البث المباشر

حجتين على كل انسان، باطني وهو العقل وظاهري وهو خليفة الله وامينه في ارضه

الثلاثاء 18 يونيو 2019 - 15:39 بتوقيت طهران

الحمد لله العليّ القدير، وأشرف صلواته علي رسوله البشير النذير، وعلي آله هداة المسير.
قال تعالي: «قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ» (الأنعام، ۱٤۹).
وقد جاءت هذه الآية الكريمة بعد آيات، لتقول للمخاطبين: إنّ نتيجة الحجّة، قد التبست عليكم بجهلكم واتّباعكم الظّنّ، وتخرّصكم في المعارف الإلهيّة، فحجّتكم تدل علي أن لا حجة لكم في دعوته سبحانه الي رفض الشّرك وترك الافتراء عليه، وإنّما الحجّة لكم في دعوته سبحانه الي رفض الشّرك وترك الافتراء عليه، وإنّما الحجّة هي لله تعالي عليكم، فإنه لو شاء لهداكم أجمعين بإجباركم علي الإيمان وترك الشّرك، ولمّا لم يجبركم علي ذلك، بل أبقاكم علي الاختيار، فله تبارك وتعالي أن يدعوكم إلي ترك الشرك وترك التحريم بما لم يحرّم الله جل وعلا.
لذا كانت الحجّة لله دائماً، وكانت بالغة دائماً، حيث لم يضطر عباده علي الإيمان، ولم يشأ ذلك بالمشيئة التكوينية، بل أذن لهم في الفعل والترك، ليجعلهم مختارين بعد البيان، فتتمّ عليهم الحجة بالغةً لله جلّ وعلا.

*******

تعرفنا كثير من الاحاديث الشريفة ان لله عزوجل حجتين على كل انسان، باطني وهو العقل وظاهري وهو خليفة الله وامينه في ارضه، عن العلاقة والتكامل بين دوري هاتين الحجتين يحدثنا سماحة الشيخ علي الكوراني الباحث الاسلامي من مدينة قم المقدسة.
الشيخ علي الكوراني: بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، سؤالكم ما هو الفرق بين تأثير وجود حجة الله الباطنة التي هي العقل والحجة الظاهرة التي هي الرسل والاوصياء صلوات الله عليهم؟
اصل هذا الموضوع هو في حديث عن الامام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام): "ان لله على عباده حجتين، حجة ظاهرة وحجة باطنة اما الحجة الظاهرة فهي الرسل واما الحجة الباطنة فهي العقول"، السؤال عن تأثير هاتين الحجتين على الانسان وطبعاً تأثيرهم تأثير كبير، وجود العقل، العقل الذي اعطاه الله للانسان هو يفتح له الافق، آفاق المعرفة، فتح لنا معلومات، نافذة معرفة الانسان بعقله، طاقات موجودة في النفس العقل يأتي في اولها، العقل الاستيعاب، العقل يرسخ الفطرة البشرية، الانسان مفطور على معرفة الله عزوجل وعلى توحيده، العقل يرسخ هذه، ومن توحيد الله عزوجل تنفتح ابواب العلم الكثيرة من عقل الانسان، العقل هو الذي يدل على وجود حجة لله سبحانه وتعالى، العقل هو الذي يدل على وجود الانسان، وجود الاشياء، المعرفة البشرية مرهونة للعقل، وحتى هؤلاء اصحاب النظرية الحسية محتاجين الى المعرفة العقلية غير الحسية، نفس النظرية الحسية عقلية وليست حسية اذن تأثير وجود الحجة على الانسان من عقله آثار كبيرة، كل بركات معرفته منها، معرفة مسألة الرسل والاوصياء صلوات الله وسلامه عليهم وتأثيرها على الانسان لما العقل يهدي الانسان الى ان هذا الرسول صادق وما ينبأ عن ربه صادق، الله عزوجل يبعث هذا الرسول الى العالم ويبلغه الشريعةن يخبر عن ربه ويري الناس الادلة والمعجزات، العقل يقول هذا صحيح وكل ما اخبر به صادق، يخبر عن ربه في خلق الكو، في موقع الانسان منه، في مستقبل الانسان، في الحياة الاخرة، في الشريعة وكيف ينبغي ان يكون سلوك الانسان هذه كلها العقل يؤمن بصدق النبي لأنه انسان صادق، تم الدليل على انه صادق اذن وجود الحجة الظاهرة التي هي الرسول او المعصوم وصي الرسول الذي ثبت انه اوصى به من بعده، الذي يبلغ شريعته، معصوم من ربه، وجود هذا الحجة لله في الارض هو مكمل لحجية العقل في الواقع، يعرف الحجة بالعقل ويكمل العقل، تنفتح آفاق المعرفة والعمل الكثيرة بوجود الحجة الظاهر صلوات الله وسلامه عليهم اذن هذان توأمان في النعم الالهية، نعمة العقل الباطن ونعمة العقل الظاهر اذا صح التعبير الذي هو الرسول والامام يكملان بعضهما البعض وسميا حجتان لأن الله يحتج بهما على الانسان، يقول الانسان: يا رب انا ارتكبت المعصية الفلانية، ظلمت فلان، قتلت فلان.
الله يقول له: اما نهيتك؟ يا رب كيف نهيتني؟
يقول: عقلك! اعطيتك عقلاً وعقلك قال لك ان الظلم قبيح، قتل النفس قبيح فهذا حجة عليك، انا جعلت الحجة عليك منك، يحتج الله عزوجل على العباد بعقولهم في المدركات القطعية، في غيرها وفيها ايضاً يحتج عليهم بالرسل والائمة (عليهم السلام)، هم حجة الله، ما ارسلت لك؟ اما انت مؤمن بأن هذا النبي صادق؟ وانا ارسلته وانزلت عليه وحي وكتاب وشريعة واحكام وبلغك وتعرف انه امر بهذا ونهى عن هذا، اذن يحتج الله عزوجل ايضاً على العباد بما بلغه رسله واوصيائهم صلوات الله وسلامه عليهم.
هذان العمودان، هاتان النعمتان، هذان الاصلان في تكوين شخصية الانسان وفي عطاء الله لهن الحجة الباطنة والحجة الظاهرة في الواقع يفتحان آفاق المعرفة عند الانسان وتقويم سلوك الانسان اذن هما متعاونان، متناغمان، متآزران يكمل بعضهما بعضاً.

*******

ها نحن نتابع تقديمها بنقل أحد الأحاديث الشريفة في بيان الحقيقة المتقدمة، إذ روي: في (أمالي الشيخ الطوسيّ) أنّ الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) سئل عن قول الله عزّوجلّ: «فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ».
فأجاب: إن الله تعالي يقول للعبد يوم القيامة: عبدي، أكنت عالماً؟!
فإن قال: نعم.
قال له: أفلا عملت بما علمت.
وإن قال: كنت جاهلاً.
قال له: أفلا تعلّمت حتـّي تعمل. فيخصمه، فتلك الحجّة البالغة.
وفي (أصول الكافي) روي الكليني عن هشام بن الحكم أنّ الإمام موسي بن جعفر (عليه السلام) قال له: (يا هشام، إنّ لله علي الناس حجّتين: حجّة ظاهرة، وحجّة باطنة. فأمّا الظاهرة فالرّسل والأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، وأمّا الباطنة فالعقول).
وهكذا، نعلم أنّ حجّة الله تعالي قائمة، وبالغةٌ ودائمة، وقد ركب سبحانه وتعالي في عباده العقول، وأرسل لهم سفراءه من الأنبياء والرسل، ومن بعدهم الأئمّة والأوصياء، وكان أن توالت الكتب والصحف والألواح الإلهيّة، تبسط أمام أعين الأجيال الشرائع والرسالات، والعقائد والأخلاق، فترسم للبشرية طريق الهداية والأمان والسعادة، ومن هنا نعتقد أن لا بدّ من حجّة لله تعالي في كلّ زمان، وهو القائل عزّوجلّ: «وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ» (فاطر، ۲٤) والقائل جلّ وعلا لرسوله (صل الله عليه وآله وسلم):«إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ» (الرعد، ۷).
جاء في تفسير الطبريّ، والتفسير الكبير للفخر الرازيّ، والدرّ المنثور للسيوطيّ، وكنز العمّال للمتّقي الهنديّ وغيرها من التفاسير والكتب الروائية الحديثية، عن ابن عبّاس أنّه قال: لمّا نزلت الآية: «إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ» وضع النبيّ (صلي الله عليه وآله وسلّم) يده علي صدره وقال: أنا المنذر.
ثمّ قال: ولكلّ قوم هاد، وأوما بيده الي منكب عليّ ثمّ قال له: (أنت الهادي يا عليّ، بك يهتدي المهتدون بعدي).
و في (تفسير نور الثقلين) روي الحويزريّ عن المفضّل بن عمر أنّ أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: (كان أمير المؤمنين (عليه السلام) باب الله الذي لا يؤتي إلّا منه، وسبيله الذي من سلك بغيره هلك، وكذلك يجري أئمّة الهدي واحداً بعد واحد، جعلهم الله أركان الأرض أن تميد بأهلها، وحجّته البالغة علي من فوق الأرض ومن تحت الثـّري).
وفي (أصول الكافي) روي أبو حمزة الثّمالي عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنّه قال: (والله ما ترك الله أرضاً منذ قبض آدم (عليه السلام) إلّا وفيها إمام يهتدي به إلي الله، وهو حجّته علي عباده، ولا تبقي الأرض بغير إمام حجّة لله علي عباده).
إن الله عزّو جلّ لا يعرف بخلقه، إذ هو سبحانه أجلّ من ذلك، أين نحن عن دعاء الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عرفة وهو يناجي ربّه جلّ وعلا: (كيف يستدلّ عليك، بما هو في وجوده مفتقر إليك! أيكون لغيرك من الظّهور ما ليس لك حتـّي يكون هو المظهر لك؟! متي غبت حتـّي تحتاج إلي دليل يدلّ عليك؟! ومتي بعدت حتّي تكون الآثار هي التي توصل إليك؟!).
إذن، الكلّ يعرف بالوجدان أن له ربّاً خالقاً، ولا بدّ لمن يعرف ذلك أن يعلم أنّ لذلك الربّ رضيً وسخطاً ولكن كيف يتبيّن للخلق رضاه سبحانه وتعالي وسخطه هنا لا بدّ من الوحي، وإرسال الرسل حجّةً لله عزّو جلّ علي خلقه.
فلا شك ولا تردّد ولا جدال في أصل لزوم وجود الحجّة، فيها تقوم لله الحجّة البالغة، بنبيٍ أو رسولٍ أو إمام، حيث لا تخلو الأرض ولم تخل ولن تخلو من حجّة، وإلّا لساخت بأهلها وانخسفت، بل ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: (لو كان الناس رجلين لكان أحدهما الإمام)، وفي حديث آخر: (لو لم يبق في الأرض إلّا اثنان لكان أحدهما الحجّة)، وفي حديثٍ ثالث: (إنّ آخر من يموت: الإمام: لئلّا يحتجّ أحد علي الله عزّو جلّ أنّه تركه بغير حجّة لله عليه).
وكان أول إنسان علي الأرض قبل الخلق حجّة لله تعالي، وكان نبياً، وهكذا الأنبياء والمرسلون كانوا لله حجّة كبري علي أقوامهم وعلي الأمم، احتجّ الله بهم في كلّ زمان ومكان وهو القائل جلّ من قائل: «وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ» (الشعراء، ۲۰۸)، وكان آخر الأنبياء المرسلين محمّد المصطفي الصادق الأمين، حجّة لله تعالي علي الخلق أجمعين، هو (صلي الله عليه وآله وسلّم) وأوصياؤه أولياء ربّ العالمين، وقد قال (صلّي الله عليه وآله) في آخر خطبة له: (أيها الناس، إنّا - أهل البيت - طهّرنا الله من كلّ نجس، فنحن الصادقون إذا نطقوا، والعالمون إذا سئلوا، والحافظون لما استودعوا. جمع الله لنا عشر خصالٍ لم يجتمعن لأحدٍ قبلنا، ولا يكون لأحدٍ غيرنا: العلم والحلم، والحكم، واللّبّ والنبوّة، والشّجاعة والصّدق والصبر، والطهارة والعفاف. فنحن كلمة التقوي، وسبيل الهدي، والمثل الأعلي، والحجّة العظمي، والعروة الوثقي، فماذا بعد الحقّ إلّا الضّلال فأنّي تصرفون؟!).

*******

 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة