البث المباشر

«اقتصادُ الجوار.. فرصٌ وآفاق» / هل تواجه إيران طوقاً جغرافيا واقتصادياً؟

السبت 31 أكتوبر 2026 - 18:13 بتوقيت طهران

حين تُطرح فكرة حصار إيران، تتوجه الأنظار دائماً نحو العقوبات الأمريكية المفروضة في البحار والأسواق المالية؛ لكن القصة الحقيقية والأكثر خطورة تُكتب بصمت على الحدود البرية. اليوم، نفتح ملفاً بالغ الحساسية: هل تواجه إيران طوقاً جغرافيا واقتصادياً يحاك ببطء على حدودها مع الجيران؟

أهلاً ومرحباً بكم مستمعينا الكرام في حلقة جديدة من برنامجنا «اقتصادُ الجوار.. فرصٌ وآفاق» حيث نتابع آخر التطورات الاقتصادية الإيرانية والعلاقات الاقتصادية بين إيران والدول العربية، ونسلط الضوء على التعقيدات التي تحكمُ هذه العلاقات.

حين تُطرح فكرة حصار إيران، تتوجه الأنظار دائماً نحو العقوبات الأمريكية المفروضة في البحار والأسواق المالية؛ لكن القصة الحقيقية والأكثر خطورة تُكتب بصمت على الحدود البرية. اليوم، نفتح ملفاً بالغ الحساسية: هل تواجه إيران طوقاً جغرافيا واقتصادياً يحاك ببطء على حدودها مع الجيران؟ بين أسوار باكستان الخرسانية، وتناقضات بغداد الحدودية والمالية، وجدران تركيا ومشاريعها الممرّية... نسأل اليوم: هل تنجح مساعي الحصار البري، أم أن جغرافيا المنطقة وقوانين الاقتصاد أكبر من كل الجدران؟

للإجابة عن هذا التساؤل، التقينا بأحد أساتذة جامعة طهران… ندعوكم للبقاء معنا حتى نهاية البرنامج؛ ولكن قبل ذلك، نقف وإياكم مع أبرز الأخبار التي اخترناها لكم.

طهران وبكين تبحثان الإنتاج المشترك للأجهزة المنزلية

التقت الأمينة العامة لجمعية صناعات الأجهزة المنزلية الإيرانية، ممثلي غرفة التجارة الصينية وجمعية الأجهزة المنزلية الصينية، على هامش معرض كانتون في الصين، واقترحت إنشاء خطوط إنتاج مشتركة للأجهزة المنزلية بين البلدين. وأكدت نسرين أوجاقي، خلال اللقاء، أهمية تطوير التعاون الصناعي والتجاري، والاستثمار المشترك، وإنشاء خطوط لإنتاج الأجهزة المنزلية في إيران، مشيرة إلى أن إنشاء خطوط إنتاج مشتركة في إيران يمثل فرصة أمام الشركات الصينية للوصول إلى أسواق الدول المجاورة، مشددة على أهمية نقل التكنولوجيا، وتبادل الخبرات الفنية، وتعزيز القدرات الإنتاجية للمصنعين الإيرانيين، والاستفادة من خبرات الشركات الصينية الرائدة.

تنويع المنافذ الحدودية لتعزيز الصمود الاقتصادي

أكدت المديرة العامة للشؤون السياسية والدولية في معاونية الشؤون الاستراتيجية لرئاسة الجمهورية ضرورة الاستفادة القصوى من الإمكانات الحدودية للبلاد، مشيراً إلى أن تنويع المسارات التجارية يندرج ضمن الخطط الرامية إلى تعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على الصمود. وشددت حنانة درشتي على أهمية الاستفادة القصوى من الإمكانات الحدودية للبلاد لتطوير التجارة وتسهيل التبادلات وتعزيز الصمود الاقتصادي، مضيفة: أن المعابر الحدودية للبلاد تعد من الإمكانات الاقتصادية المهمة، ويمكنها أن تؤدي دوراً فاعلاً في التوزيع الملائم لحركة البضائع التجارية، وتسهيل تدفق المبادلات، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على الصمود، موضحة: أن تنويع المسارات التجارية وتعزيز الصمود الاقتصادي يأتيان، بناء على توجيهات رئيس الجمهورية، ضمن أولويات العمل، مؤكداً أن تفعيل المعابر الحدودية يمكن أن يخفف جزءاً من الضغط التجاري عن المسارات القائمة، ويوفر فرصاً أوسع لتطوير المبادلات التجارية وحركة الترانزيت في البلاد في ظل الظروف الراهنة.

العراقيون يحتجون على إغلاق منفذ الشيب الحدودي

قطع عشرات العراقيين في محافظة ميسان، الأحد الماضي، الطريق الرئيس المؤدي إلى الشركات النفطية، احتجاجاً على قرار الحكومة العراقية بإغلاق منفذ الشيب الحدودي. وأغلق المحتجون طريق بازركان الحيوي للشركات النفطية في المحافظة، وردّدوا شعارات تطالب بالعدول عن القرار، وسط انتشار أمني مكثف أحاط بموقع التظاهرة. وشهدت أسواق المحافظة ارتفاعاً حاداً في أسعار الخضراوات والفواكه عقب القرار؛ ما دفع مواطنين عبر منصات التواصل الاجتماعي إلى المطالبة بإعادة فتح المنفذ واستئناف الحركة التجارية. وكانت الحكومة العراقية قررت، الثلاثاء الماضي، إغلاق منفذ الشيب الحدودي مع إيران حتى إشعار آخر.

فاصل

(المحور الأول)

حين نتحدّث عن محاصرة إيران، تتجه الأنظار دائماً نحو حاملات الطائرات الأمريكية في البحار، أو قرارات العقوبات الصادرة من واشنطن؛ لكن، هل يكتمل هذا الطوق دون جغرافيا الجوار؟ اليوم، نضع الأصابع على الجراح الحقيقية ونفتح ملفاً لا يُطرح كثيراً في الإعلام: حدود إيران مع جيرانها البريين... هل تحولت من بوابات للتنفس والتكامل إلى جدران للإغلاق والحصار؟ بين تناقضات بغداد، وحسابات إسلام آباد، وطموحات أنقرة الجيوسياسية... كيف تمارس دول الجوار تضييقاً على شريان طهران البري؟ وما هي الحدود الفاصلة بين المبررات الأمنية... والضغوط الأمريكية؟

نبدأ من الجار الغربي... العراق.

في الخطاب السياسي والدبلوماسي، لا تكاد تخلو تصريحات المسؤولين العراقيين، بدءاً من رئاسة الوزراء وصولاً إلى الوزارات المعنية، من التأكيد على عمق العلاقات الاستراتيجية وحاجة بغداد للغاز والكهرباء والسلع الإيرانية؛ ولكن، على أرض الواقع والمنافذ الحدودية، يرى المراقبون مشهداً مغايراً ومربكاً يحمل الكثير من التناقض: من جهة، إجراءات متكررة في إغلاق المنافذ أو عرقلة تدفق الشاحنات التجارية في شلمجة ومهران وزرباطية تحت عناوين «تنظيم الكمارك» أو «حماية المنتج المحلي». ومن جهة أخرى، تشييد خنادق وحواجز أمنية واسعة على الحدود المشتركة بضغوط ورقابة أمنية أمريكية معلنة.

والأخطر من ذلك هو الملف الجيواقتصادي؛ فبينما يتباطأ تنفيذ مشروع ربط السكك الحديدية (شلمجة - البصرة)، تمضي بغداد بخطى متسارعة نحو مشروع «طريق التنمية» الممتد من ميناء الفاو إلى تركيا، وهو مشروع مصمم هيكلياً للالتفاف على الأراضي الإيرانية وعزلها عن خطوط الربط المباشر نحو المتوسط وأوروبا. هل هي سياسة رسمية عراقية؟ أم أن بغداد تجد نفسها أسيرة بين مطرقة سيف العقوبات الأمريكية على البنك المركزي والدولار، وسندان الجغرافيا الإيرانية التي لا فكاك منها؟

وإذا اتجهنا شرقاً نحو باكستان، فإن المشهد يتخذ طابع الإغلاق الفعلي المقنّع بستار الأمن.

على طول 900 كيلومتر، استكملت إسلام آباد تشييد سياج حدودي محكم، وفرضت قيوداً غير مسبوقة على حركة التنقل والتبادل التجاري، مع تكرار إغلاق المعابر الرئيسية مثل تفتان - ميرجاوة، وريمدان - كبد.

الذرائع الباكستانية المعلنة تدور دائماً في فلك مكافحة الإرهاب، والجماعات الانفصالية، ومكافحة تهريب الوقود؛ لكن السؤال الذي يطرحه الشارع والخبراء: منذ متى كان تنظيم الأمن يعني قطع الأرزاق وإيقاف التبادل التجاري الطبيعي بين الشعبين؟

الحقيقة العميقة تشير إلى أن باكستان، المحكومة باتفاقيات صندوق النقد الدولي، والواقعة تحت مجهر الرقابة الأمريكية والخليجية، تتهرب عمداً من فتح آفاق التجارة الحرة مع إيران. والنموذج الأوضح على ذلك هو تجميد خط أنبوب الغاز الاستراتيجي المشترك «خط السلام» لسنوات طويلة تحت طائلة التهديد بالعقوبات الغربية، ما يجعل من الإجراءات الباكستانية على الحدود مساهمة فعلية في تضييق الخناق على الاقتصاد الإيراني.

أمّا الشريك والمنافس الإقليمي الأكبر، تركيا، فالأمر معها يدخل في إطار استراتيجية جيوسياسية معقدة:

أنقرة أنهت بناء جدار خرساني عازل مدعم بأحدث التقنيات وأبراج المراقبة على حدودها الشرقية مع إيران، بذريعة منع تدفق المهاجرين الأفغان؛ لكن خلف هذا الجدار الإسمنتي، تقف معركة شرسة في قطاع الترانزيت: فرض رسوم جمركية باهظة وغير متكافئة على الشاحنات الإيرانية، وتأخير القوافل التجارية لأيام طويلة في معابر بازركان وغوربولاغ، في محاولة واضحة لإضعاف الميزة النسبية للشحن عبر إيران.

ليس هذا فحسب، بل إن أنقرة تقود بشكل علني مشروع «ممر زنغزور» في القوقاز، بهدف شطب الحدود التاريخية بين إيران وأرمينيا، وتحقيق اتصال تركي مباشر مع أذربيجان ودول آسيا الوسطى، مما يعني حرمان إيران من بوابتها البرية الحيوية نحو أوروبا الشرقية وفرض طوق كامل عليها من الشمال الغربي.

حين نجمع هذه القطع في لوحة واحدة:

جدار وأطماع ممرات في تركيا…

تناقضات وضغوط دولارية في العراق…

وأسلاك شائكة وذرائع أمنية في باكستان…

يتبين بوضوح أن مشروع «الحصار البري» ليس مجرد أوهام نظرية، بل هو مسار تمارسه أطراف إقليمية إما برغبة التنافس والريادة، أو بالخضوع للإملاءات الأمريكية الرامية لخنق إيران برياً بعد فشل الحصار البحري والجوي؛ ولكن، هل تنجح هذه المحاولات؟

الواقع يؤكد أن هذه الجدران والقيود تصطدم بحقيقة بديهية: أن اقتصاديات هذه الدول نفسها لا تستطيع العيش في عزلة عن إيران؛ فتركيا تحتاج إلى الطاقة وممرات آسيا، والعراق لا يمكنه تعويض شرايينه الحيوية مع طهران، وباكستان تختنق بأزمات الطاقة التي لا يحلّها سوى الجار الإيراني.

إن الجغرافيا قيّدت هذه الدول بمصير مشترك، والجدران الإسمنتية مهما علت، لا يمكنها إلغاء حركة التاريخ وقوانين الاقتصاد.

وفي هذا السياق، أجرى زملاؤنا حواراً مع الأستاذ في جامعة طهران، السيد روح‌ الله كهن هوش‌نجاد. وفي مستهل اللقاء، سألناه: ما هو هدف الولايات المتحدة ودول المنطقة من مساعيها الرامية إلى فرض محاصره برية على إيران؟ فأجاب بالقول:

بسم الله الرحمن الرحيم، برأيي ينبغي أن نبدأ بتوضيح مفهوم المحاصرة البرية أولاً. يعني هناك فرق بين إغلاق الحدود فعلياً أمام حركة البضائع مثلاً والأشخاص وبين ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية على الدول المجاورة لإعاقة التجارة الإيرانية أو الحد من وصول إيران إلى الأسواق الدولية. وحتى الآن يعني لا ينبغي افتراض وجود حصار بري شامل ومتكامل من جميع جيران إيران يعني من دون أدلة موثقة على ذلك.

نحن يعني إذا نظرنا إلى المسألة منظور الجغرافية السياسية والاقتصاد السياسي في أي استراتيجية تهدف إلى عزل إيران برياً يمكن أن تسعى إلى التحقيق برأيي أربع أهداف أساسية.

الهدف الأول هو زيادة تكلفة التجارة الإيرانية يعني كلما تراجعت قدرة إيران على استخدام الموانئ والطرق وحتى السكك الحديدية والحدود البرية ارتفعت آنذاك تكاليف استيراد المواد الأولية والسلع الأساسية وتصدير المنتجات.

والهدف الثاني هو تقليص قدرة إيران على الالتفاف على العقوبات يعني التجارة البرية مثلاً مع تركيا والعراق وأذربيجان ودول مجاور أخرى تمنح إيران خيارات إضافية وإن كانت هذه الخيارات لا تستطيع بالضرورة تعويض التجارة البحرية بالكامل لكنها يعني تساعد على الالتفات على العقوبات.

الهدف الثالث هو تأثير في قدرة إيران على الصمود الاقتصادي خلال أزمات يعني السياسة المعروفة بالاقتصاد المقاوم في إيران من خلال الضغط على سلاسل الإمداد والتمويل والتأمين والنقل ومشاكل ذلك.

والهدف الرابع هو إعادة تشكيل خريطة الممرات التجارية في المنطقة بحيث تمر نسبة أكبر من تجارة مثلاً آسيا الوسطى باتجاه تركيا والموانئ الخليجية خارج الأراضي الإيرانية.

لكن هناك نقطة مهمة يعني يجب أن نركز عليها هو أنه لا يمكن اعتبار كل مشروع ترانزيت يتجاوز إيران جزء من مؤامرة لمحاصرتها لأن الدول تتنافس بصورة طبيعية على الممرات التجارية وتسعى على تقليص تكاليف النقل وتنوع خياراتها ويصبح الأمر ذا دلالة استراتيجية مختلفة عندما تقترن المنافسة الاقتصادية بإجراءات منسقة تهدف إلى منع إيران من الوصول إلى الأسواق أو إلى تعطيل رابطها مع جيرانها

وهناك أنا شاهدت بعض التحليلات الحديثة تشير إلى أن الطرق البرية والسكك الحديدية والممرات عبر بحر قزوين تستطيع تخفيف آثار اضطراب التجارة البحرية لكنها لا تستطيع تعويضها بالكامل خصوصا حول صادرات ذات الأحجام الكبيرة لذلك فإن الرد الاستراتيجي الأكثر فاعلية ليس مجرد الاعتراض السياسي على الممرات المنافسة بل بناء شبكة نقل متعددة الاتجاهات وتقليل تكاليف العبور وتطوير الموانئ والسكك الحديدية وتعزيز المصالح الاقتصادية المشتركة مع دول الجوار وهذا مهم جدا

 

فاصل و نواصل

 

(المحور الثاني)

مستمعينا الأفاضل، إذا كانت جدران الجيران ومشاريع العزل تحاول رسم حدود جديدة، فإن التاريخ والجغرافيا يقفان بالمرصاد لفرض حقيقة ثابتة: إيران ليست مجرد دولة مارة، بل هي العقدة المركزية التي لا غنى عنها في خارطة التجارة العالمية. اليوم، نغوص في قوة الجيوسياسية الإيرانية، لنكتشف كيف تسقط مشاريع الحصار أمام قدرة طهران التاريخية واللوجستية كشريان لا يمكن تجاوزه.

حين نناقش محاولات تضييق الخناق البري على إيران، يغيب عن بال المراهنين على سياسة العزل حقيقة جوهرية: إيران تقع في قلب الملتقى الجيوسياسي للعالم القديم والحديث. فمن الناحية الجيواقتصادية، تمتلك الجمهورية الإسلامية مقدّرات استراتيجية كبرى تجعلها عصية على التجاوز؛ وفي مقدمتها ممر «شمال - جنوب»، الذي بات الشريان الأنسب والأكثر أماناً لاختصار مسافات النقل بين آسيا الوسطى وروسيا من جهة، ومياه الخليج الفارسي والمحيط الهندي من جهة أخرى، موفراً على التجار والدول عشرات الأيام ومليارات الدولارات.

وهذه الميزة ليست وليدة اليوم، بل هي امتداد لقدرة تاريخية متأصلة في عمق الجغرافيا الإيرانية: فتاريخياً، كانت الهضبة الإيرانية المحطة الأهم والفقرة الأوصد في «طريق الحرير» القديم، الجسر الذي ربط الشرق بالغرب. وحين اشتعلت نيران الحرب العالمية الثانية وتقطعت السبل أمام قوى الحلفاء لإيصال المؤن والإمدادات الاستراتيجية للاتحاد السوفيتي السابق، تحولت إيران إلى ما أُطلق عليه تاريخياً «جسر النصر»؛ إذ عبرت عبر الأراضي والسكك الحديدية الإيرانية ملايين الأطنان من المعدات التي حسمت المعارك الكبرى، في اعتراف دولي صريح بأن استقرار سلاسل الإمداد العالمية يمر حتماً عبر هذه الأرض.

واليوم، عندما تسعى بعض الأطراف الغربية والشرقية للبحث عن ممرات بديلة لنقل البضائع بين الشرق والغرب -كالالتفاف عبر ممراته المعقدة والمكلفة- فإنها تصطدم بحقيقة اقتصادية مُرّة: كل طريق بديل يبتعد عن الأراضي الإيرانية يعني حتمًا تضاعف تكاليف الشحن، واستهلاك وقود أضعاف المضاعفة، وارتفاع أسعار السلع على المستهلك النهائي في أوروبا وآسيا، فضلاً عن المخاطر الأمنية والسياسية البالغة في الممرات البديلة.

باختصار شديد: محاولة إقصاء إيران لوجستياً هي عملية انتحار اقتصادي لكل مَن يشارك فيها، لأن الجغرافيا لا تُشترى بالقرارات السياسية، وقوانين الاقتصاد العالمي تفرض دائماً العودة إلى المسار الأقصر والأكثر أماناً.

وبهذا الصدد، سألنا الأستاذ في جامعة طهران: ما هي المزايا الفعلية والكامنة التي تمتلكها إيران لإحباط أي محاولة لفرض حصار بري؟ فأوضح قائلاً:

من الواضح أن إيران تمتلك ميزة جغرافية أساسية تتمثل في وقوعها عند نقطة التقاء الخليج الفارسي وبحر عمان من الجنوب وبحر قزوين من الشمال والقوقاز وآسيا الوسطى وعلى المسارات التي تربط شبه القارة الهندية بغرب آسيا وأوروبا.

لكن الميزة الجغرافية لا تتحول تلقائي إلى قوة اقتصادية بل تحتاج إلى بنية تحتية فعالة واتفاقيات عبور وجمارك تنافسية واستقرار سياسي. وأيضا برأيي يمكن تحديد أربع مزايا رئيسية طورتها إيران خلال هذه السنوات أو ما زالت تعمل على تطويرها

أولاً شبكة الطرق والسكك الحديدية التي تربط الشمال بالجنوب والشرق بالغرب وإيران جزء من ممر النقل الدولي من الشمال إلى الجنوب الذي يربط روسيا ودول أخرى في شمال أوراسيا بالموالد الإيرانية والخارجية ويضم هذا الممر أيضا مسارات برية وسككية وبحرية بما يعني يمنح الدول مشاركة خيارات متعددة لنقل البضائع غير أن بعض أجزاء هذا الممر المسارات السككية والبرية لا تزال بحاجة إلى استكمال مثلاً من أبرز الأمثلة في هذا المجال هو الوصلة السككية بين مدينة رشت وأستارا

ثانياً الوصول إلى الموانئ البحرية يعني ميناء بندر عباس يمثل بوابة رئيسية للتجارة الإيرانية وأيضاً ميناء شابهار له إمكانية الوصول إلى بحر عمان والمحيط الهندي من دون المرور من مضيق هرموز وتزداد أهمية شابهار بالنسبة إلى التجارة مع هند وأفغانستان وأسيا الوسطى لكن أيضاً تطويره يحتاج إلى تحسين الربط السككي واللوجستي وتوفير التمويل والتأمين حتى يدخل هذه الموانئ إلى حيز الفعالية

ثالثاً تعدد الحدود البرية يعني إيران تتصل بسبعة دول براً منها العراق وتركيا وأرمينيا وأذربيجان وتركمانستان وأفغانستان وباكستان وهذا يمنحها خيارات مختلفة للتجارة الأقليمية فإذا يعني واجه مسار معين مشكلة سياسية وفنية يمكن تحويل جزء من حركة البضائع إلى مسار آخر طبعاً بشرط وجود القدرة الاستيعابية والاتفاقيات اللازمة

ورابعاً الترابط الاقتصادي مع الدول المجاورة يعني إيران ليست مجرد دولة تعبر بضائع من خلالها إيران أصبحت سوق كبيرة ومصد للطاقة والمنتجات الصناعية والزراعية وإنها توفر لدول آسيا الوسطى والقوقاز منافذ أقصر إلى المياه الدافئة وتخلق هذه المصالح طبعاً حوافز اقتصادية لدى بعض الجيران للحفاظ على طرق التجارة المفتوحة لكن طبعاً من الضروري أن لا نبالغ في تقدير هذه المزايا يعني الممرات البرية أكثر عادة تكلفة في كثير من الحالات من النقل البحري بالنسبة إلى الشاحنات الضخمة مثلاً والاختناقات الجمركية والعقوبات وصعوبات التمويل والتأمين طبعاً قد تحد من قدرتها على العمل بكفاءة وتؤكد طبعاً تحليلات النقل الإقليمية أن إيران تمتلك موقعاً مهماً في شبكات العبور لكنها تحتاج إلى استكمال البنية التحتية وتحسين الإجراءات الحدودية حتى تتحول هذه الميزة إلى ميزة تنافسية مستدامة

لذلك فإن أهم ما يمكن أن تفعله إيران برأيه هو استكمال المشاريع الناقصة ورفع سرعة التلخيص الجمركي وتوحيد الإجراءات مع الدول المجاورة وتطوير خدمات اللوجستية وتوقيع اتفاقيات طويلة لأجل تضمن استمرارية حركة البضاعة

فاصل و نواصل

 

(المحور الثالث)

مستمعينا الكرام، إذا كانت بعض العواصم الإقليمية تحاول مسايرة الضغوط الأمريكية لإحكام طوق الحصار حول إيران، فإن السؤال البديهي الذي تفرضه لغة الأرقام والمصالح هو: مَن يحتاج إلى الآخر أكثر؟ ومَن الذي سيدفع الفاتورة الباهظة إذا ما تحول هذا الإغلاق إلى واقع دائم؟

الحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها هي أن اقتصادات دول الجوار كالعراق وباكستان وتركيا ترتبط بشريان حياة مباشر مع الجغرافيا الإيرانية. فالعراق يعتمد بشكل شبه كامل على الغاز والكهرباء القادمين من إيران لتشغيل محطاته وتوليد أكثر من ثلث طاقته الكهربائية، فضلاً عن كونه سوقاً لمليارات الدولارات من السلع والبضائع والمنتجات الغذائية ومواد البناء الإيرانية.

أمّا تركيا، ورغم محاولاتها لتنويع مصادر الطاقة، فإنها تدرك أن الغاز الإيراني المتدفق عبر الأنابيب يمثل ضمانة أمن طاقوي لا غنى عنها لمصانعها ومدنها الشرقية، إلى جانب التبادل التجاري الضخم الذي تتجاوز أهدافه ثلاثين مليار دولار.

وفي الجانب الشرقي، تقف باكستان أمام أزمة طاقة خانقة تهدد نموها الاقتصادي، وتبقى حاجتها الملحة إلى استيراد الكهرباء والغاز من جارتها الغربية مسألة استقرار داخلي لا تحتمل المجاملات السياسية؛ لكن المفارقة الكبرى تكمن في المعادلة السعرية التي تقدمها طهران؛ فالغاز الإيراني يصل إلى هذه الدول بأسعار تفضيلية منخفضة للغاية مقارنة بأسعار السوق العالمية أو الغاز المسال المنقول بحراً، وهي ميزة اقتصادية لا يمكن لأي شريك دولي بديل أن يقدمها لهم. ورغم هذه التسهيلات الاستراتيجية، تجد إيران نفسها أمام معضلة غير عادلة تتعلق بتعثر تحصيل عائداتها المالية وأموالها المجمدة، لا سيّما في المصارف العراقية، نتيجة الرقابة والضغوط المالية الأمريكية الصارمة المفروضة على الحوالات البنكية.

وهنا تبرز خيارات الردّ وأوراق الضغط؛ فإيران تمتلك مقدّرات جيواقتصادية تمكّنها من قلب الطاولة وتدفيع الثمن لكل مَن ينخرط عملياً في مخططات واشنطن للعزل البري. إن أي إغلاق طويل الأمد للحدود لن يكون مجرد أزمة عبور للبضائع الإيرانية، بل سيتحول سريعاً إلى كارثة اقتصادية واجتماعية في داخل تلك الدول نفسها. فالاستغناء عن الطاقة الإيرانية يعني انقطاعاً شاملاً للتيار الكهربائي في مدن العراق، وشللاً في قطاعات الإنتاج التركية، وعجزاً إضافياً في شبكة الطاقة الباكستانية. هذا إلى جانب حرمان أسواق تلك الدول من بدائل السلع الاستهلاكية الإيرانية منخفضة التكلفة، مما سيؤدي حتماً إلى موجات تضخم غير مسبوقة وارتفاع جنوني في أسعار المواد الأساسية.

إن الجغرافيا الإيرانية ليست سجناً يمكن إغلاق أبوابه بقرار أمريكي، بل هي مخزن الطاقة وشريان التجارة الإقليمي؛ وإذا اختارت دول الجوار قطع هذا الشريان، فإن العقاب الحقيقي لن يأتي فقط من قرارات طهران السيادية بإعادة تسعير طاقتها أو توجيه صادراتها، بل سيفرضه منطق الاقتصاد ذاته حين تجد تلك العواصم نفسها غارقة في أزمات طاقة وغلاء لا طاقة لشعوبها على تحملها.

وفي السياق ذاته، طرحنا على الأستاذ كهن هوش‌نجاد سؤالاً حول الخيارات الاقتصادية والدبلوماسية، بل وحتى التدابير العقابية التي تملك إيران اعتمادها للتعامل مع مخطط الحصار البري؛ فأجاب بالقول:

سؤال المهم هو كيف تستطيع إيران حماية مصالح الاقتصادية والامنية ومنع تحول أراضي الدول المجاورة إلى أدوات لعزلها من دون الدخول في مواجهة مفتوحة مع هذه الدول؟

من ناحية الاستراتيجية، طبعا تمتلك إيران مجموعة من الأوراق الاقتصادية والجغرافية والديبلوماسية، لكن ينبغي التمييز بين أدوات النفوذ المشروعة مثل المصالح التجارية المتبادلة وبين الإجراءات العقابية التي قد تؤدي إلى نتائج عكسية.

أول هذه الأوراق هو الترانزيت، يعني إيران تمثل ممرة مهمة لبعض تجارة الدول الآسيا الوسطى والقوقاز نحو الخريج الفارسي وبحر عمان. كما توفر طبعا لها طرقا للوصول إلى الأسواق والموانئ ويمكن لطهران استخدام هذه الميزة في التفاوض على اتفاقيات عبور طويلة الأجل وتسهيلات جمركية متبادلة واستثمارات مشتركة في السكك الحديدية والموانئ.

وكلما أصبحت مصالح الدول المجاورة مرتبطة باستمرار التجارة عبر إيران، ارتفعت التكلفة الاقتصادية لأي قرار بإغلاق هذه المسارات.

الورقة الثانية هي الطاقة. إيران تمتلك موارد نفطية وغازية كبيرة وترتبط بعض دول منطقة معها بتجارة الطاقة أو بمشروعات الربط الكهربائي وتبادل الغاز ويمكن تطوير هذه العلاقات عبر عقود تجارية مستقرة ومشروعات مشتركة وترتيبات لمبادلة الطاقة مما يجعل التعاون الاقتصادي أكثر فائدة للجميع مثل تصدير الغاز والكهرباء إلى العراق وهو طبعا بحاجة ملحة للكهرباء والغاز الإيراني.

الورقة الثالثة هي التجارة الحدودية. يعني إغلاق المعابر أو فرض قيود واسعة على التجارة يضر عادة بالطرفين ولا سيما المجتمعات الحدودية والشركات التي تعتمد على حركة البضائع. خاصة المجتمعات الحدودية التي تكون عادة المجتمعات هشة وبحاجة إلى هذه التجارة لذلك تستطيع إيران استخدام المفاوضات التجارية والاتفاقات الجمركية وتسهيل وصول السلع إلى الأسواق الإيرانية لتكوين مصالح مشتركة تقلل الحوافز إلى المشاركة في عزلها والخضوع أمام العقوبات.

 

الورقة الرابعة طبعا هي الدبلوماسية الأقليمية من مصلحة إيران أن تبرم مع جيرانها اتفاقيات واضحة. طبعا موجودة هناك بعض الاتفاقيات لكن تحتاج إلى اتفاقيات واضحة أكثر بشأن استمرار حركة البضائع وعدم تمييز التعسف بين الشركات والتشاور قبل اتخاذ إجراءات استثنائية تؤثر يعني في التجارة العابرة للحدود ويمكن أن تشمل هذه الاتفاقيات آليات للتحكيم وتسوية النزاعات وضمان استمرار عبور السلع الإيراني والضرورية لكن هل تستطيع إيران فرض عقوبات مثلا مضادة على جيرانها؟

من ناحية العملية طبعا تستطيع الدول تعديل سياساتها التجارية أو مراجعة بعض الاتفاقيات أو اتخاذ تدابير اقتصادية ضمن القانون الدولي والتزاماتها التعاقدية لكن استخدام هذه الأدوات بصورة انتقامية قد يدفع الدول المجاورة للبحث عن طرق بديلة ويعزز الممرات التي تتجاوز إيران ويقلل الثقة بوصفها شريكا تجاريا في النهاية برأيي حماية إيران من العزلة لا تتحقق بمجرد امتلاك أدوات للضغط على الجيران بل تتحقق ببناء شبكة من المصالح تجعل التعاون معها خيارا اقتصاديا مفيدا وتجعل مشاركة في عزلها مكلفة للدول الأخرى أيضا

 

فاصل و نواصل

 

مستمعينا الأكارم، ونحن نصل إلى ختام هذه الحلقة، تتجلى أمامنا حقيقة استراتيجية لا لبس فيها: إن فكرة الحصار البري على إيران تظل وهماً سياسياً يصطدم بصلابة الواقع وحقائق الجغرافيا. لقد أثبت مسار الأحداث والأرقام أن إيران ليست طرفاً هامشياً في معادلة المنطقة يمكن تجاوزه أو عزله بجدران خرسانية وتفاهمات أمنية عابرة؛ بل هي العقدة المركزية التي تلتقي عندها خطوط التجارة من ممر «شمال - جنوب» وصولاً إلى امتدادات طريق الحرير التاريخي.

إن محاولات بعض دول الجوار مسايرة لإملاءات الأمريكية لقطع الشرايين البرية لن تكسر إرادة طهران، بقدر ما ستجر تلك العواصم نفسها إلى أزمات طاقة خانقة وخسائر اقتصادية فادحة؛ فالغاز الإيراني الرخيص، والسلع الميسّرة، والموقع الجيوسياسي الفريد، أمور لا يمكن تعويضها بقرارات سياسية ولا بمسارات بديلة باهظة التكلفة وعالية المخاطر.

الخلاصة واضحة: لا يمكن حبس الجغرافيا، ولا يمكن خنق دولة تمسك بمفاتيح العبور بين الشرق والغرب. ومَن يسعى لإحكام الحصار على إيران، يجد نفسه في نهاية المطاف يحاصر اقتصاده ويقطع شريان استقراره بيده.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة