البث المباشر

«الْعَفْوَ» من اخلاق خلفاء الله عزوجل

الأربعاء 19 يونيو 2019 - 09:53 بتوقيت طهران

الحمد للهِ الغفورِالتوّاب، وأزكي الصَّلاةِ والسّلامِ علي النبيِّ المصطفي وآلهِ الأطياب.
مِن أسماءِ الله الحسني: الْعَفْوَ، والغفور وقد وردت كلمة «الْعَفْوَ» في القرآن الكريم خمسَ مرّات، كان منها: في سورة الحجّ المباركة، قولُه تعالي: «ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ» (الآية ٦۰) ومنها: في سورة النساء المباركة، قولُه عزّوجَلّ: «إِن تُبْدُواْ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا» (الآية ۱٤۹) فهذا خُلقٌ إلهيّ عوّد اللهُ تعالي عليه عبادَه، لرحمته ورأفتِه بهم، وأمَرَبه خُلفاءَه، فقال لحبيبِه ونبيّه: «فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ» (آل عمران:۱٥۹)، بل ودعا سبحانه وتعالي عبادَه إلي طلب الْعَفْوَ منه جلّ وعلا، وأرشدَهم أن أفضل طريقٍ إلي ذلك أن يجعلوا له وسيلة، وأشرفُ الوسائل إلي الله تعالي خليفةُ الله، رسولُ الله (صليّ الله عَليه وآلِه).
فقال عزّمن قائل: «وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا» (النساء:٦٤) فيتبيّن من هذه الآية الشريفة أنّ السبيلَ المُوصِلَ إلي اللهِ تعالي إنّما يكون عن طريق الأنبياء والرسل، خلفاء الله، فلابدّ من سلوك هذا الطريق، وهومنحصرٌ بالاستغفار والتوبة وطلبِ المغفرةِ من الرسول الكريم لهم، دونَ مجرّدِ الاعتذارالباطل. فإذا جاؤوا الرسولَ بعد الإعراض عنه، وطلبوا الغفرانَ من الله تعالي، وسألوا رسولَ الله لهم من الله الغفرانَ وقبولَ توبتهم وغفرانَ ذنوبهم، واستغفر لهم رسولُ الله لِعِظمِ شأنه، حينها يجدون اللهَ تواباً رحيماً بهم.
وهذا مِن شرف الْعَفْوَ أنّه من أخلاق الله تبارك وتعالي، حتّي جاء في دعاءٍ للإمام زين العابدين (عليه السلام) في طلب الْعَفْوَقولُه: (وأنتَ الذي عَفوُه أعلي من عقابِه، وأنت الذي تسعي رحمتُه أمام غضبه.. وأنت الذي سَمَّيتَ نَفسَك بـ"الْعَفْوَ"، فَاعفُ عنّي). (الدعاء ۱٦من الصحيفة السجادية المباركة).

*******

نلاحظ في الايات الكريمة ان الله سبحانه وتعالى يأمر سيد خلفاءه الصادقين رسوله الاكرم (صلى الله عليه وآله) تارة بالْعَفْوَ عن الناس والاستغفار لهم وتارة اخرى بالصفح الجميل فما مهنى كل منهما وماالفرق بين هذين الخلقين من اخلاق خلفاء الله عزوجل؟ عرضنا هذا السؤال في اتصال هاتفي على الدكتور حميد امن نجدي استاذ العلوم الاسلامية في الجامعة العالمية في لندن فأجابنا قائلاً:
الدكتور حميد امن نجدي: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على حبيبنا محمد وعلى اهل بيته الطيبين الطاهرين.
اما بالنسبة للصفح الصفح معناه الجنب، صفح الشيء يعني جنب الشيء والصفيحة يعني الجانب والصفحتان يعني مثلاً نقول صفحتا الوجه يعني الخد الايمن والخد الايسر، واعرض صفحاً يعني اعرض بوجهه عن الناس فالصفح هو الاعراض عن معاقبة المذنب فأذا كان الصفح تكرماً فيسمى بهذا الحال فيعني الصفح الجميل يعني هو الكريم يريد ان يصفح يعني يريد ان يعرض عن معاقبة المذنب اما الْعَفْوَ، الْعَفْوَ يختلف عن الصفح ثم اعود الى تكملة معنى الصفح والمقارنة بينهما، الْعَفْوَ يعني المحو يعني عفت الديار او عفت الرياح الاثار عندما الرياح تهب على الرمال وتغطي مثلاً آثار الاقدام للانسان او الحيوان او الاشياء فنقول عفت الديار يعني درستها وغطتها يعني لم يعد لها اثر، الْعَفْوَ معنا محو الخطيئة ومحو الذنب اما الصفح يعني الاعراض عن العقوبة، الصفح الجميل يعني ابتداءاً وتكرماً من الذي يصفح او الذي يعفو، حتى كلمة الصفيح يعني السيف العريض، سابقاً يكتبون على جريد النخل فيقولون على الصحف، الصحف ليست بالضرورة هذه الورقة وانما الشيء العريض فالجانب او العريض من الشيء هذا يسمى بالصفح يعني الجنب فنقول صفحة الخد، صفعه على صفحة خده يعني على جانب خده اذن هذا معنى الصفح فأذا هو معناه الجنب يعني جانبه واعرض عنه، اعرض بصفحة خده يعني لم يبالي له ويعني كأنما تجاهله او ليس تجاهله بالضبط وانما اعرض عنه كمن يسيء لأحد والاخر يعرض عنه يعني لايريد ان يؤاخذه بما أتاه من الذنب حتى يعاقبه مثلاً اماالْعَفْوَ لا الْعَفْوَ معناه الاندثار والمحو فالله تعالى من صفاته الْعَفْوَ وهي صيغة مبالغة يعني الكثير المحو للذنوب لأن الْعَفْوَ ما يقابل غفران الذنب، ستر الذنب، الغفران، المغفرة، الستر، غفر وكفر وستر كلها بمعنى واحد، نقول الكفارة يعني التي تكفر الخطأ يعني تغطي، تستر فالْعَفْوَ بهذا المعنى يعني ستر الذنب، نقول عفا الله عن ذنبه يعني ستر عنه كما ان الرياح تستر وتدرس الاثار، الاثار التي في الصحراء، في الرمال عندما تهب الرياح تحمل الرمال على تلك الاثار فتساوي الارض فلم يعد لتلك الاثار اثر او بيان او وضوح فنقول عفت الرياح الاثار يعني غطتها وسترتها فلم يعد لها وضوح فهذا الفرق بينهما، ان شاء الله يكون الامر واضحاً في الفرق بين الْعَفْوَ وبين الصفح وهناك طبعاً آيات كريمة وردت في هذا المعنى وكذلك في الاحاديث الشريفة عندما نقول امر، ان النبي (صليّ الله عَليه وآلِه) امر بأعفاء اللحى يعني ان يوفر شعرها ويكثر ولا يقص كالشوارب من عفا الشيء اذا كثر وزاد ايضاً هذه من معاني الْعَفْوَ وايضاً يأتي الْعَفْوَ بمعنى المعروف ايضاً «خُذِ الْعَفْوَ» يعني خذ بالمعروف هذه ايضاً من معاني الْعَفْوَ،«خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ» فهذه ايضاً من معاني الْعَفْوَ وطبعاً لها الْعَفْوَ معاني كثيرة ولكن عندما تقابل معنى الصفح «فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ» اذا تقابل بمعنى الْعَفْوَ والصَّفْحَ لا هنا يأتي بمعنى الاعراض عن الذنب او ستر الذنب هذا ان شاء الله تعالى يكون واضحاً الفرق بين اللفظتين.

*******

نعود الي خلق الْعَفْوَ وهو اساساً من أخلاق الله عزوجل الذي وصف ذاته المقدسة بكثرة الْعَفْوَ فكان من اسمائِهِ «الْعَفْوَ».
ومن شرف الْعَفْوَ أيضاً أنّه من أخلاق خلفاء الله، حيث جاء عن الإمام الصادق (عليه السلام) قولُه: (الْعَفْوَ عندَ القدرةِ من سُنَنِ المرسلين والمتقين)، أجل، فالأنبياء، والرُسلُ والأوصياء، هُم أولي من غيرِهم بالتخلُّقِ بأخلاق الله جَلّ وعلا، وأولاهُم بذلك رسول الله وأوصياؤه صلّي الله عليه وعليهم. والْعَفْوَ عندَهم فيضٌ من الرحمة الإلهيّة، فقد قال تعالي لنبيّه أوّلاً: «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ»، ثمّ قال له: «فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ»، فَلَم يجِد الناسُ أرحمَ مِن رسول الله (صلّي الله عليه وآله)، حتي إذا قرأ المستشرق (لُورد هدلي) سيرتَه الشريفة لم يتحمّل ألاّ أن يكتب مقالةً طويلةً في ذكري مولِده جاء فيها قولُه: لَو رجعنا إلي التاريخ وحكمناه، لتبيّنَ لنا أنّ القسوةَ لم تكن من أخلاق محمّدٍ (صلّي الله عليه وآله وسلّم)، وذلك بدليل معاملته للأسري بعد معركة (بدر)، ومسامحتِه أعداءَه وصبرِه علي أذاهم، وعطفِه علي الأطفال والمرضي، وحَقنِه للدماء، وعفوِه عن أولئك الذين قَضوا في محاربتِه ثمانيةَ عشَرعاماً، وأظهروا له فيها كلَّ صُنوفِ العداء، وأذاقوه من خلالها كلَّ أنواعِ الجَور والظلم والآضطهاد (إلي أن قال هدلي متسائلاً من كـتـّاب التراجم والسيرِ الأوربيين المحرّفين) أفلا يعتَبرُ هذا كلُّه دليلاً علي أنّ محمّداً لم يكن يتـّصفُ بالقسوة أبداً؟! وقد نالَ نبيُّ الإسلام حُبَّ العالَمِ أجمع، وحُبَّ أعدائِه بوجهٍ خاصّ، وذلك عندما ضَرَب مَثلاً في مكارم الأخلاق بإطلاقِ عشرة آلاف أسيرٍ كانوا في يومٍ من الأيّام يعملون علي قتلِهِ والفتك به!
نعم وهو (صلّي الله عليه وآله) القائل بعد أن رَفَع رأسَه ألي السماء: إنّي لم أُبعَث عذاباً، إنّما بُعِثتُ رحمةً للعالمين والتفت إلي الناس مِن أهل مكة وقد فَتَحها (صلّي الله عليه وآله) فقال لهم يذكرُهم: ألا لبئسَ جيرانُ النبيِّ كنتُم! لقد كذبتُم وطَردتُم، وأخرجتُم وآذَيتُم، ثمّ ما رَضيتُم حتّي جئتموني في بلادي تقاتلونني. فاذهبوا فأنتُم الطُّلَقاء. كتب ذلك ابنُ أبي الحديد ثم قال: فخرج القومُ وكأنّما نُشِروا من القُبور، فدخلوا الإسلام!
ويمضي الْعَفْوَ بعد رسول الله سجيّةً طيّبةً في أهل بيته صلواتُ الله عليه وعليهم، فإذا عُدنا إلي ابن أبي الحديد المعتزليّ في شرحه لنهج البلاغة نجده يكتب أنّ أمير المؤمنين عليّاً (عليه السلام) لم يجبُر أحداً علي بيعته بعد أن بايعه الناس، بل تكفل حياة مخالفيه ومناوئيه مِن إيذاء الناس ما لم يخونوا ويغدروا، ولمّا عرضوا له أعذارهم المخالفة للدّين قال (عليه السلام) لهم: ما كلُّ مفتونٍ يعاتب، أعندكم شك في بيعتي؟
قالوا: لا.
قال: فأعفاهم، ولم ينتقم من أحدٍ منهم.
قال ابن عبّاس: حتي بايعه الناسُ كلهم راضين مسلمين، غير مُكرهين. وأكثر من ذلك عفوه وصفحُه (عليه السلام) عمّن قاتلَه في وقعة الجمل وغيرها، من الناكثين والمنافقين، وأهل الدسائسِ والمارقين، وأصحاب المؤامراتِ والمحرّضين، وقد ظَفَربهم فأطلقَهم.
بل وأكثرُمن ذلك، كان الْعَفْوَ مأمولاً منه في عبد الرحمان بن ملجَم، لو قُدرّ له (عليه السلام) أن ينهض من ضربته تلك، كتب الشيخ المجلسيّ في (بحارالأنوار) عن الدينوريّ في (محاسن الجوابات) أنّ أمير المؤمنين كان يوصي بقاتله قائلاً: أطعموه واسقوه، وأحسنوا إساره، فإن أصحَّ فأنا وليُّ دمي، إن شئتُ أعفو، وإن شئتُ استقدتُ- أي اقتَصَصتُ.
كذلك روي المجلسيّ في (بحاره) أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لولده الحسن المجتبي (عليه السلام): ارفق- يا ولدي - بأسيرك وأرحمه، وأحسِن إليهِ وأشفق عليه، ألا تري عينيه قد طارتا في أم رأسه، وقلبه يرجف خوفاً ورُعباً وفَزَعاً!
فقال له الحسن: يا أباه قد قتلك هذا اللعين الفاجر وأفجعنا فيك، وأنت تأمرنا بالرِّفق به!
فقال (عليه السلام) له: نعم يا بنيّ، نحن أهل بيتٍ لا نَزداد علي الذنب إلينا إلاّ كرماً وعفواً، والرحمة والشّفقة من شيمتنا لا من شيمته. بحقي عليك فأطعمه يا بنيّ ممّا تأكله، واسقه ممّا تشرب، ولا تقيّد له قدماً، ولا تَغُلَّ له يداً، فإن أنا متُّ فاقتصّ منه بأن تقتله وتضربه ضربة ً واحدة وإن أنا عشتُ فأنا أولي بالْعَفْوَ عنه، وأنا أعلم بما أفعل به، فإن عفوت فنحن أهل بيتٍ لا نَزادُ علي المذنب إلينا إلاّ عفواً وكرماً.
إذن يتضح أن التخلق بالْعَفْوَ والصفح الجميل خصوصية أخري من الخصوصيات لخلفاء الله الحقيقين والتي تعيننا معرفتها علي تمييزهم عن أدعياء خلافة الله ورسوله والذين يشهد التأريخ أنهم وعلي العكس من خلفاء الله الحقيقين كانوا أبعد الناس عن الْعَفْوَ والصَّفْحَ الْجَمِيلَ وأقربهم للعمل بالأحقاد والإنتقام الأسود.

*******

 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة