطيبة بامري لاخراجها من سوء اعمامك واخوالك المتشائمين بها وبك، ولتربيتك على عينه وفاءً لابيك، فابت اسرته عليه ان يستقبلك، فبقيت امّك وارية الحسرة في ظلّه الكريم برغم ما حظيت به لديه من مودّة ورحمة. وعندما رزقا هذه الحبيبة الحسناء لم تسعد بها مثلما لم تسعد بك، فقد ماتت في نفاسها وبقيت ذكراها عاقبة لتجمعنا هذا الجمع الحبيب، فرحمها الله في الدّارين. وكان الطبيبان يتسارقان النظر بعضهما الى بعض دهشين طوال الحديث، وفي نهاية نهض الاخ الى اخته المبحرة في دموع الفرح والحزن، فلثم جبينها، ولثمث عينيه، واخذت يده فقبلتها ووضعتها على رأسها وهي تميله الى صدره الذي وجدت فيه ريح امّها التي طالما سمعت بما نزل بساحتها من الاذى. وما كان في الدنيا اسعد من تلك الاسرة في تلك السّاعة التي سرح بي الخيال اليها من حيث ادري ولا ادري، وشغلني عن انس افتديه بنفسي. فمدّ كل مناّ يده الى طرفه متحسّراً وهو يقول: أ هذا انت يا فتى وكل هذا الظّرف لك؟

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة