أهلا بكم أصدقائي..
إذا كنتم معنا في الحلقات الثلاث الماضية، فلا بد أنكم تتذكرون أننا ذهبنا إلى محافظة سيستان وبلوشستان؛ المنطقة الرائعة ذات التاريخ العريق، والجغرافية المميزة، والشعب الأصيل. الأرض التي يروي كل ركن فيها أثرًا من آثار حضارة عريقة وتراثًا عريقًا.
يعتبر العديد من الباحثين سيستان وبلوشستان "أرض الأوائل"، ويستشهدون بأدلة قيّمة على هذا الادعاء:
"إحدى أولى ترجمات القرآن الكريم باللهجة السيستانية وكلماتها، المكتوبة بالخط الكوفي، والتي تُسمى "قرآن مقدس"".
رستم، أول بطل ملحمي في إيران، الذي ذُكرت شجاعته في شاهنامه الفردوسي، وُلد في سيستان، وهو بطلٌ نشأ في هذه الأرض.
تشكلت أول حكومة إيرانية بعد الإسلام في سيستان على يد يعقوب ليث صفاري.
أبو يعقوب السيستاني هو مؤلف "كشف المحجوب" أقدم كتاب في النثرالفارسي الدري. وُجدت أولى الصور المتحركة في المدينة المحروقة بسيستان.
وفقًا للاكتشافات الأثرية، أُجريت أقدم عملية جراحية لجمجمة بشرية في المدينة المحروقة بسيستان.
كان أول عالم اخترع الإسطرلاب البحري هو البروفيسور أبو سعيد سجزي و هو من سيستان.وعُثر على أقدم لوحة لعبة الطاولة في العالم في المدينة المحروقة بسيستان وبلوشستان.
في هذه الحلقة، نُقدم لكم تجليات أصيلة وباقية لثقافة وفن هذه الأرض؛ تراثٌ رائعٌ وملهم، يُمكن أن يكون حافزًا لمزيد من البحث بين المهتمين.
انضموا إلينا في رحلة جديدة لاكتشاف جانبٍ آخر من كنوز أهالي سيستان وبلوشستان الرائعة.
هناك خلاف بين الباحثين حول كيفية وتوقيت ظهور الموسيقى، ولكن المؤكد هو أنه قبل تعلم الكلام والغناء، كان الإنسان على دراية بفن الموسيقى إلى حد ما، لأن السلالم والألحان، وحتى الأصوات الصادرة من حنجرته، كانت الخطوات الأولى على طريق نشأة الموسيقى وتطورها.
تُظهر نتائج دراسة القطع الأثرية التي جُمعت من منطقة بلاد ما بين النهرين أن تاريخ الموسيقى في الثقافة الإنسانية يعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد. كلمة "موسيقى" المُعدّلة مشتقة من الكلمة اليونانية " موزيكم " والكلمة اللاتينية " موزيكوس "، والتي تعني في الفارسية "نغمة" أو "صوت" أو "أغنية".
لقد أصبحت الموسيقى التقليدية في سيستان وبلوشستان، أوسع الأقاليم الإيرانية وأقدمها، كمشعل متّقد يضيء ذاكرة العصور، ويُحيي في الأذهان أمجاد الثقافة والحضارة الإيرانية القديمة.
إن صدى الموسيقى التقليدية والدينية، من شمال سيستان وبلوشستان إلى جنوبها، يُذكّرنا بذكريات سعيدة وحزينة مستمدة من مشاعر الغيارى من أهل هذه المنطقة الواسعة من إيران.
كان أهل سيستان وبلوشستان في شمالها وجنوبها، بإبتكارهم وفنهم النابع من ذوقهم الرفيع، ومازلوا يُبدعون في مجال الموسيقى، محافظين على الألحان والأغاني الخالدة، المستمدة من حضارة وثقافة عريقة لا مثيل لها. يُعبّر فنانو سيستان وبلوشتان عن أجمل المشاعر العرفانية، وأعمق الآلام الاجتماعية، وأروع القصص الملحمية من خلال لغة الموسيقى.
من حيث الموسيقى يمكن القول إن سيستان وبلوشستان من أكثر المناطق تنوعًا وروعة في إيران؛ موسيقى خاصة وغنية ومؤثرة لا يزال الكثيرون يجهلونها. على مر الزمن، لم تتأثر هذه الأغاني بموسيقى بلوشستان وباكستان والهند فحسب، بل أثرت أيضًا على موسيقى تلك المناطق؛ وهو رابط ثنائي الاتجاه يُظهر المكانة البارزة لموسيقى هذه المنطقة في المشهد الثقافي للمنطقة.
يعود أصل الموسيقى البلوشية إلى مدينة إيرانشهر، التي تتميز بطبيعة وجودة خاصة بين جميع محترفي الموسيقى في مناطق إيران المختلفة. التنوع اللحني والإيقاعي للأعمال الموسيقية والموسيقيين المشهورين، ووجود آلات موسيقية ذات نسيج وتركيب مختلف عن تلك الموجودة في مناطق إيران الأخرى، منح موسيقى هذه المنطقة مظهرًا مميزًا.
معظم أشعار وكلمات هذه الموسيقى هو البعد عن الحبيب والوطن والشوق، ولكن ما يُذاع على نطاق واسع في وسائل الإعلام هو أكثر بهجة وشعبية من الأنواع الموسيقية الأخرى. تُستخدم في هذا النوع من الموسيقى البلوشية معظم آلاتها، بما في ذلك الآلات الوترية والإيقاعية والنفخية. ومن هذه الآلات: سروز، بنجو، رباب، تنبيرگ، دونلي، دهلك، كوزگ و كنجري.
في موسيقى سيستان، الجزء الأهم هو الأغاني والذي يُسمى "سيتَك"،. يؤدى السيتَك عادةً على شكل مقاطع شعرية مكونة من بيتين، أو أربعة أبيات متساوية الوزن؛ والفرق هو أن القافية فيها ليست بالضرورة متطابقة. تتميز هذه الأغاني بتنوع ملحوظ في موضوعاتها، وتنقسم إلى مواضيع مثل :
المجازات والزراعة والرعي، والوصف، والرحلة ، والرومانسية، والساخرة، والفكاهية، والعسكرية، والدينية. كل نوع من هذه الأنواع يعكس الحياة اليومية لشعب سيستان ومعتقداته ومشاعره.
أما في بلوشستان، فإن "ليكو" اسم لأبرز وأهم مقام موسيقي في موسيقى شمال وفي المناطق الوسطى والجنوبية منها ، وخاصةً مكران،و هو يُعتبر مرادفًا لأغنية "ذِهيروك". موضوع الليكو الرئيسي هو انعكاس للحزن والأسى والشوق؛ ولذلك، وُضعت العديد من التهويدات والنواح وأغاني العمل، وحتى بعض الأغاني البلوشية، بناءً على بنية هذا المقام وجودته.
الليكو ليس أغنية واحدة فحسب، بل له أنواع مختلفة، يرتبط كل نوع منها بمنطقة وأسلوب حياة، وأحيانًا بعشيرة وقبيلة محددة. يمكن اعتبار الليكو من أكثر التراث الموسيقي حيويةً في بلوشستان، والذي لا يزال يعكس روح أهالي هذه الأرض على مر العصور.
على الرغم من أن دمج موسيقى بلوشستان مع الاحتفالات والتقاليد العرقية قد سمح لها بالبقاء حتى يومنا هذا، إلا أن نطاقها الواسع أدى إلى ظهور العديد من الأقسام وأسماء وكلمات متعددة. كما هو الحال مع موسيقى المجموعات العرقية الإيرانية الأخرى، فإنها تحمل العديد من علامات الثقافة الإيرانية الأصيلة والمعتقدات الإسلامية.
للأغاني الشعبية في بلوشستان مكانة خاصة في حياة الناس. لا تُؤدى هذه الأغاني في الاحتفالات الكبرى كالأعياد الدينية والوطنية فحسب، بل لها حضور بارز أيضًا في الطقوس العائلية كحفلات الزفاف وحفلات استقبال المواليد الجدد، وتُصاحب اللحظات السعيدة بألحانها العذبة.
للرجال البلوش موسيقاهم الخاصة، والتي غالبًا ما تُعزف بآلة موسيقية. بشكل عام تُسمى كل مقطوعة أو أغنية "طرز". ولطالما عُهد بأداء هذه الموسيقى الأصيلة إلى موسيقيين ومغنين ورثوا فنهم عن أسلافهم. يُطلق على هؤلاء الفنانين التقليديين لقب "بهلوان"، وهي كلمة مشتقة من مقطعين: "بهلَو" بمعنى الشجاعة والحكمة، و"دان" بمعنى المغني.
يستخدم المغنون البلوش اليوم طريقتين رئيسيتين في أداء الموسيقى: الأولى، اداء الأغاني باللغات واللهجات المحلية في المنطقة، والثانية، اداء الأغاني باللغة الفارسية، المعروفة بين الناس باسم " پارسيواني ". هاتان الطريقتان، كجسررابط بين الثقافة الأصيلة والتراث الوطني، جعلتا موسيقى بلوشستان جزءًا لا يتجزأ من الثقافة الإيرانية.
في أرض سيستان وبلوشستان الشاسعة، تحظى الفنون والحرف اليدوية بمكانة خاصة. فهذا القطاع لا يعكس ثقافة وهوية أهل هذه الأرض فحسب، بل يلعب أيضًا دورًا بارزًا في الحياة اليومية، إذ يوفر فرص عمل ويضمن معيشة الأسر. تتجذر هذه الفنون الأصيلة في روح العمل الجاد والصبر والفن لأهل هذه المنطقة من إيران، وتتشكل أولا في قلوب أهل القرى وعلى أيدي النساء والفتيات الفنانات؛ نساء يُخلدن بأيديهن الماهرة ثقافة وتاريخ أرضهن على خيوط ومنسوجات الأقمشة الملونة.
أهم مظاهر الحرف اليدوية في المحافظة عبارة عن التطريز البلوشي، والسجاد، وتطريز المسكوكات، ونسج الحصير، والفخار، وصناعة المجوهرات، والخراطة، ونسيج الجاجيم والتطريز، ونسج الأقمشة التقليدية، وصناعة الآلات الموسيقية المحلية. يروي كل فن من هذه الفنون قصة عريقة وفريدة من نوعها عن حياة أهل هذه المنطقة.
من بين هذه الفنون والحرف اليدوية، تُعرف حرفة الخياطة بالإبرة البلوشية والتي تعرف بسوزن دورزي بتصاميمها الدقيقة وألوانها المتنوعة، بأنها لغة صامتة للتعبير عن مشاعر المرأة البلوشية. كما تشتهر سجادات وبسط سيستان، التي تستند إلى تقاليد تربية الماشية الواسعة في هذه المنطقة، بأنماطها اللافتة للنظر. ويُعدّ تطريز العملات المعدنية مظهرًا من مظاهر الفرح والاحتفال، ويُستخدم في طقوس الزفاف والاحتفالات الوطنية، ويضفي جمالًا مضاعفًا على الملابس والأقمشة.
أما الفخار التقليدي، القائم على الحرف اليدوية دون استخدام الأدوات الحديثة، فيمتد جذوره إلى التاريخ العريق لهذه الأرض، كما أن نسج الخوص، باستخدام أشجار النخيل البرية المتنوعة، أضفى على المنازل والأسواق المحلية مظهرًا طبيعيًا وأصيلًا.
هذه الحرف اليدوية، التي لاتعدو كونها مجرد عمل أو هواية، بل إنها تراث قيّم ورأس مال ثقافي يُظهر الإبداع اللامتناهي والارتباط الوثيق لأهل سيستان وبلوشستان بالطبيعة وتاريخهم.
في عام ٢٠١٧، سجّل المجلس العالمي للحرف اليدوية قرية كلپورگان التاريخية في سيستان وبلوشستان كـ "قرية عالمية للفخار". يُعدّ هذا شرفًا كبيرًا للمحافظة، إذ تُعدّ كلپورگان أول قرية إيرانية تُدرج في هذه القائمة العالمية، وتُعرف منذ ذلك الحين باسم "متحف الفخار الحي".
في هذه القرية العريقة، المُشتق اسمها من " كلپوره "، وهو نبات طبيّ معروف في المنطقة، تُبدع الفنانات البلوشيات الفخار بأيدي ماهرة، دون استخدام أيّ أدوات أو معدات حديثة، الفخار الذي يعود جذوره إلى آلاف السنين.
فخار كلپورگان ، الذي يعود تاريخه إلى أكثر من ٧٠٠٠ عام، ليس مجرد فنّ، بل هو سردٌ حيّ للماضي البعيد؛ أوانٍ مزينة بأنماط وتصاميم مستوحاة من الطبيعة ومعتقدات وطقوس أهل هذه الأرض، وكأنها تُجسّد تاريخ هذه الأرض أمام أعيننا.
في كلپورگان ، يُحتفى بفن الفخار للنساء، لأنّ رجال هذه المنطقة يعملون في الغالب بالزراعة. لطالما تأسست ورش الفخار المنزلية الخاصة للنساء، وهي لا تزال تعمل على نفس النهج. يعود تاريخ هذه الورش إلى زمن لم يكن فيه كمحترفو الفخار يمتلكون عجلة الفخار. ولذلك، لا تزال جميع منتجات الفخار في هذه القرية تُصنع بالطريقة التقليدية .
كل قطعة من فخار كلپورگان، كوثيقة قيّمة، تُخبرنا عن الصلة العميقة بين الإنسان والتربة والطبيعة والتراث الثقافي؛ فنٌّ توارثته الأجيال، ولا يزال محافظًا على أصالته وجماله.
ما يُضفي على هذه الفخاريات روعةً هو مظهرها الأسطوري والتاريخي؛ إذ لا تُستخدم فيها أي طبقة طلاء في عملية تصنيعها. كل شيء بسيط وأصيل. تُطبّق الفنانات البلوشيات أنماطًا على الفخار عمرها آلاف السنين بأيديهن؛ أنماط هندسية وتجريدية يبدو أنها انتقلت من أعماق التاريخ إلى يومنا هذا.
تستخدم الفنانات ألوانًا طبيعية للزينة؛ لون بني أو أسود يُحصل عليه عن طريق إذابة حجر يُسمى "تيتوك" في الماء؛ حجرٌ موجودٌ في قلب طبيعة المنطقة، وخاصةً في تلة آچار كهوران.
من بين هذه النقوش، تبرز بوضوحٍ آثار طبيعة سيستان وبلوشستان: أشجار النخيل، والزهور، والأمواج، والتصاميم البسيطة والمبتكرة. نساءٌ ينقشن هذه العلامات على الفخار، بذوقهن وخيالهن، وبأداةٍ بسيطةٍ كعود الثقاب، حتى يدخل في الفرن؛ عندها يُصنع إناءٌ ليس مجرد قطعةٍ وظيفية، بل هو سردٌ للثقافة والحياة.
أظهرت الاختبارات التي أُجريت على هذه الأطباق الفخارية أنه بالإضافة إلى امتصاص أملاح الماء الزائدة، فإن تخزين الماء أو طهي الطعام وتقديمه فيها يُسهم في امتصاص الجسم لكميةٍ أكبر من الحديد. تتميز هذه الأطباق بلونٍ فاتحٍ جدًا قبل الطهي، والذي يتغير تمامًا بعد الطهي في الفرن ليصبح برتقاليًا جميلًا.
من المهم أن تعرف عند استخدام هذه الأطباق أنه في المرة الأولى التي تستخدم فيها فخار كلپورگان ، ستتحول يدك إلى اللون الأسود عند لمس الفخار. لا تتفاجأ ولا تتردد في الشراء. لا تنسَ أن من أهم مزايا فخار كلپورگان خلوه من أي مواد صناعية. هذا الفخّار لا يحتوي على طلاءٍ زجاجيّ، ولذلك يُصبح لون التيتوك أسود قليلاً عند اللمسة الأولى.
انقع الطبق في الماء مرة واحدة فقط لمنع اللون من الوصول إلى يدك. بعد ذلك، ستحصل على طبق يعود تاريخه إلى آلاف السنين، وستُسحر بلونه ورائحته وجماله في كل مرة تستخدمه.
اهتمام أهالي سيستان وبلوشستان بالفن والجمال دفهم إلى السعي لإضفاء الجمال على كل كائن حي وغير حي. لذلك، على الرغم من كثرة فنون النسيج، إلا أن كلا منها نادر، وبالطبع شائع بطريقته الخاصة.
ربما لم تسمع بهذه الحرفة اليدوية من قبل، أو إن سمعت بها، فقد لا تكون على دراية بطبيعتها. حرفة "خولك بافي" التي تُسمى تگردبافي باللهجة السيستانية وسيس بافي باللهجة البلوشية، إذ هي نفسها حصير بافي بالفارسية أو نسج الحصيرة.
يعود تاريخ هذا الفن العريق إلى المدينة المحروقة، وقد كان جزءًا لا يتجزأ من حياة أهالي سيستان وبلوشستان منذ العصور القديمة وحتى يومنا هذا. إنها ليست مجرد حرفة يدوية بسيطة، بل هي علامة على ثقافة وهوية ومهارة شعبٍ استثمر الطبيعة ببراعة.
المادة الخام في خولك بافي هي أعواد القصب. في هذا الفن، تُستخدم الألياف المحيطة بشجرة النخيل، والتي تُسمى گيس باللهجة المحلية، وبالطبع، في بعض الأنواع، تُستخدم أيضًا أوراق أشجار النخيل البرية.
من بين أفضل أماكن نسج الحصيرة في سيستان وبلوشستان القرى المحيطة بجبل خواجه، ومقاطعة زابل، ونيكشهر، وسراوان، ومقاطعة سرباز.
إلى جانب فن الخُولَك العريق، يتمتع إنتاج الحصير بتاريخ عريق في سيستان وبلوشستان، كما تحظى سجاد هذه المنطقة تحديدًا بشهرة عالمية. يعتبر الكثيرون سجاد سيستان نتاجًا للتاريخ والطبيعة؛ فهو جوهرة نادرة لا تذبل مع الزمن. تحكي كل عقدة فيه صورة من الأحلام والخيال؛ ومزيجا من العناصر السحرية والزخارف المستمدة من الثقافة الأسطورية، إلى جانب ذوق وأناقة وعبقرية الفنانين الذين لا تزال إبداعاتهم مبهرة حتى يومنا هذا.
يزخر سجاد سيستان بالزخارف الهندسية والمبسطة للحيوانات والنباتات؛ وهو ما يُعرف في عالم الفن اليوم بالتجريد والأساليب الحديثة. يبدو الأمر كما لو أن فناني سيستان كانوا روادًا لا مثيل لهم في هذه الحركة الفنية منذ آلاف السنين.
تاريخيًا، يُقسّم سجاد سيستان إلى ثلاث فترات:
"السجاد التاريخي (القديم)، والسجاد المتوسط، والسجاد الحديث".
يرتبط السجاد القديم والتاريخي بالنسيج السكيثي، ويُعرف بعقده التركية؛ وهي دلالة واضحة على صلته بأقدم سجادة في العالم أي سجادة بازيريك. الألوان الغالبة في هذه السجاد هي الكحلي، الفيروزي، الأصفر، والأحمر، وتشمل زخارفها تصاميم الخِشْتِي أي الطوبي، ذات الخِشْتَيْن، الخِشْتَة الخِشْتَة، إضافةً إلى النقوش المزهرية والشجرية. تُنسج السجادات المتوسطة بعقد فارسية، وتشبه ألوانها السجاد القديم.
تُعرف نقوش هذه الفئة في الغالب بأنماط الغابة، الزهور الصغيرة ، والمددخاني، والقاب قابي.
السجادات الحديثة يتم حياكتها أيضًا بعقد فارسية، وتتضمن زخارف مثل المحرمات و لچك ترنج .
إن فن نسج السجاد في سيستان وبلوشستان، كغيره من الحرف اليدوية في هذه المحافظة، ليس جزءًا من الحياة اليومية لأهل هذه الأرض فحسب، بل هو أيضًا مرآة للتاريخ والثقافة والفن الإيراني؛ فنٌّ ضاربٌ في القدم، ولا يزال حيًا ونابضًا بالحياة في عالم اليوم.
وهكذا، تنتهي رحلتنا الأخرى بين أغاني وزخارف سيستان وبلوشستان؛
رحلة إلى أرضٍ لا تُجسّد موسيقاها وحرفها اليدوية فنّ وذوق أهلها فحسب، بل هي أيضًا جسرٌ بين ماضيها البعيد وحاضرها. من مقام "ليكوي" الحزين إلى "سيتك" الباعثة للحياة ومن فخار كلپورگان العريق إلى سجاد سيستان الأسطوري، كلٌّ منها يروي قصةً خالدةً من الحبّ والإيمان والجهد والإبداع.
نأمل أن تكون هذه الرواية قد عرّفتكم على روعة وجمال هذه الأرض، وأن تزيد من رغبتكم في السفر إلى هذا الجزء من إيران.
في الحلقة القادمة من هذا البودكاست، سنزور سيستان وبلوشستان مجددًا، وسنحاول أن نُحدّثكم عن الجبال الصغيرة، وبحيرة ليبار، ومعالم سياحية أخرى مذهلة في الجزء الأخير من تعريفنا بهذه المحافظة.
إلى اللقاء
حتى قصة أخرى من إيران