البث المباشر

دلالات وصف الله تبارك وتعالى لخلق رسوله الكريم بالعظمة في الاية الكريمة

الثلاثاء 18 يونيو 2019 - 14:41 بتوقيت طهران

الحمد لله وليّ كلِّ نعمة، والقاضي في كلِّ أمرٍ بالعدل والحكمة، وأزكي صلواته علي حبيبه المصطفي وأوصيائه الأئمة.
من قبل - وما زالت - هذه البشريّة تفتح عيونها علي السماء ترمقها بنظراتٍ متوسلّة مُسترحمة، تريد من خالق هذا الكون أن يبعث إليها حاكماً من عنده، حاكماً ينشر عليها من أخلاق بارئه، من: العطف والرحمة والرأفة والحنان، والعفو والصفح والمغفرة والإحسان، والعدل والكرم والتقوي والإيمان، ومن كلّ ما هو مُنتَمٍ إلي الخُلُق العظيم. لكن إنما ينشر الحاكم الإلهيّ المبعوث كلَّ ذلك إذا كان متحلّياً بأخلاق الله جلّ وعلا، وكان صادقاً أميناً، عادلاً رحيماً، متواضعاً عفـّواً حليماً، صابراً زاهداً، طاهراً عابداً، وكان علي خُلُقٍ عظيم وقد كان كذلك محمّدٌ المصطفي الصادقُ الأمين، صلوات الله عليه وعلي آله الميامين، حتـّي مدحه الجليل جلّ شأنه، فناداه بآيةٍ حبيبة: «وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ» (سورة القلم، ٤).
إن الذي يصف النبي الأكرم (صلي الله عليه وآله) بأنه علي خلق عظيم هو الله سبحانه وتعالي، وهو جل جلاله منزهٌ عن كل أشكال المبالغة في وصف أي شيء، فوصفه لأي شيءٍ يعبر بدقة عن الموصوف دون أدني زيادة أو نقصان.

*******

ما هي دلالات وصف الله تبارك وتعالى لخلق رسوله الكريم بالعظمة في الاية الكريمة، الاجابة عن هذا السؤال نتلمسها في الحديث الهاتفي لسماحة الشيخ حسن الكشميري الخطيب المنبري والباحث الاسلامي من قم المقدسة:
الشيخ حسن الكشميري: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا واله الطيبين الطاهرين.
هذا الوصف الالهي لشخصية الرسول (صلى الله عليه وآله) هو في الواقع لتبيين مقامه وموقعه عند الله سبحانه وتعالى لتعرف البشرية قدره، نحن نعرف بأن الله سبحانه وتعالى جعل قمة الكمال هو العقل البشري وهذا العقل البشري يتجلى كماله في حالتين هي حالة العلم وزائداً مشفوعاً بالحلم وما من شك ان نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) من الناحية العلمية الله عزوجل يخاطبه: «وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا» اي علمك بهذا الحجم بحيث الله سبحانه وتعالى يعبر عن الدنيا ولذائذها وما فيها من زينة بمتاع قليل لكن بالنسبة الى علم النبي (صلى الله عليه وآله) يصفه بالعظمة «وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا» واما بالنسبة الى الحلم كذلك الله سبحانه وتعالى يصف حلم النبي بالعظمة، قال عز من قائل: «وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ»وطبعاً النبي (صلى الله عليه وآله) تردد الحديث في القرآن الكريم حوالي في اكثر من خمسة واربعين آية في شخص الرسول والله سبحانه وتعالى مرة يتحدث عن عبادة النبي ومرة يتحدث عن خشوع النبي والى ما هنالك وكل ذلك ليبرز للناس وللانسانية عظمة الرسول وكما قلت مرة يصف حلمه واخلاقه بالعظمة ومرة يصف علمه بهذه الدرجة من العظمة ومرة الله عزوجل يكشف من جانب آخر مكانة الرسول حينما يقول: «لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ، وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ» والله عزوجل يبين اولاً عظمة الكعبة او مكة ثم عظمة النبي بحيث لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ طالما انت يا رسول الله او يا ايها النبي في هذا البلد. بهذه الدلالات الواضحة نعرف ما يريده القرآن الكريم من اطلاق هذه الصفات على نبينا نبي الرحمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن هذه الزاوية نلاحظ ان الله سبحانه وتعالى يخاطب النبي بصورة خاصة غير ما خاطب كل الانبياء فمثلاً نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام رغم انه من اولي العزم لكن الله عزوجل يخاطبه: «أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ» ولكن بالنسبة لنبينا قال:«واخرج الناس» يعني عامة الناس من الظلمات الى النور او في منطلق اخر نلاحظ ان الله عزوجل يسلم على اربعة من الانبياء سلاماً خاصاً بهم «سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ»، «سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ»، «سَلامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ» لكن بالنسبة الى نبينا يخاطبه«يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ» ثم بعد ذلك الله عزوجل في ظاهرة خاصة للنبي (صلى الله عليه وآله) قال «سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ» وطبعاً الامام الرضا (عليه السلام) اجاب بهذا في مجلس المأمون العباسي لما سأله المأمون امام حوالي اثني اربعين عالماً من مختلف الاديان الصابئة والمجوس والنصارى وغيرهم فقال هل من آية خصتكم في القرآن يا آل بيت رسول الله؟
قال له الامام الرضا: بلى قرأت هذه السورة يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ؟
قال: نعم.
قال: من هو يس؟
قال: رسول الله.
قال: الله سبحانه وتعالى خصه.
فقال: «سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ». على اي حال الحديث في هذا المجال فيه كلام كثير، القرآن خص النبي صلى الله عليه واله وسلم في اكثر من اثنين واربعين موضعاً وصفة وهذه اختص بها رسول الله وتعطي دلالة واضحة على مكانة النبي (صلى الله عليه وآله) عند الله سبحانه وتعالى.

*******

الخُلُق هو الملكة النفسيّة التي تصدر عنها الأفعال بسهولة، والآية المباركة: «وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ» في نفسها تمدح حُسن أخلاق النّبي (صلّي الله عليه وآله) وتعظّمه، غيرَ أنها بالنظر إلي خصوص السياق ناظرةٌ إلي أخلاقه الجميلة؛ أخلاقه الاجتماعية المتعلّقة بالمعاشرة: كالثّبات علي الحقّ، والصبر علي الأذي، أذي الناس، وعلي جفاء أجلافهم، والعفو والصّفح، وسعة البذل، والرّفق والمداراة، والرحمة والتواضع، وغير ذلك وذلك ما كان أشدّ ما تحتاج إليه البشرية ليسوسها، ويأخذ بيدها إلي مرافئ الحياة الهادئة الهانئة، إذا سلّم المجتمع إليه قياد نفسه، وتعلم ذلك المجتمع من هذا الإنسان الكامل مكارم الأخلاق وفضائلها.
كتب ابن شهر آشوب السَّرَوي في مؤلفة الفاخر (مناقب آل أبي طالب): كان النبيُّ (صلي الله عليه وآله) قبل البعثة موصوفاً بعشرين خصلة ً من خصال الأنبياء، لو انفرد واحدٌ بأحدها لَدَلّ علي جلاله، فكيف من اجتمعت فيه؟!
كان (صلي الله عليه وآله): أميناً، صادقاً، حاذقاً، أصيلاً، نبيلاً، مكيناً فصيحاً، عاقلاً فاضلاً، عابداً زاهداً، سخيّاً كميّاً، أي شجاعاً-، قانعاً، متواضعاً، حليماً رحيماً، غيوراً صبوراً، موافقاً مرافقاً وكان (صلي الله عليه وآله) ثابتاً في الشدائد وهو مطلوب - أي مُعادي -، وصابراً علي البأساء والضّراء وهو مكروبٌ محروب، وكان زاهداً في الدنيا، راغباً في الآخرة.
وكتب ابنُ سعد الواقديّ في (الطبقات الكبري) أنّ ابن عبّاس سأل يوماً كعب الأحبار: كيف تجدُ نَعتَ رسول الله في التوراة؟
فأجابه قائلاً: نجده هكذا: محمّدُ بنُ عبد الله ليس بفحّاش ٍ ولا بصخّاب ٍ في الأسواق، ولا يكافيء بالسّيئة، ولكن يعفو ويغفر.
وروي الطّبرسي رضيُّ الدين أبونصر الحسنُ بن الفضل في كتابه (مكارم الأخلاق) أنّ أمير المؤمنين عليّاً (عليه السلام) كان إذا وَصَف رسول الله (صلي الله عليه وآله) قال: كان أجود الناس كفّاً، وأجرأ الناس صدراً، وأصدق الناس لهجة، وأوفاهم ذمّة، وألينَهُم عريكة، وأكرمهم عِشرة، ومن رآه بديهة ً هابه، ومن خالَطَه فعرفه أحبّه، ولم أر مِثله قَبلَه ولا بعده - لعلّ الغرب - وهو يطالع تاريخ الشرق - قد أصيب بدهشة شديدة، وراءها تساؤلاتٌ عديدة: كيف استطاع نبيُّ الإسلام أن يقود أمّة ً ممزّقة، جاهليّة ً متخلِّفة، فيجعل منها دولة ً كبيرة ترقي بحضارتها الشامخة فوق الحضارات، وذلك في مدّة قصيرة؟! وكيف تحكمت شخصيّة نبيّ الإسلام في قلوب الناس وعقولهم ونفوسهم علي مدي هذه القرون، وما تزال حاكميّته مترسّخة ً في الأمة؟!
كتب المفكر الإنجليزي «هِيل»: إنّ كلَّ رجال الدعوة والأنبياء قد أثروا تأثيراً عميقاً في حضارات عصورهم وأقوامهم، ولكنّنا لا نعرف في تاريخ البشر أنّ دِيناً انتشر بهذه السرعة وغيّر العالم بأثره المباشر كما فعل الإسلام.
ولعلّ هذا الأمر هو الذي حدا بالدكتور مايكل هارت أن يختار اسم نبيّنا محمدٍ (صلي الله عليه وآله) في أوّل قائمةِ أهمّ رجال التاريخ، مُعلّلاً اختياره ذاك في كتابه (المِئة ُ الأوائل) بقوله: لقد اخترتُ محمّداً في أولّ هذه القائمة، ولابُدّ أن يندهش كثيرون لهذا الاختيار، ومَعَهم حقٌّ في ذلك. ولكنّ محمّداً هو الإنسان الوحيد في التاريخ، الذي نجح نجاحاً مُطلقاً علي المستوي الدينيّ، والدُّنيويّ. ويُضيف (هارت) قائلاً: إنّ محمّداً هو أعظم زعيم ٍ سياسيٍّ عَرَفه التاريخ، فهذا الامتزاجُ المعتدلُ بين الدِّين والدنيا هو الذي جعلني أُؤ منُ بأنه أعظمُ الشخصيّات أثراً في تاريخ الإنسانيّة كلّها.
وكتب «وُول دِيورانت» يقول: استطاع محمّدٌ في جيلٍ واحدٍ أن ينتصر في مئةِ معركة، وفي قَرن ٍ واحدٍ أن ينشيء دولة ً عظيمة. هذا، فيما جاء في (دائرة المعارف البريطانية - في طبعتها الحادية عشرة) ما ترجمتُه: كان محمّدٌ أظهرَ الشخصيات الدينيّة العظيمة، وأكثرَها نجاحاً وتوفيقاً، فلقد استطاع في سنواتٍ معدودة ٍ أن يقتلع جميع السعادات الفاسدة من جزيرة العرب، وأن يرفعها من الوثنيّةِ المُنحطّة إلي التوحيد الخالص، وحوّل أبناءَ العرب - الذين كانوا أنصاف برابرة - إلي طريق الحقّ والفرقان، فأصبحوا دُعاةَ هُديً ورَشاد، بعد أن كانوا دُعاةَ وثنيّةٍ وفساد، وانتشروا في الأرض جاهدين في إعلاء كلمة الله.

*******

 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة