في هذه الحلقة من بودكاست "اكتشف إيران" في محافظة خراسان الجنوبية، نصل إلى قلب حياة أهل هذه الأرض ذات التاريخ العريق؛ أرضٌ لا تزال تنبض بالحياة والتقاليد.
هنا، تُشكّل اللغة واللهجة والملابس وطقوس النوروز وموسيقى الدوتار وأشعار الحب والفراق والمتاحف والحرف اليدوية والأمثال جزءًا من الهوية الحية لشعبٍ نقل ثقافته عبر الصحراء لقرون.
في هذه الصحبة، سنتعرّف على جنوب خراسان ليس فقط من خلال الخريطة، بل أيضًا من خلال صوت الموسيقى ولون الملابس وكلماتها اليومية.
تحياتي لكم أيها المتابعون لبودكاست "اكتشف إيران".
معكم في حلقة أخرى من هذا البودكاست، إذ سنخوض رحلةً أخرى إلى جنوب خراسان؛ أرض في شرق إيران، تتلألأ على أطراف الصحراء، تحمل في كل خطوةٍ منها آثارَ التاريخ والفنون والطقوس القديمة. إلى جانب إيمان الشعب وطبعه النبيل فيها يُجسّد التنوع العرقي واللغوي من اللغة الدرية الفارسية بلهجتي البيرجندي والقايني، إلى التعايش بين البلوش والعرب؛ ومن احتفالات النوروز وإعداد حلوى السمنو والشاه مولايي، إلى عادات الملابس والألوان والموسيقى.
يبدأ سردنا اليوم باللغة واللهجات، ثم ينتقل تدريجيًا إلى قلب الطقوس والملابس والمتاحف الإثنوغرافية؛ حيث يتنفس الماضي في إطار الحاضر الشفاف.
إذا كنتم متشوقين لفهمٍ مُفصّلٍ وميدانيٍّ للثقافة، فتابعونا؛ فجنوب خراسان على أتمّ الاستعداد للكشف عن أصالتها ودقّتها.
بالنظر إلى خلفية خراسان التاريخية التي ذكرناها في الحلقة السابقة، يُمكنك بالتأكيد تخمين ثقافة هذه الأرض وشعبها.
بسجلها المتميز في مجالات العلوم والأدب والفن، وحتى السياسة والحرب، تتمتع خراسان بثقافة عميقة وديناميكية، وتُقدم لنا مثالاً رائعاً على التنوع العرقي والديني واللغوي والعادات.
بداية من الضروري التذكير بأن اللغة الدرية الفارسية، باعتبارها اللغة الوطنية للإيرانيين، هي اللغة المشتركة لسكان جنوب خراسان في مدن مثل طبس، وفردوس، وغناباد، وقاين، وبيرجند.
على الرغم من أن هذه اللغة فارسية، إلا أنها تتميز بلهجات متنوعة ومفردات غنية. في الماضي، وبسبب الطبيعة الجبلية للأجزاء الوسطى والشمالية من المحافظة وصعوبة الوصول إليها، كانت لغة السكان وأعراقهم أقل عرضة للاختلاط، ولهذا السبب، كان استخدام الكلمات الأجنبية أقل شيوعًا.
يتحدث سكان خراسان الجنوبية اليوم اللغة الفارسية، ولكن بلهجات متنوعة ومسموعة؛ من البيرجندية والقاينية إلى السرايانية والنهبندانية وغيرها من اللهجات المحلية.
تعيش مجموعات من البلوش في بيرجند وقائن ونهبندان، وهم يتحدثون باللغة البلوشية، وفي بعض أجزاء المحافظة، توجد عائلات من أصل عربي لا تزال تتحدث العربية. هذا التنوع في اللهجات جزء من الجاذبية الثقافية لهذه المنطقة.
من الناحية الدينية، تتميز خراسان الجنوبية أيضًا بوجه متنوع؛ فجميع سكان المحافظة مسلمون، وغالبيتهم من الشيعة، إلا أن عددًا كبيرًا من السنة يعيشون في المناطق الحدودية. يُعد هذا التعايش السلمي والعريق من أجمل المظاهر الثقافية لهذه الأرض.
يصف الكثير ممن سافروا إلى خراسان الجنوبية أو عاشوا فيها لفترة بأن خراسان الجنوبية، أرض العادات والتقاليد". إذا كنتَ من مُحبي التقاليد والطقوس المحلية، فمن الجيد أن تعلم أن جزءًا هامًا من العادات القديمة لأهالي هذه المحافظة لا يزال حيًا، ويتكرر في مناطق مختلفة، وإن كان مع بعض التغييرات الطفيفة في طريقة الأداء أحيانًا.
من بين هذه التقاليد، يمكننا ذكر طقوس زراعة سرسوزي أو إعداد حلوى "سمنو" و"شاه مولايي"، التي تُقام عشية رأس السنة الجديدة؛ وهي طقوس تُشارك وترتبط بعادات النوروز لدى الإيرانيين الآخرين، إلا أنها تتميز بنكهة محلية خاصة.
في الأيام الأخيرة من العام الشمسي ، إذا كنتَ ضيفًا في منزل أحد أهالي خراسان الجنوبية، فإن كل شيء يفوح برائحة الربيع. تنظيف المنزل، وطبخ حلوى سمنو، وشراء ملابس العيد، وإقامة طقوس خاصة، تملأ أجواء المدينة والقرية بالنشاط. يزرع الناس الشعير والقمح والعدس أو الفاصوليا الخضراء في أوانٍ صغيرة وكبيرة، أو يغرسون بذور الجرجير والكزبرة على سطح أوانٍ فخارية، ويعتنون بها بصبرٍ ودقة حتى تبقى خضرة العيد نضرة مع حلول العام الجديد.
تُعاد هذه الخضرة إلى أحضان الطبيعة في اليوم الثالث عشر من فروردين، وفقًا لعادةٍ قديمة.
عادة الطلاء بالحناء تعد من العادات الجميلة والراسخة لأهل هذه المنطقة. لا يزال بعض الناس ومع اقتراب عيد النوروز وخاصةً كبار السن، يصبغون شعرهم وأطراف أصابعهم بالحناء ويستقبلون العام الجديد بهذه العلامة المبهجة والبسيطة.
من الطقوس المميزة في خراسان الجنوبية عادة "شاه مولايي"، وهي شائعة في المدن والقرى. قبل أيام قليلة من عيد النوروز، يزور المحسنون المحليون والأشخاص الموثوق بهم العائلات الفقيرة ، ويساعدونهم في تجهيز اللوازم الأساسية، ويوزعون الطرود المجهزة سرًا على المحتاجين. يعد هذا التقليد مظهراً من مظاهر التضامن والكرامة الاجتماعية عشية الربيع.
في الأيام التي تسيق نهاية السنة تشهد أسواق المدن والقرى ازدهارًا ملحوظًا. يبدأ شراء ملابس العيد عادةً قبل شهر أو شهرين من عيد النوروز، وتحظى الأقمشة الزاهية، وخاصةً الحمراء والصفراء، بشعبية كبيرة بين سكان خراسان الجنوبية. إن هناك اعتقادًا سائدًا بين بعض العائلات: إذا أراد أحدهم خياطة ملابس العيد بنفسه، فإنه يقص القماش يوم الاثنين أو الجمعة؛ إذ يعتبرونهما يوما مباركًا وبداية جيدة للعام الجديد.
تحدثنا عن الملابس والأقمشة، لذا من الجيد إلقاء نظرة على أنواع الملابس التي يرتديها سكان خراسان الجنوبية. إذا سافرت إلى هذه المحافظة اليوم، سترى في الشوارع والمناطق الحضرية، معظم الناس يرتدون نفس الملابس التي يرتديها سكان المدن الأخرى في إيران؛ ولكن في القرى وبين الأجيال الأكبر سنًا، لا تزال هناك آثار واضحة للملابس المحلية والتقليدية.
نعلم أنه منذ فجر التاريخ البشري، لم تكن الملابس مجرد وسيلة لتغطية الجسد؛ بل هي مرءآة لجغرافية وثقافة وظروف كل منطقة. لم يؤثر الارتباط المعقد بين المناخ وأسلوب الحياة واختيار الملابس على شكل الملابس وخامات صناعتها فحسب، بل أثر أيضًا على تصميمها وإنتاجها ونوع الأقمشة المستخدمة، وحتى على طرق صباغتها باستخدام الموارد المحلية.
منذ العصور القديمة ، حظيت الملابس المحلية في إيران بأهمية خاصة. فقد تغيّر شكل ولون الملابس وتطورا باستمرار تحت تأثير عوامل مثل الظروف المناخية والجغرافية، ونمط الحياة الحضرية أو الريفية، والظروف السياسية والاقتصادية، والمعتقدات الدينية، والعادات، وحتى السفر والتجارة مع البلدان الأخرى.
في خراسان الجنوبية، عادةً ما تشمل ملابس الرجال التقليدية القبعة، ووشاح العنق، و السديريات ، والقميص، والسراويل، و ربطات المعصم وحذاء الكيوه. كما ترتدي النساء الحجاب، والنقاب، والقميص، والشادور، وأنواعًا مختلفة من الأحذية في ملابسهن المحلية. كما تتزين هذه الملابس بمجوهرات مثل الأساور والخواتم وأساور الذراع والخلاخيل والتيجان، مما يُضفي على مظهر المرأة لمسةً مميزة.
عادةً ما يكون غطاء الرأس لرجال خراسان الجنوبية قبعة من اللباد ذات حواف على كلا الجانبين. يختلف شكل وحجم هذه القبعات باختلاف مناطق المحافظة، بل ويختلف باختلاف العمر والوضع الاجتماعي والاقتصادي للأفراد؛ وكأن كل قبعة تُعبّر عن هوية صاحبها.
تتمتع قرية "تشنشت" Chenesht ، الواقعة بالقرب من بيرجند، بمكانة خاصة بين قرى خراسان الجنوبية. فمقارنةً بالعديد من المناطق الأخرى، كانت هذه القرية أقل تأثرًا بالتغيرات الثقافية السريعة، واستطاعت الحفاظ على طابعها الريفي الأصيل. يُعدّ تنوع الألوان المذهل في الأزياء المحلية لسكان تِشنِشت ملفتًا للنظر لدرجة أنها لُقبت بـ"أرض الألوان".
تتميز ملابس سكان تشنشت، رجالاً ونساءً، بخصائص نادرة في مناطق أخرى من المحافظة. عادةً ما يتكون زي الرجال من معطف طويل يغطي الجسم بالكامل، وشال يُربط على الرأس أو حول الرقبة.
أما ملابس النساء، فتتميز بألوانها الزاهية والمبهجة؛ مزيج من التنانير المزهرة الحمراء أو الزرقاء، وقبعات مطرزة بالفضة، وقمصان خضراء أو حمراء أو زرقاء، تُرتدى اليوم غالبًا في المناسبات كالأعراس. هذه الملابس ليست مجرد ملابس، بل هي أيضًا شهادة حية على ذوق وسليقة وهوية أهل هذه الأرض.
لا تنتهي خراسان الجنوبية، أرض الثقافة والتاريخ العريقين، بطقوسها وملابسها؛ بل يمكن تتبع هذه الهوية العريقة خطوة بخطوة في متاحفها. يوجد 17 متحفًا بمواضيع مختلفة في جميع أنحاء المحافظة، يفتح كل منها نافذة على جزء من ماضي هذه الأرض وحياة أهلها.
تُبرز هذه المتاحف، بمختلف أشكالها، من الآثار والأنثروبولوجيا إلى المشاهير والجيولوجيا والحرف اليدوية والملابس التقليدية وحتى الدمى المحلية، جوانب مختلفة من تاريخ وثقافة وفنون خراسان الجنوبية أمام أعين الزوار.
في الواقع، تُعتبر هذه المتاحف بمثابة حراس للتراث الثقافي للمحافظة؛ كنوزٌ تضم مجموعةً قيّمة من القطع الأثرية والأعمال والوثائق وأدوات الحياة اليومية لسكان مختلف المدن والمناطق. على سبيل المثال، يُعد "متحف بيرجند الأثري"، الواقع في مجمع حديقة أكبرية المسجل عالميًا، أكبر متحف أثري في المحافظة، ويقع في الطابق الأول من قصر أكبرية التاريخي.
يعرض المتحف مجموعةً من الاكتشافات الأثرية، بما في ذلك مجموعة واسعة من الأدوات الحجرية والفخار والتحف الحجرية والزجاجية والعملات المعدنية والمنتجات الجلدية والمخطوطات. يقدم كل من هذه القطع الأثرية سردًا موجزًا ومعبرًا عن تاريخ جنوب خراسان، من العصر الحجري القديم إلى العصر القاجاري، ويُظهر المسار الطويل والشاق الذي سلكته هذه الأرض.
بالإضافة إلى القطع الأثرية القديمة، تُخصص أجزاء من المتحف لعرض الملابس التقليدية والمهن القديمة مثل الفخار والحدادة والنحاس ونسج السلال. مع التماثيل وبناء المساحات وإعادة بناء مشاهد الحياة اليومية، يشعر الجمهور وكأنه دخل قلب زقاق قديم أو ورشة عمل تقليدية.
وبهذه الطريقة، لا يصبح المتحف مكانًا للمشاهدة فحسب، بل أيضًا مساحة للتعمق في ثقافة وأسلوب حياة سكان جنوب خراسان وفهمها بشكل أعمق.
إلى جانب مجال الأنثروبولوجيا، لدى جنوب خراسان أيضًا الكثير لتقوله في مجال الفنون والحرف التقليدية. نسج السجاد ونسج الكليم والمناشف والتطريز اليدوي والفخار ليست سوى أمثلة قليلة على الحرف اليدوية في المقاطعة.
أعمال فنية تُجسّد، بالإضافة إلى دورها الاقتصادي، ذوقَ أهل هذه الأرض ورؤيتهم للعالم. تُعدّ هذه الفنون إرثًا توارثته الأجيال، وتُعتبر اليوم جزءًا من الهوية الثقافية لجنوب خراسان.
خلال السنوات الأخيرة، ازداد الاهتمام بتسجيل وحفظ التراث غير المادي في هذه المحافظة. حتى الآن، سُجّل أكثر من مئة عمل ثقافي من جنوب خراسان في القائمة الوطنية، التي تشمل مجموعة من الطقوس واللغات واللهجات التقليدية، بالإضافة إلى الحرف اليدوية.
تُظهر هذه الجهود أن ثقافة وتراث هذه المنطقة يُعتبران رصيدًا قيّمًا ليس فقط لأهل المنطقة، بل على المستوى الوطني أيضًا.
ومن منظور مستقبلي، يعد الاستخدام الذكي لهذه الإمكانات في تطوير السياحة الثقافية أمرا ذا أهمية خاصة. يمكن أن تُمثّل الطقوس والاحتفالات والفعاليات الثقافية نافذةً للتعريف بجنوب خراسان للعالم، وجذب السياح الباحثين عن لمسة مباشرة من الثقافة الإيرانية الأصيلة.
لقد ساهم تنظيم المهرجانات والفعاليات الوطنية والإقليمية التي تركز على الأنثروبولوجيا والطقوس المحلية، في الحفاظ على هذه الكنوز وإحيائها من جهة ومن جهة أخرى، مهد الطريق للنمو الاقتصادي والحراك الاجتماعي في المحافظة؛ وهو مسار إذا استمر من شأنه أن يسلط الضوء على مكانة خراسان الجنوبية على خريطة السياحة الثقافية في إيران.
أيها الأعزاء، بعد كل ما تقدم من كلام حول ثقافة وعادات وحياة أهالي خراسان الجنوبية، حان دورنا الآن للحديث عن أحد أهم فنون هذه الأرض؛ فنٌّ ربما يعكس أكثر من أي شيء آخر روح هذه الأرض: الموسيقى المحلية.
تُعتبر الموسيقى المحلية لخراسان الجنوبية من أكثر فروع الموسيقى الإيرانية أصالةً؛ موسيقى تلعب فيها آلات مثل الدوتار دورًا محوريًا وبارزًا.
للموسيقى تاريخ عريق وعميق في هذه المنطقة، وخاصةً في مدينة بيرجند.كانت الأغاني والأناشيد الجميلة، والألحان الملحمية، والحركات الإيقاعية (الرقصات المحلية)، والألحان الآلية والصوتية و مازالت جزءًا لا يتجزأ من حياة الناس في بيرجند ومنطقة قهستان الشاسعة. تُسمع العديد من هذه الألحان في حفلات الزفاف والاحتفالات والطقوس المحلية، وحتى أثناء العمل والهجرة والسفر.
بعض المقطوعات الموسيقية المستخدمة للرقصات المحلية في هذه المنطقة تحمل أسماء مألوفة ومعروفة، مثل "أصيل"، و"ناره ناره"، و"جِنِشتي"، و"جب-و-راست"، و"شيرجه"، و"أحوال"، و"سه-ضرب".
تُؤدى هذه الرقصات أحيانًا بشكل فردي، وأحيانًا بشكل ثنائي، وأحيانًا في مجموعات كبيرة. هناك نوع آخر من الرقص يُعرف باسم " چوببازيها " أي لعبة الأعواد. هذه الرقصات أكثر تعقيدًا وصعوبة، ويتطلب أداؤها الصحيح مهارة وممارسة ورشاقة بدنية؛ كما لو كانت نوعًا من استعراض الانسجام والقوة والجمال في شكل حركة.
بالإضافة إلى كل هذا، هناك نوع من الغناء الثنائي يُسمى "فِراغي" شائع أيضًا في خراسان الجنوبية؛ وهو طقس مسموع وعميق موضوعه الرئيس هو الشوق والحنين. تخيل مجموعة من الرجال والنساء يجلسون في حلقة، يُلقي كلٌّ منهم بيتين من الشعر المحلي، يروي فيهما ألم الفراق، وبُعد الأحبة، أو مصاعب الحياة. نغمة الغناء متشابهة ومتكررة تقريبًا؛ لكن كل شخص يُغني البيت الأخير بطريقة تجعل التالي يفهم من توتر الصوت ونهاية اللحن أن دوره الآن هو مواصلة غناء "الوداع".
خلال رحلتك إلى جنوب خراسان إذا دُعيتَ إلى اجتماع يُقام تحت عنوان " فراقي خواني"، أي أشعار حول ألم الفراق فلا تتردد؛ اقبل الدعوة واجلس بجانب القرويين في ذلك الاجتماع.
إن الاستماع إلى هذا الإلقاء الجماعي للشعر، بتلك الألحان البسيطة والعميقة، تجربة ستُخلّد في ذاكرتك كواحدة من أكثر لحظات هذه الرحلة التي لا تُنسى؛ لحظة تلتقي فيها الموسيقى والثقافة والعاطفة في صوت واحد.
في الموسيقى المحلية لبيرجند وجنوب خراسان، تُشبه الآلات الموسيقية كلمات قصيدة قديمة؛ لكلٍّ منها دور، وبدونها يغيب شيءٌ ما في هذه القصة. دهل، وسرنا، ودايره، وناي هي أسماء الآلات الموسيقية الرئيسة في هذه المناطق؛ آلاتٌ غالبًا ما يصنعها الموسيقيون بأيديهم، مما يزيد من علاقتهم بالموسيقى.
ولكن إذا أردنا أن نسمي "الآلة الموسيقية المميزة" لهذه المنطقة من بين جميع الآلات، فهي بلا شك الدوتار في جنوب خراسان وهي آلة وترية تشبه العود. عادةً ما يكون الدوتار في جنوب خراسان أكبر حجمًا من الدوتار في المناطق الشمالية، وله صوتٌ فريد؛ رنينٌ يبدو أنه يعكس في آنٍ واحد قسوة الحياة في السهول القاحلة ومشقتها، ويروي قوة وصمود أهل هذه الأرض.
في الماضي، كانت أوتار الدوتار تُصنع من الحرير. وكان وعاء الآلة يُنحت من خشب التوت الأبيض أو التوت الأسود، وكان مقبضها غالبًا ما يُصنع من خشب المشمش أو أحيانًا من خشب العناب؛ مزيجٌ من الخشب والخيوط ويد الفنان، يُحوِّل في النهاية إلى لحنٍ نابض بالحياة.
كان الدوتار الأصلي يحتوي في البداية على ثمانية نغمات، ولكن مع مرور الوقت وإبداع الموسيقيين في مختلف المناطق، ازداد عدد النغمات ليصل إلى 9 و14 و15 وحتى 17 نغمة في بعض الحالات. مع أن نطاق صوت الدوتار ليس واسعًا، إلا أن هذا النطاق المحدود نفسه مليء بالمفاجآت؛ صوت حزين وعميق ممزوج بألوان غامضة، يجذب المستمع لا إراديًا إلى الصمت والتأمل.
" ني چوپاني " هو نوع من الناي المستخدم من قبل الرعاة هذه الالة وإلى جانب الدوتار، يُعدّ من أمتع الآلات الموسيقية في هذه المناطق؛ وهي آلة بسيطة تُصنع عادةً من معادن كالنحاس. نطاق صوتها ليس واسعًا، لكنها تُعدّ بالنسبة للرعاة الذين يقضون أيامهم في الصحاري ومحيطها رفيقًا مُؤتمنًا ووسيلة مُريحة؛ آلة موسيقية يتميّز صوتها بلون مُختلف في سكون الجبال والسهول.
وكانت آلات أخرى، مثل التار والناي، والكمان، تُعزف في مدينة خَواف ومناطق أخرى في الماضي، ولكن نظرًا لعدم انتماء هذه الآلات لهذه المنطقة وصعوبة تعلمها، فإنها أقل شعبية بين الموسيقيين المحليين اليوم؛ على الرغم من أن آثارها لا تزال باقية في الذكريات القديمة وأسماء أساتذة مُخضرمين.
بشكل عام، في قلب هذه الأرض العريقة ، كنزٌ دفين من الفنون والموسيقى المُتجذّرة في صميم الحياة اليومية للناس. إن الألحان التي تنبع من قلوب آلة دوتار والناي والأغاني المحلية ليست مجرد أغانٍ؛ بل هي وثيقة حية للذاكرة الجماعية لشعبٍ سُمع على مر القرون، ولا يزال يأسر آذان كل مستمع في أي بقعة من بقاع العالم.
تتمتع موسيقى خراسان، كجوهرةٍ لامعةٍ بين فنون إيران، بمظهرٍ فريد. يمتد تاريخها إلى آلاف السنين، وفي كل منعطفٍ من منعطفات التاريخ، مع الأفراح والأحزان، والضحكات والأحزان، شهدت صعودها وهبوطها؛ لكنها على مر كل هذه السنين، حافظت على جوهرها الأصيل، ولا تزال حيةً ومسموعة.
الى هنا أيها الأحبة نصل إلى نهاية هذا اللقاء، لكن الرحلة لم تنتهِ بعد.
ندعوكم لمتابعتنا في الحلقات القادمة حيث سننطلق إلى جنوب خراسان مجددًا، هذه المرة للتعرف على المعالم التاريخية والعجائب الطبيعية في هذه الأرض عن قرب وسنتقدم خطوة بخطوة لنضاعف متعة زيارة هذه الأرض العريقة لكم.
إذا أعجبتكم هذه الحلقة، شاركوها مع أصدقائكم وأرسلوا لنا تعليقاتكم.
لإرسال تعليقاتكم والاطلاع على حلقات أخرى، تفضلوا بزيارة موقع "إذاعة طهران" الإلكتروني "arabicradio.ir" وانضموا إلينا عبر صفحاتنا على مواقع التواصل الاجتماعي.
دعمكم وتعليقاتكم هي وقودنا لمواصلة هذه الرحلة.
إلى اللقاء
والسلام عليكم ورحمة الله