البث المباشر

الـمـتـهـوّر

السبت 31 ديسمبر 2005 - 00:00 بتوقيت طهران

عرفته يوم شرطت عليّ صاحبة المنزل ايجاري اياّه الاّ يخد مني غيره بذريعة انه خدم الاسرة سنين عددا، وانّها لا تثق بغيره. فقبلت ذلك الشّرط برغم غرابته، وانعقد بيني وبين ذلك الخادم تالف حمله على الاخلاص لي، وحملني على اكرامه، فقد كان لطيفاً ودوداً وقوراً في حركاته وسكناته. وشغلني النّظر في القضايا الاجرام المستشري في المنطقة عن العودة الى مأواي قبل المساء في الاغلب، حتى حلّ ما عليّ للمرأة من اجر سلمتها اياه يوم الجمعة، واقبلت على ما لديّ من معضلات القضايا أتامّل سبل الخروج من ظلماتها الدامسة. وبعد ساعة او زهائها سمعت سرخات مكبوتة تلاها بكاء خفيض حار المني اشدّ الالم، واتّفق ان نهضت الى النافذة المقابلة لنافذة السيدة المالكة، فرأيت الخادمة الامين يفديها بامّه وابيه وفصيلته التي تؤويه. واذ سألته عماّ سمعت انكره عليّ مستغربا رؤيتي ايّاه يواسيها، واخذ يروي مناقب سيدته واسرتها العريقة عابثاً بمسبحة ثمينة في يده. ولمّا رأيته يضرب في واد غير الذي انا فيه اغضيت عنه، فخرج يدعو نور السماوات والارض ان يحفظ مولاته من كل سوء. وخرجت عصر ذلك اليوم اسريّ عن نفسي في مقهيّ قريب، فاذا به قد انكفأ على رجل فج دميم يقصّ عليهم بذئ القصص، وكلما ضحكوا منه يعثر المال فيما يأكلون وما يشربون، وهتف فيهم ان كلوا واشربوا كراماً هانئين،، ثمّ راني فرحّب بي، وتعرّف اليّ متلعثماً مضطرباً، فاحسست انّ ما بذّره هو الايجار الذي سلّمته الى امرأته العاثرة الحظ صباحا، فتركته وخرجت متنفراً من قبيح فعله، متفكّراً في علاجه. ومضى اسبوعان غرقت فيهما في خضمّ الدّعاوى التي بين يدي، ونسيت تلك الحادثة التي هزّتني صباح تلك الجمعة ومساءها، حتى طلب اليّ الخادم ان انقده راتبه، فاجبته الى ما طلب، وانقلب الى سيدته مسرورا. وبعد قليل سمعت الصراخ الملبوت والبكاء الحارّ، ورأيت الخادم يهوّن على المسكينة ما نزل بها من البلاء، وتبيّن لي انّ ذلك ال الجاني يضربها اول الشّهر ومنتصفه، اي عند وصول الاجر وراتب الخادم. وعلمت ايضاً ان خادمها يقاسمها طعامه، فلا يشبعها ولا يشبعه بدلالة ذبولها المطردوا ونحولها المستمر، وتناول زوجها ما لذّ وطاب من الطّعام وتبذيره ما لهما في الضاحكين منه هنا وهناك. واذ حلّ الشتاء ببرده القارس، وشكا الناس قسوة الزّمهرير، سألني الخادم الطيّب سترة تقيه صبارة القرّ، فاعطيته ما اراد، وسرعان ما رأيت السترة على المالكة البائسة، ثم رأيتها على كتف زوجها البغيض، فساورتني رغبة في تأديبه، لكنّني خشيت الاساءة الى المسكينة المبتلاة به، فكبحت غضبي عليه الى ان فجأني يوماً بقوله: لقد بعت البيت بشرط بقائك فيه مستأجرا، فلا تبتئس، وغداً يأتي المشتري لرؤيته، فاسمح له بدخوله. وفي يوم اللاحق رأيت الشيخ النبيل دامع الطّرف مرتعش الجسم من رأسه الى قدمه، ويده تعبث بمشبحته الثمينة عبث الحائر المضطرب، ولا يزيده دورانه في البيت الاّ ذهولا، فاذا انتبه عليّ احبّ ان يفضي اليّ بامر، ثم احجم، فقلت له مباغتاً: يبدو انّ بيع البيت ازعجك كثيرا. قال متعجباً: او تعلم به؟ قلت: نعم اخبرني الوغد اللعين به امس. فانفجر الرجل باكياً، وقال: لقد تزوّج سيدتي بعد موت والديها، فارغمها على بيع ما لديها شيئاً فشيئاً، وانفقه في ملذّاته التافهة، ولك يتق الله فيها، فقد ضربها واهانها وحرمها حتى الضرورات، فمرضت لشدّة الجوع والقهر، وبقيت اناولها راتبي سنوات عجافاً، فيأخذه منها يأكل به اطيب الزّاد، ويبدّد الباقي ادّعاء بالكرم الى ان انزل بنا الطّامة الكبرى، فقد باع البيت صباح اليوم، وتسلّم الثمن كاملاً، وما اعطى صاحبته دينارا منه. قلت: وبم تعيش اذا كان البيت اخر ما لديها؟ واجابني والدّمع ينهمر من عينيه بانّ النذل يقول لها: مازلت ذات شباب وجمال، وكلاهما مدعاة غني وثروة لا تبور، لكنّ سيدتي تموت ولاتأكل بثدييها. ونظر اليّ نظرة بعثت الرجفة في اوصاني، ثم استدار وخرج مسرعاً. ودهشت لغياب الزّوج الخاسر عن المقهى وفي جيبه مئات الدنانير، وقال المنتفعون به: ربما شغلته شهرة في مكان اخر. وعدت الى منزلي عشاء، وقبل ان اخلع لباسي دخل عليّ ضابط الشرطة يرجو ان اصحبه للتحقيق في قتل ارتكب وسط المدينة، فأسرعنا الى هناك، فوجدت الزّوج الغيض محطّم الرأس غريقاً بالدّماء، واستغفلت الضابط، واستللت مسبحة ثمينة مدماّة قرب القتيل، ودسستها في جيبي، وسألت الضابط: او امسكتم بالقاتل؟ قال: لا، لكنّ دافع الجريمة السرقة، فجيوب القتيل خالية، وكان يحمل مبلغاً كبيراً من المال، ولا دليل لدينا على احد. وعدت الى منزلي عند الفجر، فاذا بالخادم يخفي حفنة من الدنانير في جيبه، فلماّ حييته فزع مرتبكاً، وقال: لقد افزعتني يا سيدي. فتأمّلته وقد خفض رأسه، وقلت: لا بأس عليك ايّها الشّهم الغيور. ومددت يدي اليه بالمسبحة قائلاً: ارجو ان تقبل هذه الهدية عرفاناً باحسانك للناس جميعا. فمدّ يده خجلاً وقد استقرّت عيناه في عينيّ تستنطقهما عن حقيقة ما قلت، ثمّ انخفضتا مطمئنّتين.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة